حين تُقال الحقيقة بجرأة
تاريخ النشر: 14th, February 2026 GMT
خالد بن حمد الرواحي
في كثير من المؤسسات الحكومية، لا تكمن المشكلة في غياب الأنظمة أو ضعف اللوائح، بل في تلك المساحة الرمادية بين ما يُكتشف وما يُقال، وبين ما يعرفه المدقق وما يصل فعليًا إلى صانع القرار. هناك، في هذا الفراغ الخفيّ، تُختبر قيمة التدقيق الداخلي على حقيقتها؛ لا بعدد التقارير الصادرة، ولا بكثرة الصفحات، بل بمدى استقلاله، وجرأته، وصدقه في نقل الواقع كما هو، دون تلطيف أو التفاف.
ومن هنا، لا يمكن النظر إلى التدقيق الداخلي بوصفه وظيفة فنية تُراجع الأرقام فحسب، بل كدورٍ جوهري يحمي القيمة قبل أن يحمي الإجراء. فهو خط الدفاع الأخلاقي والإداري الأول داخل المؤسسة، والحارس الذي يُنبه قبل أن يتراكم الخلل. وحين يكون مستقلًا بحق، يتحوّل التقرير من وثيقة إجرائية إلى أداة إصلاح، ومن سردٍ للملاحظات إلى بوصلة تُوجّه القرار وتُعيد ترتيب الأولويات.
أمّا حين تُقيَّد استقلاليته، فإن أفضل الكفاءات، وأدقّ المنهجيات، تفقد معناها مهما بلغت احترافيتها، لأن المشكلة عندها لا تكون في المهارة… بل في القدرة على قول الحقيقة كاملة.
وتؤكد التجارب الدولية هذا المعنى بوضوح؛ فكلما كانت وحدة التدقيق الداخلي بعيدة عن الضغوط الإدارية، وقريبة من دوائر الحوكمة العليا، ازدادت جودة التقارير الصادرة عنها. عندها، لا تكون التقارير مجرد وصف للواقع، بل قراءة صادقة له: أكثر وضوحًا، وأكثر توازنًا، وأكثر قدرة على تسمية الخلل باسمه.
فهي لا تُجامل، ولا تُبالغ، بل تُقدّم الحقيقة كما هي، مدعومة بالأدلة، ومترجمة إلى توصيات قابلة للتنفيذ، تُساعد صانع القرار على الفهم… ثم على الفعل.
في المقابل، يتغيّر المشهد تمامًا حين يكون المدقق تابعًا إداريًا لمن يُفترض أن يراجعه. تتغيّر لغة التقرير بهدوء؛ فتصبح الملاحظات أكثر ليونة مما ينبغي، والتوصيات أكثر عمومية، والزمن بين الاكتشاف والإصدار أطول من اللازم. ليس لأن الخلل غير موجود، بل لأن الإنسان- مهما بلغت مهنيته- يتأثر حين يعرف أن من سيقرأ التقرير… هو نفسه من يقيّمه. وهنا، يتحوّل التقرير من أداة تصحيح إلى إجراء شكلي يملأ الأرشيف، ولا يُغيّر السلوك.
ومن هذا المنطلق، لا تُقاس جودة التقرير الرقابي بصحّة الأرقام وحدها، بل بمجموعة عناصر متداخلة تعكس قيمته الحقيقية: هل كُتب بلغة مفهومة لصانع القرار؟ وهل ركّز على القضايا الجوهرية أم انشغل بالهامش؟ وهل قدّم حلولًا عملية أم اكتفى بوصف المشكلة؟ وهل صدر في الوقت المناسب، أم بعد أن تجاوزته الأحداث؟
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال إداريًا فقط، بل إنسانيًا وتنظيميًا بامتياز:
هل نريد تدقيقًا يُطمئن، أم تدقيقًا يُصلح؟
وهل نبحث عن تقارير «آمنة»، أم تقارير صادقة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لا يمكن فصلها عن استقلالية الجهة التي أعدّت التقرير. فالاستقلال لا يعني الخصومة مع الإدارة، بل الحماية من تضارب المصالح. ولا يعني الصدام، بل القدرة على قول: «هذا المسار خاطئ» حين يكون كذلك فعلًا، دون خوف أو تردد.
