تشهد عدة دول حول العالم أحداثاً أمنية وميدانية متسارعة، تنوعت بين حوادث إطلاق نار وكوارث طبيعية واعتداءات فردية، إلى جانب تطورات تتعلق بالسلامة العامة. ففي الولايات المتحدة، قُتل شخصان وأُصيب ثالث في حادث إطلاق نار داخل جامعة ولاية كارولينا الجنوبية، فيما أعلنت السلطات الفرنسية مصرع ثلاثة متزلجين جراء انهيار جليدي في منتجع “فال ديزير”.

وفي باريس، وقع هجوم بسكين قرب قوس النصر أسفر عن إصابات، بينما وُضع المشتبه به في حالة حرجة. وعلى صعيد متصل، شهدت مواقع التواصل حملة تضامن واسعة مع شرطي سوري بعد تعرضه لمحاولة دهس من مجهولين. وفي إسرائيل، تقرر إجراء فحص شامل لجميع أسطوانات الأكسجين عقب حادث مميت في أشدود، بينما أعلنت السلطات الكوبية السيطرة على حريق في مصفاة “نيكو لوبيز” في هافانا دون تسجيل إصابات.

مقتل شخصين وإصابة ثالث في حادث إطلاق نار بجامعة ولاية كارولينا الجنوبية

أفادت تقارير إعلامية أمريكية بمقتل شخصين وإصابة ثالث في حادث إطلاق نار وقع ليلة الخميس في جامعة ولاية كارولينا الجنوبية.

وأغلقت الجامعة الحرم الجامعي حوالي الساعة 9:15 مساء بالتوقيت المحلي (02:15 بتوقيت غرينتش) فور تلقيها بلاغًا عن الحادث، وظل الإغلاق ساري المفعول لساعات عدة ضمن إجراءات السلامة المعمول بها لحماية الطلاب والعاملين.

ولم يتم الكشف حتى الآن عن هويات الضحيتين أو عن حالة المصاب، بحسب بيان صادر عن الجامعة، التي أعلنت أيضًا إلغاء الدراسة يوم الجمعة كإجراء احترازي.

ولم تقدم السلطات أي معلومات حول مكان وجود أي مشتبه به أو مشتبه بهم، فيما أكدت الجامعة استمرار التنسيق مع الشرطة المحلية للتحقيق في الحادث وضمان الأمن داخل الحرم الجامعي.

ويأتي الحادث في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة سلسلة حوادث إطلاق نار متكررة في المؤسسات التعليمية، مما يعكس التحديات المستمرة التي تواجه الجامعات الأمريكية في ضمان سلامة الطلاب والعاملين.

فرنسا.. مصرع 3 متزلجين في انهيار جليدي بمنتجع “فال ديزير”

توفي ثلاثة متزلجين إثر جرفتهم كتلة ثلجية خلال انهيار جليدي في منتجع التزلج الفاخر “فال ديزير” في جبال الألب الفرنسية.

وقال سيدريك بونيفي، المسؤول عن مسارات التزلج في المنتجع، إن أحد الضحايا فرنسي الجنسية، بينما كان الآخران من الأجانب، وأضاف أن التحقيق في الحادث لا يزال جاريًا.

وأوضح بونيفي أن أحد الضحايا كان عالقًا على ارتفاع عالٍ على منحدر الجبل عند وقوع الانهيار، في حين كان الضحيتان الآخران ضمن مجموعة مكونة من خمسة أشخاص، بينهم مرشد محترف، في جزء أقل ارتفاعًا من الجبل ولم يشاهدوا الكارثة.

وبحسب المسؤول، لم يتضح بعد سبب الانهيار الجليدي، بينما كانت هيئة الأرصاد الجوية الوطنية (Météo France) قد أصدرت تحذيرًا باللون الأحمر لمنطقة المنتجع يوم الخميس الماضي، تحذر من خطر الانهيارات الجليدية.

هجوم بسكين قرب قوس النصر في باريس.. والمشتبه به في حالة حرجة

أعلنت السلطات الفرنسية، الجمعة، فتح تحقيق عاجل عقب هجوم بسكين استهدف عناصر من الدرك الفرنسي قرب قوس النصر في العاصمة باريس.

وقال وزير الداخلية الفرنسي، لوران نيونيز، إن رجلاً حاول، “ولأسباب لا تزال غير معروفة”، الاعتداء بسلاح أبيض على عناصر الدرك في ساحة الإليزيه.

وأضاف نيونيز أن أحد رجال الدرك استخدم سلاحه الناري لتحييد المشتبه به، مشيرًا إلى أن حالته “حرجة جدًا”، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن وضعه الصحي.

