مراهقون بلا حماية في قبضة منصات التواصل الاجتماعي
تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT
في لحظة سياسية تبدو أقرب إلى الإجماع الأخلاقي العابر للأيديولوجيات، تتسابق الحكومات حول العالم لسنّ تشريعات تمنع المراهقين من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، انطلاقًا من افتراض بات شبه بديهي في الخطاب العام: هذه المنصات تضر بالصحة النفسية للأطفال، ومن ثم فإن حظرهم منها هو الخيار المسؤول الوحيد.
وقد بدأت أستراليا بالفعل في تنفيذ هذا التوجه عبر منع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على منصات كبرى، بينما تدرس دول أخرى من بينها المملكة المتحدة وإسبانيا خطوات مماثلة، وسط دعم شعبي واسع يعكس قلقًا متصاعدًا بشأن جيل نشأ بالكامل تقريبًا داخل الفضاء الرقمي.
غير أن هذا الاندفاع التشريعي، كما لاحظ مقال حديث في The Economist، يكشف مفارقة لافتة: الإجماع السياسي على الحظر يسبق بكثير الإجماع العلمي على حجم الضرر. فحتى الآن، لا توجد أدلة قاطعة على أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤدي إلى تدهور منهجي في الصحة النفسية للمراهقين ككل، رغم وجود مؤشرات على أن بعض الأطفال قد يتضررون بالفعل.
المشكلة المنهجية الأعمق أن معظم الدراسات تعتمد على تقارير ذاتية من المستخدمين حول مدة الاستخدام، وهي بطبيعتها غير دقيقة، ما يجعل الربط بين الوقت الذي يقضيه المراهق على المنصة وبين مؤشرات الاكتئاب أو القلق ربطًا إحصائيًا هشًا في أفضل الأحوال.
لكن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح ليس كم من الوقت يقضيه الأطفال على تلك المنصات، بل: ماذا تفعل هذه المنصات بهم خلال هذا الوقت؟ وأي نوع من المحتوى تدفعه الخوارزميات إلى واجهتهم؟ وفي أي سياق نفسي يحدث هذا الدفع؟ وهل تُكافئ خوارزميات التوصية التفاعل الهادئ، أم المحتوى الأكثر إثارة للغضب والقلق لأنه يضمن بقاء المستخدم لفترة أطول؟ تلك أسئلة لا يمكن الإجابة عنها بدقة لأن الشركات المالكة لهذه المنصات تحتكر البيانات اللازمة للبحث وترفض إتاحتها للمجتمع العلمي.
هنا تحديدًا ينتقل النقاش من الصحة النفسية إلى الاقتصاد السياسي. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت بنية تحتية لاستخراج القيمة الاقتصادية من الانتباه البشري، فكل ثانية يقضيها المستخدم طفلًا كان أو بالغًا تُترجم إلى احتمالات نقر، ثم إلى مزادات إعلانية لحظية، ثم إلى تدفقات ربح.
في هذا السياق، لا تبدو الخوارزمية أداة محايدة لتنظيم المحتوى، بل آلة تحسين مستمرة لتعظيم زمن البقاء على المنصة، حتى لو كان الثمن إعادة هندسة الإدراك ذاته.
ولذلك، فإن الحظر الشامل، رغم جاذبيته الشعبية، يخاطر بمعالجة العرض وترك المرض، فالتجربة الأسترالية تشير إلى أن المراهقين لا يختفون من الفضاء الرقمي بقرار إداري، بل يهاجرون إلى تطبيقات أقل خضوعًا للتنظيم، أو مجتمعات ألعاب، أو منصات مراسلة مشفّرة.
المخاطر لا تختفي إذن، بل تنتقل إلى مناطق ظل رقمية تقل فيها الشفافية وتزداد صعوبة التدخل، بل إن أدوات التحقق من العمر المطروحة كحل تقني قد تفتح الباب أمام طبقات جديدة من جمع البيانات الحساسة من مسح الوجه إلى رفع وثائق الهوية ما يحول حماية الطفل إلى ذريعة لتوسيع اقتصاد المراقبة ذاته الذي يُفترض أنه محل مساءلة.
يصبح هذا الطرح أكثر إلحاحًا عند إسقاطه على واقع الدول النامية، حيث نكون أمام كتلة شبابية ضخمة تعيش داخل الفضاء الرقمي يوميًا، في ظل غياب شبه كامل لسياسات حماية رقمية موجهة للمراهقين، أو مناهج تعليمية جادة للوعي الرقمي، أو تشريعات تُلزم المنصات بالشفافية والمساءلة.
وفي بيئة تقل فيها البدائل الثقافية والترفيهية منخفضة التكلفة، ويتراجع فيها دور المدرسة والمساحات العامة، تتحول المنصة الرقمية من خيار إلى ملاذ شبه وحيد، هنا يبدو الحظر حلًا سهلًا لكنه غير مجدٍ يمنح صانع القرار عنوانًا أخلاقيًا سريعًا، لكنه لا يغير شيئًا في بنية المنصات ولا يمس اقتصاد الانتباه الذي يديرها.
القضية، في جوهرها، لا تتعلق بالسماح للمراهقين باستخدام وسائل التواصل من عدمه، بل بالسؤال الأعمق حول من يملك تصميم هذا الفضاء، ومن يحدد قواعده، ومن يراكم الأرباح الناتجة عن هشاشة الوعي البشري، خصوصًا في مجتمعات تعاني أصلًا من ضغوط اقتصادية واجتماعية حادة. وكما في ملف الديون، وكما في سياسات التقشف، لا يمكن معالجة الأعراض دون تفكيك البنية المكونة للأزمة.
ما دام نموذج العمل قائمًا على تعظيم التفاعل بوصفه غاية في ذاته حيث يُكافأ الإدمان ويُعاقَب الانصراف ستظل السلامة خاصية ثانوية تُضاف لاحقًا، هذا إن أُضيفت أصلًا.
ومن ثم، فإن الحظر ليس سياسة متكاملة بقدر ما هو اعتراف ضمني بعدم القدرة على مواجهة المشكلة من جذورها.
فبدلًا من إقصاء المستخدم الأضعف، ربما يكون الخيار الأكثر مسؤولية هو إعادة تصميم السوق الأقوى بفرض تصميمات آمنة افتراضيًا، وإتاحة بيانات مُجهّلة للباحثين، ومساءلة الخوارزميات التي تشكل بيئة إدراكية كاملة لجيل لم يُمنح بعد أدوات فهمها أو الدفاع عن نفسه داخلها.
اقرأ أيضاًبين الصفقة والاعتراف بالقوة.. لماذا يطلب ترامب لقاء خامنئي الآن؟
شكرًا محافظ المنيا
المصدر
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: المراهقين مواقع التواصل الاجتماعي وسائل التواصل الاجتماعي التواصل الاجتماعی
إقرأ أيضاً:
مصر عاصمة التعهيد الرقمي
«كونسنتركس» تتوسع بمليار دولار و11 ألف وظيفة جديدةهندى: وظائف المستقبل تحتاج مهارات أعلى .. ونعمل على إعداد الشباب لها
أعلنت شركة «كونسنتركس» العالمية المتخصصة فى خدمات التعهيد وإدارة مراكز الاتصال عن خطة توسع جديدة فى السوق المصرية، تستهدف رفع عدد موظفيها من 24 ألفاً حالياً إلى 35 ألف موظف بنهاية عام 2028، بزيادة صافية تبلغ 11 ألف وظيفة خلال عامين، وذلك فى إطار استثمارات تصل إلى مليار دولار أعلنت عنها الشركة فى مذكرة تفاهم وقعتها مع هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات «إيتيدا» فى يناير 2025.
جاء الإعلان خلال اجتماع جمع المهندس رأفت هندى، وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، بعمرو صبحى رئيس كونسنتركس مصر، بحضور المهندس أحمد الظاهر الرئيس التنفيذى لـ»إيتيدا»، والمهندس محمود صفراطه نائب الرئيس التنفيذى لتنمية أسواق تكنولوجيا المعلومات، إلى جانب علياء إسماعيل مدير قسم التطبيقات الجديدة بالشركة، وتناول الاجتماع مراجعة مستوى تنفيذ مذكرة التفاهم الموقعة، وبحث آفاق التعاون فى مجالات التدريب وتأهيل الكوادر الشابة وربط مخرجات التعليم التقنى باحتياجات السوق.
مسيرة 16 عاماً من 150 إلى 24 ألف موظف
بدأت «كونسنتركس» نشاطها فى مصر عام 2009 بـ150 موظفاً فحسب، فى مرحلة كان فيها قطاع التعهيد المصرى لا يزال فى طور التشكل، ومنذ ذلك الحين، واصلت الشركة توسعها بوتيرة منتظمة لتصل اليوم إلى 24 ألف موظف موزعين على 13 مركزاً فى عدد من المحافظات، بمعدل نمو سنوى يبلغ نحو 20%، ويجعل هذا الحجم من مصر ثالث أكبر مركز تشغيل للشركة على مستوى العالم من بين 72 دولة تعمل بها، بعد الهند والفلبين، والأكبر على مستوى منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
وكشف عمرو صبحى عن جدول زمنى محدد للمراحل القادمة من التوسع باستهداف 28 ألف موظف بنهاية العام الجارى 2025، ثم الوصول إلى 31 ألفاً خلال عام 2026، وصولاً إلى الهدف النهائى البالغ 35 ألف موظف بنهاية 2028، مشيراً إلى أن هذا المسار يعكس ثقة الشركة فى استدامة النمو بالسوق المصرية، مستنداً إلى معدلات الاحتفاظ بالموظفين وجودة الخدمات المقدمة من مصر لعملاء الشركة حول العالم.
