20 دولارا للواحدة.. ما سبب تهريب دودة العلق إلى تركيا؟
تاريخ النشر: 15th, February 2026 GMT
عادة ما تكون الأخبار المتعلقة بضبطيات المطارات حول العالم، تدور في إطار ضبط مواد مخدرة أو عملات مهربة أو حتى قطع أثرية، لكن الخبر الوارد من تركيا، والذي نقلته كثير من وكالات الأنباء قبل أيام، كان يتعلق بإحباط سلطات مطار إسطنبول محاولة إدخال 90 ألف دودة، تعرف باسم "دودة العلق" إلى داخل البلاد.
قبل أن تشعر بالاشمئزاز من هذا الخبر، وتتهم هذا المهرب بالغباء، لأنه وضع نفسه تحت طائلة المساءلة القانونية من أجل ديدان، تريث قليلا، فنحن أمام كائنات صغيرة كانت ستجلب له أرباحا طائلة.
الآن من المؤكد أنك تسأل عن حجم تلك الأرباح، وهو ما يقودنا للحديث عن سعر الدودة، حيث قال أستاذ الطفيليات بمركز البحوث بجامعة صلاح الدين بمدينة أربيل الدكتور سمير جودت بلال للجزيرة نت، إنهم حصلوا عليها بشكل قانوني وشرعي لأبحاثهم في الجامعة بسعر يتراوح بين 3 و5 دولارات، لكن هناك سوقا سوداء لهذه الديدان يتم إدارتها عبر صفحات إلكترونية، يتم خلالها بيع الدودة الواحدة بـ20 دولارا.
تكمن أهمية هذا "الذهب الزاحف"، الذي يعيش بشكل طبيعي في الأنهار والبحيرات والمستنقعات، والتي أوصلته لهذا السعر، في قيمته الطبية، وهي قيمة ليست حديثة الاكتشاف لكنها ضاربة في أعماق التاريخ، ثم حدث أن توارت مع تطور علوم الطب، ثم عادت من جديد، بعد أن اكتشف العلماء أن دودة العلق تستطيع أن تقدم خدمات مهمة في الجراحات، بالاستفادة من سلوكها الغذائي الأساسي القائم على مص الدماء.
ويؤرخ مايك جيفريز، الأستاذ المشارك في علم البيئة بجامعة نورثمبريا بمدينة نيوكاسل البريطانية، لبدايات استخدام العلق طبياً بالعودة إلى 1500 قبل الميلاد على الأقل، حيث ظهر في زخارف المقابر المصرية القديمة، ويقول في مقال نشره بموقع "ذا كونفرسيشن"، إن ميراث الاستخدام الطبي للعلق ظل مستمراً، حتى أنه كانت هناك سوق دولية مربحة لتجارة هذه الديدان في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ثم تراجع استخدامه الطبي، حتى اختفى في أوائل القرن العشرين بسبب التكلفة العالية، وندرته، وتغير العلاجات الطبية، وعاد إلى الظهور في المجال الطبي بدءاً من ستينيات القرن الماضي، وانتشر استخدامه على نطاق واسع منذ ثمانينيات القرن الماضي، بعد أن وجد الباحثون أكثر من 100 مادة في لعاب العلق مفيدة في الطب، مثل مضادات الالتهاب، والمضادات الحيوية، ومسكنات الألم.
إعلانوينصب التركيز الرئيسي في الوقت الراهن على استخدامات العلق الطبية في الجراحة التجميلية، التي تهدف إلى إعادة وصل الأنسجة، مثل ترقيع الجلد أو ترميم الأذنين والأنوف، وغيرها من أطراف الجسم المعرضة لاضطرابات تدفق الدم.
ويقول الدكتور سمير إن العلق يقوم بدور "الجراح الدقيق"، حيث أنه في الجراحة الترميمية، وخاصة إعادة وصل الأصابع أو الأذنين أو رقع الجلد المبتورة، لا تكمن المشكلة الرئيسية في جلب الدم النقي (الشرياني)، بل في التخلص من الدم الراكد والمحتقن (الوريدي)، وهنا يأتي دور العلق الطبي.
وتوضع الدودة مباشرة على موضع الجرح، وعند لدغها هذا الموضع، ينقل لعابها مواد مضادة للتخثر إلى مجرى دم المريض، مما يحسن تدفق الدم، ويعود هذا النجاح إلى قدرتها المذهلة على امتصاص الدم دون أن يتخثر داخلها، وتزيد مواد كيميائية أخرى من تدفق الدم إلى موضع اللدغة، وغالباً لا يشعر الشخص المصاب باللدغة لأن الدودة تُفرز مواد مضادة للالتهاب ومسكنة للألم، كما يوضح د. بلال.