من جهتها، أوضحت النيابة العامة الفرنسية لمكافحة الإرهاب أنها أُبلغت بالحادث، وقررت فتح تحقيق عاجل لتحديد ملابساته ودوافعه.

ووفقًا لما نقلته قناة “تي إف 1” الفرنسية، تمكنت الشرطة من تحييد رجل هاجم جنودًا بسكين مساء الجمعة قرب قوس النصر.

وأشارت القناة إلى أن الهجوم وقع أثناء استعداد جنود لإشعال شعلة قبر الجندي المجهول، حيث أُصيب أحد عناصر الدرك بجروح طفيفة في يده.

وتم نقل المشتبه به إلى المستشفى بعد إصابته برصاص أحد رجال الدرك.

وبحسب مصدر مقرّب من التحقيق، فإن المشتبه به معروف لدى أجهزة الأمن، وكان قد اتصل بمركز شرطة في منطقة سين-سان-ديني بعد ظهر الجمعة، مهددًا بقوله: “سأرتكب هجومًا في باريس عن طريق قتل عسكريين”.

كما سمحت عمليات البحث على هاتفه المحمول بتحديد موقعه في منطقة غراند أرمي قرب ساحة النجمة.

وأضافت القناة، نقلًا عن مصادر أمنية، أن المشتبه به سبق أن ارتكب اعتداءً إرهابيًا في بلجيكا، وتصرف بطريقة مشابهة عبر الاتصال بالشرطة لإبلاغها بنيته تنفيذ الهجوم.

وأفادت المصادر بأن الرجل كان يخضع لإجراء فردي للرقابة الإدارية والمراقبة في فرنسا.

حملة تضامن واسعة مع شرطي سوري بعد محاولة دهسه من مجهولين

أطلق ناشطون وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي حملة تضامن مع الشرطي حسن ناصر، العامل في فرع مرور دمشق، بعد قرار وزارة الداخلية السورية إيقافه وإيداعه مركز احتجاز، على خلفية حادثة مرورية جرى تداولها عبر فيديو مطلع شهر شباط الجاري.

وطالب المشاركون في الحملة بإعادة الاعتبار للشرطي، معتبرين أنه كان يؤدي واجبه وفق القانون، بعد منعه سائقا من المرور في حي الشعلان، قبل أن يحاول الأخير دهسه ويرفض الامتثال للأوامر وتسليم أوراق المركبة المخالفة.

وأكد المتضامنون أن الحادث يعكس إشكالية أوسع تتعلق بحماية عناصر الشرطة أثناء أداء مهامهم، مطالبين بفتح تحقيق شفاف يُنصف الشرطي ويُحاسب السائق المعتدي، بما يضمن سيادة القانون وحماية القائمين على تطبيقه.

إسرائيل.. فحص شامل لجميع أسطوانات الأكسجين بعد حادث مميت في أشدود

قررت وزارة الصحة الإسرائيلية فحص جميع أسطوانات الأكسجين في المنشآت الطبية بعد حادث خطير تسبب في حالة من الذعر على مستوى البلاد.

وأعلن متحدث باسم الوزارة أن الحادث وقع في مختبر بمصفاة نفط في مدينة أشدود، حيث توفيت امرأتان بعد العثور عليهما فاقدتين للوعي يوم الأربعاء.

وأشارت التقارير الأولية إلى وجود خلل في أسطوانات الأكسجين التي استخدمتهما السيدتان، مما أثار مخاوف الوزارة بشأن احتمالية وجود مواد سامة في الأسطوانات على نطاق البلاد.

ووفق توجيهات الوزارة التي نشرتها صحيفة The Jerusalem Post، يجب فحص جميع الأسطوانات وإخراج التالف منها من الخدمة. كما يتم فحص أسطوانات المرضى الذين يخضعون للتنفس الاصطناعي المنزلي للتأكد من سلامتها.

وفي السياق ذاته، أصدرت هتزالا المتحدة، المنظمة التطوعية لخدمات الطوارئ الطبية في إسرائيل، تعليمات لجميع المتطوعين بتعليق استخدام أسطوانات الأكسجين الخاصة بهم مؤقتًا، والعمل على استبدال الأسطوانات غير المطابقة للمواصفات وتوفير معدات بديلة معتمدة.

السيطرة على حريق في مصفاة “نيكو لوبيز” في هافانا دون إصابات

أعلنت وزارة الطاقة والتعدين الكوبية، اليوم السبت، السيطرة على حريق اندلع في أحد مستودعات المشتقات النفطية التابعة لمصفاة مصفاة نيكو لوبيز في العاصمة هافانا، مؤكدة عدم تسجيل أي إصابات.

