على شاطئ كوباكابانا في ريو دي جانيرو تبدو البرازيل اقتصادا ناشئا يحقق نموا مقبولا ويتمتع ببنك مركزي مستقل وميزانية أولية شبه متوازنة، غير أن الصورة المالية أكثر هشاشة مما توحي به الأرقام الظاهرة.

فقد حذرت صحيفة إيكونوميست من ظاهرة أطلقت عليها "برزلة الاقتصادات"، أي المسار الذي قد تنزلق إليه الدول عندما تتراكم الديون بالتزامن مع أسعار فائدة مرتفعة.

نمو مقبول وفاتورة فائدة باهظة

توضح إيكونوميست -في تقرير نشر قبل أيام- أن البرازيل تسجل نموا اقتصاديا "مقبولا"، وأن ميزانيتها الأولية -أي قبل احتساب مدفوعات الفائدة- تكاد تكون متوازنة.

ويبلغ صافي الدين العام نحو 66% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع بمعايير الأسواق الناشئة لكنه منخفض مقارنة بدول العالم الغني.

لكن المشكلة، بحسب الصحيفة، تكمن في كلفة خدمة الدين، فقد رفع البنك المركزي سعر الفائدة قصير الأجل إلى 15% من أجل السيطرة على التضخم. ونتيجة لذلك، ورغم اقتراب الميزانية الأولية من التوازن، ستضطر الحكومة إلى اقتراض ما يعادل نحو 8% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام فقط لتغطية مدفوعات الفائدة.

وترى إيكونوميست أن إغلاق العجز عبر التقشف يبدو "غير مرجح"، إذ إن الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي يخوض حملة لإعادة انتخابه في أكتوبر/تشرين الأول المقبل، "خفّف القيود على الإنفاق". وإذا لم تنخفض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ، فإن الدين العام مرشح للارتفاع بوتيرة متسارعة.

رفع البنك المركزي البرازيلي سعر الفائدة قصير الأجل إلى 15% من أجل السيطرة على التضخم (أسوشيتد برس)مقارنة مقلقة مع العالم الغني

وتضع إيكونوميست الوضع البرازيلي في سياق أوسع، فتشير إلى أن أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا لا تزال تتمتع بتكاليف اقتراض في نطاق منخفض إلى متوسط من خانة واحدة. ولو تمكنت هذه الدول من موازنة ميزانياتها الأولية أو الاقتراب من ذلك، فإن ديونها قد تستقر.

إعلان

أما البرازيل، فستحتاج -إذا بقيت الفائدة عند مستوياتها الحالية- إلى تحقيق فائض أولي يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي فقط للحفاظ على استقرار الدين. وتعدّ الصحيفة هذا الفارق إنذارا مبكرا للدول الغنية.

جذور الفائدة المرتفعة

وترى إيكونوميست أن أسعار الفائدة المرتفعة في البرازيل تعود إلى مزيج من العوامل. فالمؤسسات، رغم وجود ضمانات رسمية مثل استقلال البنك المركزي والفصل بين السلطات، تبدو "مهتزة"، وقد تأرجحت خلال محاولة الانقلاب في 2022. كما أن التضخم يوصف بأنه "سريع الاشتعال"، متأثرا بإرث التضخم المفرط في ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى أزمة اقتصادية في منتصف العقد الماضي.

وتشير الصحيفة إلى أن المسار طويل الأجل للميزانية "مقلق"، إذ تنفق الحكومة نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي على المعاشات. ومن دون إصلاحات، قد تنفق بحلول 2050 على المعاشات أكثر مما تنفقه دول أغنى وأكثر شيخوخة.

كما يحظى نظام المعاشات بحماية دستورية، إذ يفرض رفع معاشات المتقاعدين مع كل زيادة في الحد الأدنى للأجور، ما يعكس "قبضة استثنائية للمتقاعدين على الميزانية".

الرئيس دا سيلفا يخوض حملة لإعادة انتخابه وسط ضغوط مالية متصاعدة وكلفة فائدة مرتفعة على الدين العام (الفرنسية)مؤشرات مبكرة في أمريكا وأوروبا

تحذّر إيكونوميست من أن العالم الغني يُظهر "أعراضا مبكرة للبرزلة"، ففي أمريكا، تتعرض المؤسسات لضغوط، كما أن الرئيس دونالد ترمب "سيّس وزارة العدل" و"يرغب في السيطرة على الاحتياطي الفيدرالي".

كما أن التضخم بات خطرًا أكبر بعد موجة ارتفاع الأسعار عقب الجائحة، ومع التوترات الجيوسياسية التي تهدد سلاسل الإمداد.

وتلفت الصحيفة إلى أن إنفاق المعاشات والرعاية الصحية يتزايد مع شيخوخة السكان. ورغم أن المعاشات في الدول الغربية لا تتمتع بالحماية الدستورية ذاتها كما في البرازيل، فإن الناخبين الأكبر سنا يدافعون عنها بقوة. وتستشهد الصحيفة بحالة بريطانيا، حيث يضمن نظام "القفل الثلاثي" أن تتفوق زيادات المعاشات على نمو الأجور على المدى الطويل.