ولهذا، تُثبت التجارب الناجحة أن المؤسسات التي تحمي استقلال التدقيق الداخلي، إنما تحمي نفسها أولًا؛ تحمي سمعتها، وقراراتها، ومالها العام. فالتقرير الجيد لا يحرج المؤسسة، بل ينقذها من تكرار الخطأ، ومن تراكم الخلل، ومن مفاجآت أكبر في المستقبل.
وفي النهاية، يمكن القول إن التقارير الرقابية لا تكون قوية إلا بقدر ما يكون من كتبها مستقلًا.. مستقلًا في اختيار موضوع المراجعة، ومستقلًا في الوصول إلى المعلومات، ومستقلًا في صياغة النتيجة.
الرقابة الحقيقية لا تبدأ من الورق، ولا من عدد التقارير، ولا من صرامة الإجراءات؛ بل من الشجاعة المؤسسية التي تسمح للحقيقة أن تُكتب كما هي، وأن تُقال في وقتها، وأن تُستقبل بوصفها فرصة للإصلاح لا تهديدًا للمواقع؛ فحين تُقال الحقيقة بجرأة، لا تحمي المؤسسات أنظمتها فقط، بل تحمي مستقبلها أيضًا.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
أبو عبيدة: مسلسل القتل اليومي لأهلنا بغزة يضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة
غزة - صفا
طالب الناطق باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة "حماس" أبو عبيدة، يوم الثلاثاء، الوسطاء بإلزام الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.
وقال أبو عبيدة في خطاب مصور: "جرائم الاغتيال ومسلسل القتل اليومي لشعبنا ومقاومينا وما يشهده غزة من جرائم يومية وتنصل الاحتلال من اتفاق وقف إطلاق النار تضع الوسطاء أمام لحظة الحقيقة" متسائلًا: "أين دوركم؟ وأين مسؤولياتهم؟".
وأضاف "نخاطب الوسطاء كأبناء أمتنا بأن لا يساووا بين الضحية والجلاد، وندعوهم للوقوف موقفاً تاريخيًا مع غزة وإجبار الاحتلال على تنفيذ بنود اتفاق وقف إطلاق النار".
ولفت أبو عبيدة إلى أن "الاحتلال فهم المرونة ضعفًا والتريث تراجعًا ولكنه لم يعلم أننا لن ننسى أو نغفر حتى يدفع فاتورة الحساب كاملة".
وأردف أبو عبيدة "نحن في مواجهة عدو خسيس لا يقر بحرمات الاتفاقات وأساء قراءة المشهد وأخطأ التقدير".
وشدد على أن "فاتورة الحساب ستبقى مفتوحة حتى يدفعها عدونا الجبان الذي يتوهم إضعافنا باغتيال قادتنا لكن دماءهم هي الوقود الذي يحرك سفينتنا لتشق الصعاب".
ونعى الناطق باسم "القسام" الشهيد القائد عز الدين الحداد قائد أركان كتائب القسام مؤكدًا أنه من المخططين لعبور السابع من أكتوبر كما أنه قاد العمليات الدفاعية في القاطع الشمالي من قطاع غزة خلال العدوان.
كما نعى القائد محمد عودة مشيرًا إلى أنه كان مقربًا من شهيد الأمة أبو خالد الضيف وقاد لواء الشمال وركن الأسلحة القيادية قبل انتقاله لركن الاستخبارات العسكرية، قبل قيادة أركان كتائب القسام خلفًا للحداد.
وتابع أبو عبيدة "لقد بقي منا قادة منا نشؤوا في ميادين الرباط والإعداد حنكتهم التجارب وصقلتهم الحروب".
ومضى قائلًا: "بعد استشهاد قادتنا، أبشروا بما يسوؤكم يا أعداء الله، لم تصنعوا شيئاً وبقي قادة يجمعون ويعدون لكم، ولن يحيدوا عن درب المقاومة والشهداء".
وخاطب أبو عبيدة أبناء الأمة العربية والإسلامية قائلًا: "أنتم اليوم أولياء الدم، وواجب الوقت هو الانخراط الفوري في المعركة، ولم يعد مقبولاً الصمت أو الوقوف على الحياد، وعلى الجميع تصحيح البوصلة نحو العدو الأول للأمة وهو العدو الصهيوني".
وقال: "يا أهلنا في قطاع غزة، حرامٌ علينا أن نخون دماءكم ودماء الشهداء، وسنبقى الأوفياء لكم ولاحتضانكم أبناءكم المجاهديـن".
ووجه أبو عبيدة التحية لكل من وَقف مع فلسطين وساندها.