وقالت الوزارة في بيان عبر منصة “إكس”: “تمت السيطرة على الحريق الذي اندلع ظهر اليوم في أحد المستودعات الواقعة بمصفاة نيكو لوبيز”، مشيرة إلى أن التحقيقات جارية لتحديد أسباب الحادث.

ووفق البيان الرسمي، لم تُسجل حتى الآن أي إصابات بشرية أو أضرار مادية جراء الحريق.

وسبق صدور البيان انتشار مقاطع مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود من أحد الخزانات الساحلية للمصفاة.

وتُعد مصفاة “نيكو لوبيز” من أقدم وأهم المنشآت النفطية في كوبا، إذ شُيدت قبل الثورة الكوبية، قبل أن تخضع للتأميم عام 1960، وتحمل اسم الثوري الكوبي أنطونيو لوبيز.

وتواصل المصفاة، التي تُعتبر من بين المصافي القليلة العاملة في البلاد، أداء دور محوري في استقبال وتخزين ومعالجة المنتجات النفطية.

شجار على متن طائرة يجبر تحويل مسار الرحلة ويؤدي إلى حظر راكبين مدى الحياة

تعرضت رحلة جوية تابعة لشركة Jet2 من أنطاليا إلى مانشستر لحادث فوضوي على متنها، ما استدعى تدخل الشرطة وتحويل مسار الطائرة إلى بروكسل، قبل أن تكمل الرحلة إلى وجهتها الأصلية.

ووقع الشجار بين راكبين داخل المقصورة، حيث أظهرت مقاطع مصورة محاولات العراك وسحب الهواتف والدفع، وسط صرخات الركاب ومخاوف طاقم الضيافة. وأظهر مقطع آخر تدخل ضباط الشرطة لفض النزاع وتهدئة الموقف.

وأكد متحدث باسم الشركة أن الطيار اضطر لتحويل المسار بسبب “السلوك المروع” للراكبين، مشيرًا إلى أنهما سيحظران من السفر مع Jet2 مدى الحياة.

وأضاف أن الشركة ستسعى لاسترداد التكاليف الناتجة عن تحويل المسار، معبرة عن أسفها لما تعرض له بقية الركاب وطاقم الطائرة.

وتعد شركة Jet2، بصفتها ناقلًا جوياً صديقًا للعائلات، من الشركات التي تتبع سياسة صارمة بعدم التسامح مع أي سلوك تخريبي أو عدائي داخل الطائرات.

آخر تحديث: 14 فبراير 2026 - 21:05

المصدر

المصدر: عين ليبيا

كلمات دلالية: أمريكا أنطاليا إسرائيل حوادث حول العالم سوريا حرة فرنسا كوبا أسطوانات الأکسجین السیطرة على إطلاق نار إلى أن

إقرأ أيضاً:

المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش

حين يكون الفشل مُقيما لا عابرا

هناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.

والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.

فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.

ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.

أولا: الفن غائب والقضية تنزف

عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.

بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.

الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.

والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.

في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.

يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.

ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟

السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.

يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.

لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.

تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.

يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.

الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.

ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة

في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.

ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.

هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.

الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.

رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟

عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.

إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.

هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.

وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟

خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟

تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية،  لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.

هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.

التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.

على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.

وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.

سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا

انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.

أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.

ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.

ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟

رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.

ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع

في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.

المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.

أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.

المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.

النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.

المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.

مقالات مشابهة

  • كل ما تريد معرفته عن المجموعة السابعة بكأس العالم 2026
  • الإعلان عن إطلاق مشروع "محاكاة كأس العالم 2026" بغزة
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • رئيس وزراء فرنسا: مرتكبو أعمال العنف يجب أن يتحملوا تكلفة الأضرار
  • ديشامب: فرنسا ضمن 12 منتخبًا يمكنهم التتويج بكأس العالم 2026
  • من الأردن إلى أمريكا.. يوم حافل بـ«الحوادث والكوارث» حول العالم
  • بحضور رسمي وإعلامي واسع.. إطلاق مشروع "محاكاة كأس العالم 2026" في غزة
  • شباب عُمان ينافسون في بطولة أدوبي العالمية للتصميم بأمريكا
  • ماكرون يزور معسكر فرنسا قبل كأس العالم 2026.. رسائل دعم وتحفيز للديوك
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش