تحت عباءة “التعاون الجيولوجي”: مشروع سعودي لإعادة رسم شرق اليمن ونهب ثرواته النفطية والمعدنية
تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT
لم يعد التحرك السعودي في شرق وجنوب اليمن المحتل مجرد حضور عسكري أو ترتيبات أمنية عابرة لإضفاء شرعية طرف على آخر، بل بات يتكشف – يومًا بعد آخر – كمخطط متكامل لإعادة هندسة الجغرافيا والسيادة الاقتصادية اليمنية، تبدأ خرائطه من الربع الخالي ولا تنتهي عند سواحل بحر العرب.
الثورة/ مصطفى المنتصر
تحقيق استقصائي نشرته صحيفة The Cradle البريطانية وضع هذا المشروع في دائرة الضوء، كاشفًا أن ما تسوّقه الرياض باعتباره “تعاونًا فنيًا وجيولوجيًا” ليس سوى واجهة ناعمة لعملية هيمنة منظّمة تستهدف السيطرة على النفط والغاز والمعادن النادرة في الأراضي اليمنية المحتلة، خصوصًا في المناطق الشرقية الغنية والثابتة تاريخيًا خارج النفوذ السعودي.
وبحسب التحقيق، فإن مذكرة “التعاون الجيولوجي” التي صادق عليها مجلس الوزراء السعودي تمثّل نقطة ارتكاز خطيرة، إذ لا تتعلق بأبحاث علمية محايدة، بل بانتزاع المعرفة الجيولوجية السيادية لليمن، بما تحمله من بيانات دقيقة عن مكامن الطاقة والمعادن الاستراتيجية.
الخراخير.. النفط يشعل الصدام
لم يلبث هذا التفويض أن تُرجم ميدانيًا في منطقة الخراخير، الواقعة على أطراف الربع الخالي، حيث اندلعت مواجهات مسلحة بين مليشيات “درع الوطن” المدعومة سعوديًا وبين قبائل المناهيل الحضرمية، في مشهد أعاد إلى الواجهة جذور الأطماع السعودية تجاه ثروات وموارد اليمن.
الاشتباكات التي أوقعت جرحى وأجبرت مليشيات موالية للرياض على الانسحاب من بعض المواقع، كشفت أن المشروع السعودي يصطدم برفض قبلي وشعبي واسع، يرى في هذا التمدد اعتداءً مباشرًا على الأرض والهوية والموارد.
وردًا على هذا الرفض، دفعت الرياض بتعزيزات عسكرية ومعدات ثقيلة، وتوغلت في مناطق جديدة داخل حضرموت، في محاولة واضحة لكسر أي مقاومة محلية لا تنسجم مع مخططها، وتحويل المنطقة إلى مجال نفوذ خالص يخضع لإدارتها المباشرة.
محو القرى اليمنية من الخرائط
أحد أخطر ما كشفه التحقيق هو طلب السعودية من شركة Google حذف القرى اليمنية في الخراخير من الخرائط الرقمية، في سابقة اعتبرها ناشطون وحقوقيون محاولة ممنهجة لطمس هوية المنطقة وتجريدها من أي صفة يمنية تمهيدًا للاستيلاء عليها.
هذا السلوك – الذي يتجاوز السياسة إلى التلاعب بالوعي العالمي – يعكس عقلية استعمارية حديثة لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تسعى لإلغائها رقميًا، بحيث يصبح نهبها لاحقًا “أمرًا لا مفرّ منه ولا يُسأل عنه أحد”، في ظل تراخٍ وتماهٍ من قبل الأدوات المحلية التي صنعتها الرياض بيديها.
نفط يهرب.. وغضب يفجّر المشهد
التحقيق نقل عن مصادر محلية توثق مقاطع مصوّرة تُظهر نقل النفط اليمني من المنطقة إلى خارج الحدود، في ظل صمت وتجاهل من سلطات المرتزقة المعيّنة من السعودية، ما فجّر موجة غضب واسعة في أوساط القبائل والسكان المحليين، ما دفع السعودية – وفق المصادر – إلى إصدار أوامر انسحاب جزئي من بعض المواقع، وفصل مئات الجنود، في محاولة لاحتواء تداعيات الفضيحة، دون أن يعني ذلك التراجع عن جوهر المشروع.
عقدة الثروة والطموح النفطي
تكتسب الخراخير أهميتها من موقعها الحساس على المثلث الحدودي بين اليمن وسلطنة عُمان والسعودية، إضافة إلى غناها المؤكد بالنفط والغاز. وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية وجغرافية لليمن، إلا أن النظام السعودي يسعى إلى ضمّها إليه مستغلًا غياب النظام والدولة في المناطق التي يسيطر عليها منذ عام 2015.
أنبوب إلى بحر العرب.. حلم قديم بثوب جديد
في خلفية المشهد، يبرز مشروع سعودي قديم – متجدد – يتمثل في إنشاء خط أنابيب نفطي يمتد من الخراخير مرورًا بمحافظة المهرة وصولًا إلى بحر العرب، بما يمنح الرياض منفذًا بحريًا بديلًا عن مضيق هرمز، ويحرّر صادراتها النفطية من أي ضغط جيوسياسي مستقبلي.
هذا المشروع لا ينفصل عن الصراع السعودي–الإماراتي على النفوذ في الجنوب، ولا عن مساعي الرياض لإعادة رسم خريطة شرق اليمن بما يخدم مصالحها الاستراتيجية، حتى لو كان الثمن تفكيك الجغرافيا اليمنية وتحويلها إلى ممرات طاقة بلا سيادة.
من النفوذ العسكري إلى نهب الثروة
ما يكشفه تحقيق The Cradle هو انتقال المشروع السعودي في اليمن إلى مرحلة أكثر خطورة: مرحلة إدارة الموارد لا مجرد التحكم بالسلاح. فالتوغلات العسكرية، وتحييد القبائل، والسيطرة على الخرائط، وطمس القرى رقميًا، كلها حلقات في سلسلة واحدة هدفها تحويل شرق اليمن إلى مخزون احتياطي للطاقة السعودية.
الخراخير، في هذا السياق، ليست مجرد منطقة حدودية، بل نقطة اشتباك كبرى بين السيادة والنهب، وبين الجغرافيا الوطنية والمشاريع العابرة للحدود. وما يجري حولها يؤشر بوضوح إلى أن الصراع في جنوب وشرق اليمن يتجه من كونه صراع نفوذ سياسي إلى صراع وجودي على الأرض والثروة والقرار.
وهو صراع مرشح للتصاعد ما دامت الرياض تصرّ على التعامل مع اليمن باعتباره ساحة مفتوحة لمشاريعها، لا دولة ذات سيادة وتاريخ وحقوق غير قابلة للمحو.. لا على الأرض ولا على الخرائط.
المصدر
المصدر: الثورة نت
إقرأ أيضاً:
السعودية أمام شرط أمريكي جديد.. ماذا يريد ترامب؟
ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تنفيذ اتفاق التعاون النووي المدني مع السعودية بانضمام الرياض إلى اتفاقيات أبراهام الخاصة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، مؤكدًا أن الاتفاق النووي لن يدخل حيز التنفيذ الكامل إلا بعد تحقيق هذا الشرط.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في منشور عبر منصته «تروث سوشيال»، إن اتفاقية التعاون في مجال الطاقة النووية السلمية التي أبرمت بين وزارة الطاقة الأمريكية والمملكة العربية السعودية تقتصر بشكل كامل على الاستخدامات المدنية للطاقة النووية.
وأوضح ترامب أن الاتفاق «سيتم اعتماده»، لكنه شدد على أن تنفيذه يعتمد بصورة كاملة على انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام، التي أبرمت خلال ولايته الأولى وشملت تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
وقال ترامب: «اتفاقية التعاون في مجال الذرة السلمية، التي أبرمت بين وزارة الطاقة الأمريكية والمملكة العربية السعودية تتعلق حصريًا بالاستخدام المدني للطاقة النووية… ستتم الموافقة عليه، لكن تنفيذه يعتمد كليًا على انضمام المملكة العربية السعودية إلى اتفاقيات أبراهام».
وأكد الرئيس الأمريكي أن الاتفاق النووي مع السعودية لا يسمح بتخصيب اليورانيوم، مشيرًا إلى أن التعاون يندرج ضمن إطار البرامج النووية المدنية فقط.
وكانت الولايات المتحدة والسعودية قد وقعتا، الأربعاء، اتفاقية تعاون نووي مدني جديدة تمنح المملكة إطارًا قانونيًا وتنظيميًا لتطوير برنامجها النووي السلمي، ضمن خطط الرياض لتنويع مصادر الطاقة.
ووقع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي عبد العزيز بن سلمان اتفاقية التعاون النووي المعروفة باسم «اتفاقية 123»، إلى جانب ما وصفته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ«اتفاقية ضمانات ثنائية».
وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن الاتفاقيات تعكس «التزام البلدين المشترك بتعزيز العلاقات التجارية الأمريكية السعودية وتحقيق الازدهار في الداخل والأمن للحلفاء في الخارج».
وأضاف رايت أن الاتفاقيات تلتزم بأعلى معايير السلامة النووية ومنع الانتشار النووي، وتعتمد على التقنيات والخبرات النووية الأمريكية.
وتمنح اتفاقية «123»، المعروفة رسميًا باسم اتفاق التعاون في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، الشركات الأمريكية إطارًا يسمح لها بالمنافسة والدخول إلى السوق النووي السعودي، الذي تسعى المملكة إلى تطويره ضمن استراتيجية أوسع لتنويع مصادر الطاقة.
وفي إسرائيل، رحب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بربط ترامب الاتفاق النووي السعودي بالانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، معتبرًا أن هذه الخطوة ستكون «تاريخية نحو السلام في الشرق الأوسط».
وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي إن «العملية العسكرية المشتركة التي قامت بها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد النظام في طهران، إلى جانب تدمير إسرائيل لمحور الجماعات المسلحة المدعومة من إيران، خلقت فرصة لتوسيع دائرة السلام».
وأضاف البيان أن انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام يمثل خطوة مهمة ضمن رؤية توسيع دائرة العلاقات بين إسرائيل والدول العربية.
ولم تصدر السعودية تعليقًا رسميًا على تصريحات ترامب بشأن ربط الاتفاق النووي بالتطبيع مع إسرائيل، إلا أن الرياض أكدت في مواقف سابقة أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل مرتبطة بوجود مسار واضح ولا رجعة فيه نحو إقامة دولة فلسطينية، باعتبار ذلك موقف المملكة الثابت.