ويكفي كتابة اسم "العلق الطبي" على محركات البحث العلمية، لتحصل على عشرات النتائج لأبحاث في الجراحات التجميلية كان البطل فيها هو العلق الطبي، ومنها جراحة أجريت في قسم جراحة الوجه والفكين والجراحة التجميلية بمستشفى نيكر للأطفال المرضى في فرنسا، لطفل تعرض إلى بتر كامل للشفة السفلى والذقن، وقد نجح الجراحون في إعادة توصيل الشريان، لكنهم فشلوا في إعادة توصيل الأوردة، وبالتالي فإن الدم يدخل إلى النسيج، لكنه لا يستطيع الخروج، وهذه الحالة تسمى "احتقان وريدي قاتل للنسيج".
وعند تعذر تصريف الدم وريديا، استخدم الجراحون العلاج بالعلق، والذي قام بامتصاص الدم الوريدي المحتقن، وإخراج الدم "المحبوس" الذي كان يهدد النسيج بالموت، وإفراز مواد مانعة للتجلط أبرزها الهيرودين، وتم الإعلان عن نتائج هذا العمل في دورية "جورنال أوف ستوماتولوجي أورال آند ماكسيلوفاشيال سيرجري".
ومع أن الطب الحديث قد طور بدائل لدودة العلق، مثل الهيرودين المُصنع (مضاد التخثر النشط في لعاب العلق) وأجهزة الشفط الميكانيكية، إلا أن الدكتور سمير يشدد على أن "هذه البدائل لم تُحاكي بعد فعالية العلق الحي بشكل كامل، والذي يقدم حزمة بيولوجية فريدة، إذ يوفر علاجاً معقداً ومتعدد الجوانب في آن واحد، فهو مضاد للتخثر، وموسع للأوعية الدموية، ومخدر، ومضاد حيوي (مضاد للبكتيريا)".
ولأهمية الدور الذي يلعبه العلق، يرى الدكتور سمير أنه من غير المرجح اختفاء الطلب عليه في الوقت القريب، ويقول إن "هناك زيادة كبيرة في الطلب، يقابلها كميات أصبحت محدودة للغاية، بسبب الصيد الجائر غير القانوني لهذه الكائنات من مصادرها الطبيعية، وهو ما أوجد سوقاً سوداء لتهريبها".
ومثل أي سوق سوداء يتم خداع المشترين بالترويج لأنواع من ديدان العلق، ليست من النوع الطبي، مثل "هيرودو ديكورا"، والتي لا تلدغ بعمق كاف، لذا فهي أقل فعالية في امتصاص الدم.
إعلانويوضح الدكتور سمير أن الأنواع الطبية الفعالة في التطبيقات السريرية والمطلوبة بشدة في الأسواق العالمية هي "هيرودو ميديسيناليس"، و"هيرودو نيبونكا"، و"هيرودو فيربنا" و"هيرودو أوريانتاليس".
اكتشافات من كردستان العراقمما سبق، تستطيع أن تدرك مقدار السعادة التي انتابت الدكتور سمير وزملاءه من مركز البحوث بجامعة صلاح الدين بمدينة أربيل عندما عثروا مؤخراً على بعض من هذه الأنواع الطبية لديدان العلق في كردستان العراق.
ويقول الباحث: "نجحت في تسجيل النوع "هيرودو ميديسيناليس" لأول مرة عام 2024، حيث عثرت عليه في بركة "فلاو" بمنطقة بلاكاياتي التابعة لبلدة جومان، على بُعد حوالي 160 كيلومتراً شمال شرق محافظة أربيل، بينما سجل الزميلان شايان جمال حلاق وشيروان طيب أحمد، نوع العلق الآسيوي "هيرودو أوريانتاليس" لأول مرة عام 2025 في بركة زرو بالقرب من قضاء سيدكان، برادوست، على جبل حسن باغ، على بُعد حوالي 150 كيلومتراً شمال غرب محافظة أربيل".
ومن بين هذه الأنواع الأربعة التي تسوق كعلق طبي، يوضح الدكتور سيرج أوتيفسكي من قسم علم الحيوان وبيئة الحيوان بجامعة كارازين خاركيف الوطنية بأوكرانيا للجزيرة نت أن النوع "هيرودو فيربنا" هو الذي يتعرض لمستويات أعلى من الاستغلال، بما في ذلك الاستغلال المفرط والتجارة غير المشروعة.
ويقول الباحث، الذي نشر دراسة عن البيولوجيا التكاثرية والاستراتيجيات البيئية لثلاثة أنواع من العلق الطبي، إن ذلك يرجع لامتلاك النوع "هيرودو فيربنا" استراتيجية للتكاثر السريع والقدرة على البقاء في الأسر، فضلاً عن البقاء والتكاثر في ظروف المختبر، وهي صفات لا تتواجد في النوع الأشهر "هيرودو ميديسيناليس"، الذي يتكاثر ببطء.
ويضيف أن صفة التكاثر البطيء في هذا النوع لا تشجع على تربيته في مزارع بالأسر، لذلك فهو أكثر عرضةً للصيد الجائر من بيئة وجوده الطبيعية، وهذا من شأنه أن يسبب خللاً في التوازن البيئي.
ويحذر من محاولة الاستفادة من ميزة التكاثر السريع لدى النوع "هيرودو فيربنا" بإطلاقها عمداً في المسطحات المائية الطبيعية، حيث تستطيع بعد إدخالها، منافسة الأنواع المحلية من العلقة الطبية "هيرودو ميديسيناليس"، في شمال أوروبا، والعلقة الشرقية "هيرودو أوريانتاليس" في الشرق الأوسط وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى، بل وإزاحتها.
ويقول الدكتور سيرج : "إضافةً إلى ذلك، يُسهل الاحترار المناخي المستمر توسيع نطاق انتشار العلقة الطبية "هيرودو ميديسيناليس" شمالاً، بتحويل النظم البيئية للمياه العذبة في المناطق الشمالية والمعتدلة إلى ظروف أكثر ملاءمةً لهذا النوع، ويمثل التهجين بين العلقة الشرقية والعلقة الطبية تهديداً بيئياً إضافياً".
وانطلاقاً مما سبق، يؤكد الباحث أن مراقبة انتقال العلقات من بيئة لأخرى هو أمر بالغ الأهمية، إذ أن الخطر الأكبر يكمن في توسع نطاق انتشار العلقة الطبية، مدفوعاً بإطلاقها في بيئات المياه العذبة بفعل الأنشطة البشرية، حيث قد تُزاحم أنواع العلق المحلية، وتسبب دماراً بيئياً.
وتكشف هذه الأبعاد البيئية أن العلق الطبي، وإن كان يقدم خدمات بيئية، إلا أن تداوله خارج الأطر التنظيمية يسبب تأثيرات سلبية على الأنظمة البيئية المحلية والتوازن الطبيعي للأنواع، ولهذا السبب فإن ضبطية مطار إسطنبول، كانت صيداً ثميناً وفر حماية للبيئة من خطر كان ينتظرها.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات الدکتور سمیر
إقرأ أيضاً:
أستاذ إدارة أعمال: استمرار الصراع الأمريكي الإيراني يهدد بـ "ركود تضخمي" يضرب أسواق المال
أكد الدكتور أيمن غنيم، أستاذ إدارة الأعمال، أن استمرار التوترات الجيوسياسية في مضيق هرمز والصراع الراهن بين الولايات المتحدة وإيران يمثل تهديداً مباشراً ومقلقاً لمستقبل الاقتصاد العالمي ومعدلات التضخم الدولية.
وأوضح في سياق حديثه خلال مداخلة هاتفية مع فضائية "إكسترا نيوز" أن كبرى المؤسسات المالية الدولية وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ووكالة الطاقة الدولية ومنظمة التجارة العالمية أطلقت تحذيرات مشددة من الآثار التضخمية الناتجة عن اضطراب سلاسل شحن النفط والغاز.
تأرجح أسعار النفط وعلاوة المخاطر
وأشار الخبير الاقتصادي المقيم في أبو ظبي إلى أن أسعار خام برنت شهدت قفزات حادة وتأرجحات واسعة منذ مطلع العام الجاري حيث ارتفعت من نحو خمسة وستين دولاراً للبرميل لتلامس عتبة المئة وخمسة عشر دولاراً أثناء ذروة العمليات العسكرية قبل أن تتراجع نسبياً.
واعتبر أن استقرار أسعار النفط حالياً فوق مستوى تسعين دولاراً للبرميل يعكس وجود ما يُعرف بعلاوة المخاطر الجيوسياسية التي تفرضها الأسواق بناءً على تقديراتها لمدى استمرارية التهديدات العسكرية التي تواجه الملاحة وسلاسل إمدادات الطاقة الاستراتيجية.
مخاوف العودة إلى شبح الركود التضخمي
وعن طبيعة الأزمة الاقتصادية الراهنة أفاد بأن المخاوف الحالية لا تتعلق بالتضخم الطبيعي الناجم عن زيادة الطلب بل ترتبط بشبح الركود التضخمي الشبيه بما حدث إبان الحرب الروسية الأوكرانية نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار مدخلات الإنتاج الأساسية.
ولفت إلى أن هذا النوع من التضخم يؤدي إلى رفع أسعار السلع الأساسية دون وجود زيادة مناظرة في دخول الأفراد مما يتسبب في تراجع القوة الشرائية وانخفاض مبيعات الشركات وبالتالي دخول الأسواق العالمية في حلقة مفرغة من الركود والارتفاع السعري.
الضغوط الرقمية ودور السياسات النقدية
وذكر أن الأرقام الاقتصادية المنشورة في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تظهر تصاعداً واضحاً في معدلات التضخم خلال الأشهر الماضية مما يشكل ضغطاً حقيقياً على القوى الكبرى في العالم للتحرك العاجل صوب إيجاد انفراجه دبلوماسية ووقف الصراع.
واختتم غنيم تحليله بالتحذير من أن استمرار هذا المأزق سيعيد إلى الأذهان ذكريات موجات التيسير النقدي المتعثرة ويدفع البنوك المركزية الكبرى لرفع أسعار الفائدة بمعدلات قياسية لخنق الطلب مما يزيد من حالة عدم اليقين السائدة في أسواق المال العالمية.
اقرأ المزيد..