التوسع الجغرافى يمتد إلى الدلتا والصعيد
لا تقتصر خطة التوسع على زيادة عدد الموظفين، بل تشمل افتتاح 5 مراكز جديدة خلال عامين فى محافظات لم تكن ضمن الخريطة الحالية للشركة، من بينها محافظات فى منطقة الدلتا وصعيد مصر، لترتفع شبكة مراكز الشركة من 13 إلى 18 مركزاً، ويمثل هذا التوجه تحولاً فى استراتيجية الشركة التى كانت تتمركز تاريخياً فى المدن الكبرى، نحو الاستفادة من احتياطيات العمالة الشبابية فى المحافظات التى تعانى تاريخياً من ارتفاع معدلات البطالة وشح الفرص الوظيفية فى القطاع الخاص.
وأشار وزير الاتصالات إلى أن هذا التوسع يأتى فى سياق اهتمام الوزارة بربط برامج التدريب المتخصص باحتياجات شركات القطاع، بما يسهم فى توفير فرص عمل للشباب فى مختلف المحافظات، لا فى العاصمة وحدها، فضلاً عن دوره فى رفع قيمة صادرات مصر الرقمية التى باتت أحد المحاور الرئيسية لخطط الحكومة لزيادة الإيرادات بالعملة الأجنبية.
الذكاء الاصطناعى وإعادة توزيع الأدوار
ناقش الاجتماع أيضاً توجهات الشركة فى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعى فى إدارة العمليات وخدمات العملاء، وتعتمد الشركة فى هذا الإطار على نموذج يجمع بين الأتمتة فى المهام التكرارية وتوظيف الكوادر البشرية فى المهام التى تتطلب تواصلاً لغوياً متخصصاً أو تعاملاً مع حالات تحتاج إلى حكم بشرى، وهو ما يفسر استمرار التوسع فى التوظيف البشرى بالتوازى مع تبنى التقنيات الحديثة.
ويطرح هذا النموذج تساؤلات جدية حول طبيعة الوظائف التى ستتاح فى مراحل التوسع القادمة، إذ يرجح أن تكون ذات طابع تقنى ومعرفى أعلى مقارنةً بالوظائف التقليدية فى مراكز الاتصال، وفى هذا الإطار، بحث الاجتماع فرص التعاون فى برامج «التدريب من أجل التوظيف» بالتنسيق مع الجامعات والمناطق التكنولوجية، مع تركيز خاص على اللغات الأجنبية ذات الطلب المرتفع فى سوق التعهيد العالمية، كالألمانية والفرنسية والإسبانية، إلى جانب المهارات التقنية المرتبطة بإدارة بيانات العملاء وتحليل الأداء.
خدمات بـ12 لغة لأسواق فى أربع قارات
تقدم «كونسنتركس مصر» خدماتها حالياً بـ12 لغة تشمل الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والإسبانية وغيرها، لعملاء فى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا الشمالية والجنوبية وكندا، وتغطى خدماتها قطاعات متعددة منها التجارة الإلكترونية والاتصالات والسياحة والتكنولوجيا المالية والرعاية الصحية والإعلام والنقل والبنوك.
ويُعد التنوع اللغوى أحد العوامل التى تستشهد بها الشركة لتبرير اختيارها مصر مركزاً إقليمياً رئيسياً، إذ يصعب إيجاد تجمع بشرى بهذا الحجم يتقن هذا الكم من اللغات الأوروبية فى أسواق منافسة أخرى بالمنطقة.
وقال هندى إن السوق المصرية يشهد توسعاً متزايداً من جانب شركات التعهيد العالمية، فى ضوء ما توفره الدولة من بنية تحتية رقمية وبيئة أعمال محسنة، إلى جانب توافر كفاءات شابة مؤهلة لتقديم الخدمات لعملاء الشركات فى مختلف الأسواق.
يأتى توسع «كونسنتركس» فى وقت تتصاعد فيه المنافسة بين دول عدة على استقطاب مراكز التعهيد العالمية، فى مقدمتها الهند والفلبين والمغرب وجنوب أفريقيا، وكلها أسواق تتمتع بخبرة تراكمية وبنية تحتية راسخة فى هذا القطاع، وتراهن مصر فى هذا السياق على عوامل تشمل الكثافة السكانية الشبابية، والتنوع اللغوى، وتحسين بيئة الأعمال، والاستثمار فى البنية التحتية الرقمية.
غير أن التحديات لا تزال قائمة، إذ يظل تطوير مناهج التدريب المهنى ورفع كفاءة الخريجين الجدد بما يلبى معايير الشركات العالمية أحد أبرز المحاور التى تعمل عليها «إيتيدا» بالتنسيق مع القطاع الخاص.
ويُنظر إلى مذكرات التفاهم المبرمة مع كبرى الشركات العاملة فى القطاع باعتبارها آليةً لتضييق الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل الفعلية.
كونسنتركس من أكبر أصحاب العمل فى قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات فى مصر، ومن المتوقع أن يعزز توسعها المرتقب حضور مصر فى مؤشرات التعهيد العالمية خلال السنوات القادمة، فى ظل تنامى الطلب على خدمات التعهيد عالمياً مع اتساع انتشار التحول الرقمى فى مختلف القطاعات.