عبء الفائدة المتصاعد

وتشير إيكونوميست إلى أن العديد من الدول الغنية تكافح حاليا لإيجاد 1% أو 2% إضافية من الناتج المحلي الإجمالي لتمويل الإنفاق الدفاعي.

وتتساءل: ماذا لو اضطرت هذه الدول إلى مضاعفة ذلك الرقم لتغطية فوائد الدين فقط؟

وتصف الصحيفة الخيار الذي يواجه البرازيل بأنه مفاضلة قاسية بين "تقشف عميق" و"دوامة مرعبة لفوائد الدين"، في صورة تعكس كيف يمكن لارتفاع أسعار الفائدة، عندما يترافق مع ديون مرتفعة، أن يحوّل الضغوط المالية من تحد قابل للإدارة إلى معضلة سياسية واقتصادية مفتوحة على احتمالات صعبة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات من الناتج المحلی الإجمالی إلى أن

إقرأ أيضاً:

شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص

أعرب الإعلامي شريف نور الدين عن سعادته بقرار اللجنة العليا للمهرجانات القاضي بإيقاف إقامة الدورة المقبلة من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط.
 

وأكد نور الدين أن القرار "شجاع وجريء ويستحق الدعم"، مشيراً إلى أن المهرجانات الفنية يجب أن تستند إلى أبعاد ثقافية وسياحية واضحة، وأن فقدان هذه المقومات يفقدها مبررات إقامتها من الأساس.
 

وأضاف أن المهرجانات لا تقام بالنوايا فقط، وإنما بالعمل الجاد والجهد المتواصل، فضلاً عن القدرة على تحقيق الاكتفاء، واستقطاب الأفلام المتميزة، والحصول على الرعاة والداعمين.
 

وتساءل نور الدين عن جدوى إقامة مهرجان يفتقد إلى الأسس الفنية القوية، مؤكداً ضرورة مراجعة جميع تفاصيل هذا الحدث، سواء على المستوى الإداري أو الفني، مع التوقف لتقييم حجم الاستفادة المتحققة من الدعم المالي الذي تقدمه الدولة.
 

وشدد على أهمية إجراء مراجعة شاملة لتجربة المهرجان بما يسهم في تطويره وتعزيز دوره الثقافي والفني خلال الفترات المقبلة.

وقررت اللجنة العليا للمهرجانات، برئاسة الدكتورة جيهان زكى وزيرة الثقافة، عدم التصريح بإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقررًا تنظيمها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر المقبل، برئاسة الكاتب الصحفي والناقد الأمير أباظة.
 

وجاء القرار خلال اجتماع اللجنة العليا للمهرجانات، الذي عقد لمناقشة أوضاع المهرجان عقب الخلافات التي شهدتها جمعية كتاب ونقاد السينما، والجهة المنظمة للمهرجان، إلى جانب مراجعة أداء المهرجان خلال السنوات الأخيرة. وبحسب ما انتهت إليه اللجنة، فإن قرار عدم التصريح بإقامة الدورة المقبلة جاء بسبب ما وصفته بتراجع مستوى المهرجان خلال الدورات الأخيرة، وابتعاده عن تحقيق الأهداف الثقافية والفنية التي أُسس من أجلها، وذلك وفقًا لما تمت مناقشته خلال الاجتماع.
 

وشهد الاجتماع حضور عدد من أعضاء اللجنة العليا للمهرجانات وقيادات العمل الثقافي والفني، من بينهم الدكتور أشرف زكي، والمنتج محمد العدل، والمخرج عمر عبدالعزيز، الناقد طارق الشناوي، والموسيقار راجح داوود، إلى جانب عدد من قيادات وزارة الثقافة.

طباعة شارك شريف نور الدين الإعلامي شريف نور الدين مهرجان الإسكندرية السينمائي

مقالات مشابهة

  • المفاوضات تسير بشكلٍ جيّد.. إليكم ما كشفته هيئة البثّ الإسرائيليّة عن تعليمات ترامب بشأن لبنان
  • ارتفاع التضخم في منطقة اليورو يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة
  • الذهب بين الفائدة والتوترات الجيوسياسية.. توقعات جديدة لحركة الأسعار في مصر
  • البنك المركزي الجنوب أفريقي يتعهد بخفض التضخم إلى 3%
  • الذهب يصعد مع التركيز على التطورات في الشرق الأوسط
  • شريف نور الدين: قرار إيقاف مهرجان الإسكندرية لدول المتوسط شجاع| خاص
  • واشنطن تفرض رسوماً 25% لمعاقبة البرازيل على ممارسات تجارية
  • جدعون ليفي: هكذا تسير إسرائيل في تنفيذ خطتها لما بعد الحرب على غزة
  • بعد تثبيت الفائدة.. بنك مصر يطرح شهادات بعائد يصل إلى 22%
  • الشغلانة بقت لجان مش موهبة بس| صدمة مي عز الدين من السوشيال ميديا