صحيفة الاتحاد:
2026-06-03@02:25:22 GMT

شيخة الجابري تكتب: شهر رمضان ومتغيّرات الأزمنة

تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT

أيام قليلة ويهل علينا أعظم الشهور، شهر رمضان «الذي أُنزل فيه القرآن»، الذي تتلهّف القلوب لإحياء لياليه بالذكر والطاعات، والذي تتواشج فيه العلاقات الإنسانية، فيصير التواصل بين أفراد المجتمع أكثر سواء على الصعيد الأسري أم المجتمعي، وتكون فرص الاتصال والتواصل أكثر، ذلك أن هذه العادات الرمضانية متوارَثة في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، وفي المجتمعات الإسلامية، على مر الأزمنة.


وفي كل عامٍ يأتي الشهر المبارك وسط استعدادات كبيرة يتهيأ فيها الناس لاستقباله بتبادل التهاني، وتجهيز المنازل، وشراء الاحتياجات، وهنا يبدو التغيّر الكبير في هذه العادات التي كانت في السابق بسيطة وغير مبالغ فيها، فما يحدث من استعدادات يكون متوافقاً مع الحالة الاقتصادية السائدة في تلك الفترة. وتتصاعد الفرحة المجتمعية بقدوم الشهر الكريم عندما تلتقي النساء لتجهيز و«دق» حب الهريس والقمح، وتنقية البهارات وتصفيتها، وتبادل السوالف والحكايات، وهنّ يقمن بذلك وسط شعور عام بالفرح والسعادة.
كان الملمح الرمضاني الأول من الناحية الروحانية هو صلاة التراويح التي عند الذهاب لأدائها يجتمع الرجال في المساجد وتعلو الأصوات مكبِّرة ومهلِّلة خاشعة لله تعالى. أما الملمح الآخر الذي كان الأولون ينتظرونه من عام لعام فهو «هريسة» رمضان، التي لم تكن متاحة لكل الناس، وكانت تقتصر على المقتدرين من أفراد المجتمع الذين يتقاسمون اللقمة مع جيرانهم وأهلهم، فيتم توزيع الهريس عليهم قبل حلول أذان المغرب بوقت كافٍ حتى يتناولوها عند الإفطار. هذا الملمح هو أول المتغيّرات عبر الزمن، فقد أصبحت «الهريسة» تباع في المطاعم، مما أفقدها مكانتها الخاصة كأجمل الأطباق التي توزَّع في الشهر الكريم.
ومن المتغيّرات الأخرى الملحوظة، والتي أصبحت من العادات الرمضانية المبالغ فيها وتتعلق بالنساء في المقام الأول، اللائي يقمن استعداداً لاستقبال رمضان بتفصيل الملابس الجديدة والتباهي بين بعضهنّ عند العزائم والولائم، وما يصحب ذلك من استعدادات في الملبس والزينة وشكل الحضور، وهو أمر لم يكن سائداً في السنوات الماضية فقد كان الشهر الكريم يهل ويرحل من دون ضجيج أو مظاهر مبالغ فيها، كما تقول أمهاتنا، «هيبة» الشهر الكريم الذي هو شهر للعبادة في المقام الأول.
وهناك الكثير من المتغيّرات الأخرى التي لاتتسع المساحة هنا لذكرها سواء على مستوى التواصل بين الناس، أو ما يتم بثّه وتقديمه من أعمال تلفزيونية عبر الشاشات، أو ما يقوم ببثّه رواد وسائل التواصل الاجتماعي، وغير ذلك الكثير من التصرّفات في خير الشهور.
كل عام وأنتم بخير، جعلنا الله وإياكم من صيّام الشهر الفضيل، اللهم آمين.

أخبار ذات صلة شيخة الجابري تكتب: سيدتان من الزمن الجميل كُتَّاب وأدباء الإمارات يعبرون عن مشاعرهم تجاه الكويت

المصدر

المصدر: صحيفة الاتحاد

كلمات دلالية: شيخة الجابري أحوال الشهر الکریم

إقرأ أيضاً:

نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة

في قلب حواري المطرية، حيث تتشابك الأزقة الضيقة وتثقل الوجوه بملامح الاحتياج، تظهر أحيانًا شخصيات تفرض حضورها بقوة داخل مجتمعات مهمشة تبحث عن طوق نجاة. ومن بين هذه النماذج، برز اسم "أم صلاح" كحالة استثنائية، جمعت بين العطاء الواسع، والغموض العميق.

في ظاهرها، تبدو سيدة بسيطة، بملابس عادية، تقيم في منطقة الخارجة بالمطرية، لا توحي بأي مظهر من مظاهر النفوذ أو الثراء. لكن ما يحدث خارج هذا الإطار البسيط، يطرح تساؤلات أكبر من الصورة الظاهرة.

ففي منطقة أخرى، وتحديدًا داخل حارة ضيقة بكورنيش مسطرد، وعلى مسافة بعيدة نسبيًا من محل سكنها، استأجرت "أم صلاح" شقة تحولت مع الوقت إلى مقر دائم لنشاط واسع النطاق. هذه الشقة، التي تقع أمام سور تابع لمعسكر قوات مسلحة، وعلى مقربة من إحدى بواباته، لم تعد مجرد وحدة سكنية، بل أصبحت مركزًا لإدارة شبكة توزيع منظمة.

داخل هذا المكان، تتكدس المواد الغذائية بكميات كبيرة، وتتحرك منظومة توزيع تبدو أقرب إلى العمل المؤسسي، رغم غياب أي كيان رسمي أو تسجيل قانوني.

تشير التقديرات داخل الحي إلى أن ما يقرب من 200 أسرة تستفيد من هذا النشاط، حيث تحصل كل أسرة على نحو 1000 جنيه، إلى جانب السلع الغذائية. كما تقوم "أم صلاح" بدفع فواتير الكهرباء والمياه والغاز لبعض الأسر، وهو ما يعكس حجم إنفاق شهري ضخم، يتجاوز بكثير قدرات أي عمل فردي بسيط.

لكن التحول الأهم لم يكن في حجم العطاء… بل في طبيعته.

فمع مرور الوقت، لم يعد الدعم مقتصرًا على الأكثر احتياجًا، بل امتد في بعض الحالات إلى أشخاص لا تنطبق عليهم معايير الفقر، وهو ما يفتح باب التساؤل: هل الهدف هو الإغاثة فقط… أم بناء قاعدة نفوذ أوسع؟

ومع اقتراب المواسم الكبرى، وعلى رأسها الانتخابات الرئاسية و البرلمانية ، بدأت ملامح هذا النفوذ تظهر بشكل أكثر وضوحًا. لم يعد العطاء منفصلًا عن التوجيه، بل أصبح – وفق ما يتردد – مرتبطًا بإشارات غير مباشرة، وأحيانًا واضحة، لتوجيه الناس نحو مواقف انتخابية معينة.

وهنا يتحول الفقر من حالة إنسانية… إلى أداة تأثير.

ولتعزيز هذا الدور، لم يقتصر النشاط على الدعم المادي فقط، بل امتد إلى المجال الديني، من خلال تنظيم حلقات لتحفيظ القرآن داخل نفس الشقة، وجذب الأطفال والشباب بشكل مستمر. كما تم استقطاب بعض الأشخاص من خارج المنطقة، للإقامة داخل المقر بحجة التحفيظ، ما يجعل المكان نقطة تجمع دائمة، ليس فقط لتلقي المساعدات، بل لتلقي التوجيه أيضًا.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد.

فقد بدأت "أم صلاح" في جمع نسخ من بطاقات الرقم القومي، وشهادات الميلاد، ووثائق الزواج والطلاق، وشهادات الوفاة، بالإضافة إلى فواتير الخدمات الخاصة بالأسر التي تتلقى الدعم. هذا الكم من البيانات الشخصية، الذي يتم جمعه خارج أي إطار رسمي أو رقابي، يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة استخدامه، والهدف الحقيقي من تجميعه، خاصة و أن ظهور ام صلاح كان قبيل الانتخابات الرئاسية مباشرة .

ورغم كل هذا النشاط، لا توجد أي جهة معلنة تقف خلف "أم صلاح". لا جمعية مسجلة، ولا كيان خيري معروف، ولا مصدر تمويل واضح. كل ما هو موجود، هو شبكة توزيع واسعة، وتأثير متزايد، وغموض يحيط بكل التفاصيل.

ومع تكرار المشهد، تحولت "أم صلاح" في نظر البعض إلى ما يشبه "الشخصية المقدسة"، التي لا يجوز انتقادها أو التشكيك فيها، وهو ما يعكس مدى تغلغل هذا النموذج داخل المجتمع.

القضية هنا لا تتعلق بشخص بعينه، بل بنمط يمكن أن يتكرر في أكثر من مكان، خاصة في المجتمعات المهمشة، حيث يصبح الاحتياج مدخلًا سهلًا للتأثير، في ظل غياب البدائل والرقابة.

إن أخطر ما في هذا النموذج، ليس في حجم ما يُقدم من مساعدات، بل في غياب الشفافية، وتحول العطاء إلى أداة نفوذ ناعم، يصعب ملاحظته، لكنه شديد التأثير.

وفي النهاية، يبقى السؤال قائمًا:
هل نحن أمام عمل خيري خالص؟
أم أمام منظومة غير معلنة تستخدم العطاء كوسيلة للسيطرة والتوجيه؟
الإجابة قد تكون معقدة…
لكن تجاهل السؤال، هو الخطر الحقيقي.

من الناحية الاجتماعية، تكشف هذه النماذج عن طبيعة العلاقات داخل المجتمعات الهشة، حيث يتحول مقدم المساعدة إلى مركز ثقل اجتماعي، يعاد حوله تشكيل شبكات من الولاء والاعتماد. ومع الوقت، قد تتراجع مؤسسات الدولة أو تغيب في الوعي الجمعي لصالح هذا النوع من "الفاعل المحلي"، مما يعيد إنتاج علاقات غير متكافئة داخل المجتمع، تقوم على الحاجة بدل الحقوق، وعلى الامتنان بدل المواطنة.


أما من الناحية السياسية، فإن استمرار هذا النوع من الأنشطة خارج الأطر الرسمية يفتح الباب أمام توظيف غير مباشر للنفوذ الاجتماعي في التأثير على السلوك العام، خصوصًا في لحظات مثل الانتخابات أو الأزمات. وهنا يصبح العطاء أداة ناعمة لتشكيل الاتجاهات، دون الحاجة إلى خطاب سياسي مباشر، وهو ما يجعل رصده أو قياس تأثيره أكثر صعوبة، رغم فعاليته العالية على أرض الواقع.

طباعة شارك المطرية العطاء الثراء

مقالات مشابهة

  • ترامب يعلن حضوره حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض الشهر المقبل
  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • هند عصام تكتب : الملك سوبك إم ساف الثاني
  • نجاة عبد الرحمن تكتب : أم صلاح والحارة الضيقة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • حماس تؤكد جاهزيتها لتسليم مجالات الحكم بغزة كافة "بما فيها الأمن"
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • يونيو الجاري .. برامج علمية وبحثية تعزز الحراك الأكاديمي بجامعة التقنية
  • الإسكندرية تستضيف بطولة البحر المتوسط في الـ17 من الشهر الجاري
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش