مع اقتراب حلول شهر رمضان الكريم، يتخوف الاحتلال الاسرائيلي أن تعود العمليات المسلحة الفلسطينية من جديد، لاسيما وأنه رمضان الأول بعد انتهاء الحرب على غزة، وسط دعوات لمعالجة جذور الاحتلال ذاته، وعدم الاكتفاء بالإجراءات الأمنية الشكلية مع حلول الشهر الفضيل.
خبير الدعاية الإسرائيلي، غادي عيزرا، ذكر أن "شهر رمضان يأتي للمرة الأولى بعد أيام وقد انتهت الحرب على غزة، مع أنه في الأعوام التي سبقت الحرب، كان هذا الشهر فترة حساسة من السنة، يشبه بوتقة ضغط في الشرق الأوسط، وفترة زمنية أصبحت أرضًا خصبة للتحريض على المقاومة المسلحة الذي تغذيه المنظمات الفلسطينية، وتقوم بإعداد التحضيرات له، ولسنوات طويلة، ظل الاحتلال الإسرائيلي يستعد له بقوات معززة من الجيش والشرطة، ويزجّ بأعداد هائلة من الجنود، في محاولة لإحباط واحتواء أي تصعيد أمني".



وأضاف عيزرا في مقال نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت، وترجمته "عربي21" أن "رمضان القادم بعد أيام يبدو مختلفاً بعض الشيء، فهو أول رمضان بعد انتهاء الحرب، والاستعدادات جاريةٌ بالفعل، والإنذارات الاستخباراتية تتدفق، والتحريض لم يتوقف، وكذلك محاولات تنفيذ الهجمات المسلحة، والجيش يترقب قدومه بقلق، وهو لا يقف مكتوف الأيدي، رغم أن دول المنطقة منشغلةٌ أكثر من أي وقت مضى في تشكيل الواقع الذي سيظهر في اليوم التالي لانتهاء الحرب في غزة".

وأوضح عيزرا أنه "تُسمع إداناتٌ بشأن تغيير الوضع الراهن في المسجد الأقصى، ولكن ليس بنفس القدر الذي كان عليه في الماضي، ووسائل الإعلام أقل انشغالًا بهذه القضية، فقد أصبح مستوى الضجيج الإعلامي مرتفعًا للغاية، والتقارير الإعلامية عن الاضطرابات في الشرق الأوسط أصبحت أمرًا روتينيًا، وما كان يُثير النقاشات في السابق، يتنافس الآن مع احتمال نشوب حرب إقليمية، وإرسال القوات الإندونيسية إلى غزة، وعودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، والكشف عن البروتوكولات التي أدت لهجوم السابع من أكتوبر".

وأشار الكاتب إلى أن "قدوم شهر رمضان الوشيك على الفلسطينيين يتزامن مع فترة ازدحام شديد في الأجندة السياسية، وهنا تكمن الفرصة تحديدًا، فاليوم التالي، الذي هو حاضرنا بالفعل، لا يقتصر على تشكيل ترتيبات جغرافية أو سياسية فحسب، بل يتعلق أيضًا بالوجود الإسرائيلي نفسه، وكيفية إدراكنا نحن وأعداؤنا لبعضنا البعض، وطبيعة التواريخ على مدار العام، وكيفية تصرفنا خلالها، وحدود المنطقة، وإذا كانت هناك فترة تستحق إعادة صياغة مفاهيمية، فإن شهر رمضان مرشح قوي لهذا اللقب".



وأضاف عيزرا أن "الأسابيع الأربعة التي يتكون منها شهر رمضان، ويعتقد فيها كثير من الفلسطينيين أن المواجهات المسلحة هي السائدة فيه نتيجة لتطبيع ثقافي للعمل المقاوم، والخشية الإسرائيلية أن يصبح فيها اعتبار هذا العنف المشروع أكثر شرعية، خاصة بعد الحرب على غزة، لأنه بالتوازي مع مكافحة هذه العمليات المسلحة خلال رمضان، ينبغي على إسرائيل أيضًا أن تعمل على تغيير النظرة السائدة لهذا الشهر، وعليه معالجة جذور المشكلة، لا أعراضها فقط، وتحديد العوامل الثقافية التي تغذي العنف الفلسطيني على مدار العام".

وبين أنّ "الروايات التي تُنقل لملايين الفلسطينيين، وتُصوّر شهر رمضان على أنه وقتٌ مناسبٌ لتصعيد المقاومة، منتشرةٌ في كل مكان: الكتب المدرسية، والإنترنت، وفي وسائل الإعلام، ولذلك يجب رصد هذه الروايات، ومواجهتها حيثما أمكن، وتحييدها عند الضرورة، رغم أنها مهمةٌ صعبة، لكنها ليست مستحيلة، ولتحقيق ذلك، يجب أن يكون تغيير النظرة إلى رمضان هدفًا سياسيًا بحد ذاته، لأنه لا يمكن للاحتلال أن يكتفي بكبح العنف سنويًا خلال رمضان، بل يجب عليه أيضًا الانخراط في توعية عامة بشأن الخطوط الحمراء خلاله".

وختم بالقول إن "كل هذا يتطلب منظورًا يتجاوز رمضان القادم، وسياسةً منهجيةً طويلة الأمد، ومراقبةً سنويةً دقيقة، لكن رمضان الأول بعد الحرب قادرٌ على كسر هذه السلسلة، وفرض نبرةٍ جديدة، ولن يتحقق ذلك إلا إذا تم تحديد هذا الهدف بوضوح".

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي صحافة صحافة عربية صحافة دولية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية رمضان غزة المقاومة الاحتلال العمليات غزة الاحتلال عمليات المقاومة الضفة صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة إسرائيلية صحافة صحافة صحافة سياسة سياسة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة صحافة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة شهر رمضان

إقرأ أيضاً:

اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه

كلما دار حديث عن الإعلام الإسرائيلي تقفز إلى ذهني على الفور صورة الأستاذة الدكتورة راجية قنديل. كانت أستاذة الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة واحدة من الأسماء التي أسست مبكرًا لتيار عربي أكاديمي جاد يؤمن بأهمية دراسة إعلام العدو من داخله، وتشكيل مدرسة بحثية عربية تهتم ببحوث هذا الإعلام؛ حتى نفهم كيفية بناء الرواية الصهيونية، وصناعة الصورة، والدعاية الموجهة.

ولعل من الدروس التي لا أنساها قولها: «إن كل حدث يقع على الأرض يُولد مرة أخرى في اللغة والصورة التي يقدم بها للناس».

كانت د. قنديل تدرك قبل كثيرين أن معرفة حقيقة العدو تتطلب نزع الغموض الذي يحيط به نفسه. وكانت أول باحثة عربية تحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الإعلام الإسرائيلي في وقت لم يكن هذا الطريق سهلًا. وكانت -متعها الله بالصحة والعافية- على قناعة تامة بأن هذا الإعلام هو مرآة لمشروع صهيوني كامل بكل مخاوفه وأساطيره وأدوات دفاعه عن نفسه يطمح في تحقيق إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات.

أتذكر أيضا في السياق نفسه الكاتب الصحفي الراحل أنيس منصور وسلسلة مقالاته الشهيرة «وجع في قلب إسرائيل» التي كان ينشرها في مجلة «أكتوبر» التي أسسها ورأس تحريرها بتكليف من الرئيس أنور السادات في العام 1976، وجمعت لاحقا في كتاب بالعنوان نفسه.

كان منصور يكتب عن إسرائيل دون أن يراها. ومن خلال ما كان يقرأه في صحافتها كان يلتقط قلقها الداخلي، ويتابع ما تقوله عن نفسها، ثم يقدمه للقارئ العربي في قالب أدبي فلسفي وصحفي وبعبارات ساخرة أحيانًا، لكنها عميقة الدلالة. وكان يعلم أن في قلب العدو ما يستحق أن يعرفه القارئ العربي.

في سنوات ما بعد كامب ديفيد، ووادي عربة، وأوسلو تحول هذا العدو في بعض العواصم العربية إلى صديق، وتراجع الاهتمام بدراسة إعلام العدو في جامعاتنا والكتابة عنه من الداخل في صحفنا. صرنا نرى إسرائيل وهي تقصف غزة وجنوب لبنان وبيروت ودمشق، وحين تغتال قادة المقاومة في الداخل المحتل وفي الخارج، حين تقتل الأطفال والنساء والشيوخ دون رحمة في حملات الإبادة الجماعية، وحين تعذب الأسرى وتكذب بوقاحة منقطعة النظير على الشاشات والمنصات الرقمية. لم يعد لدينا أحد مثل راجية قنديل أو أنيس منصور يتابع كيف تُحضّر إسرائيل أكاذيبها قبل أن تصبح نشرات أخبار، وكيف تُبنى المفردات قبل أن تصبح سياسة، وكيف يُوزع الخوف قبل أن يتحول إلى قبول شعبي بالحرب، فنحن كما يقول المثل «نرى الانفجار، ولا نرى اليد التي وضعت المتفجرات» في اللغة والصورة والذاكرة.

إن أبسط ما يمكن قوله عن الإعلام الإسرائيلي أنه إعلام منحاز بطبعه، لكن هذه العبارة على صحتها تظل فقيرة؛ فكل إعلام في لحظات الصراع يحمل انحيازًا ما. المشكلة في الإعلام الإسرائيلي أنه يعرف كيف يُلبس انحيازه ثوب المهنية. يعرف متى يصرخ، ومتى يخفض صوته. يعرف متى يظهر بصورة الضحية الصغيرة المحاصرة، ومتى يتحدث بلغة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان. يعرف كيف يجعل الخريطة خبرًا، والجندي ابنًا للعائلة، والقصف عملية دقيقة، والطفل الفلسطيني رقمًا يحتاج إلى تدقيق.

هذا الإعلام لم يولد في فراغ. هو ابن المشروع الصهيوني كما هو ابن الدولة. قبل قيام إسرائيل كانت الكلمة جزءًا من الحشد، وكانت الصحافة تساعد في تحويل الهجرة إلى «عودة»، والاستيطان إلى «خلاص»، وفلسطين إلى أرض تنتظر من يعيد إليها معناها القديم. وبعد 1948 صار الإعلام شريكًا في بناء الدولة الجديدة؛ إذ يجمع مهاجرين لا تجمعهم لغة واحدة بسهولة، فيمنحهم رواية مشتركة، ويضع الفلسطيني في خانة الغائب أو العائق أو الخطر.

لذلك تبدو إسرائيل من الخارج دولة فيها صحف كثيرة وقنوات عديدة ومواقع صاخبة وخلافات لا تنتهي. وهذا كله موجود فعلًا. هناك صحافة تنتقد الحكومة، وقنوات تهاجم رئيس الوزراء، ومقالات تفضح الفساد، ومحللون يتجادلون بعنف، لكن الاقتراب من الفلسطيني يغير المشهد كله.

عند هذه النقطة تضيق اللغة، ويتقدم الأمن، ويعلو صوت الجيش، وتصبح الحرية مشروطة بما لا يمس أصل الرواية الصهيونية. يمكن انتقاد الحكومة، ويمكن لوم الجنرالات، ويمكن الحديث عن سوء الإدارة، لكن السؤال الأخلاقي الأكبر يظل غالبًا خارج المشهد: ماذا عن الاحتلال نفسه؟

في الحروب يصبح المشهد الإعلامي الإسرائيلي أكثر تعقيدا. لا تبدأ الحرب إعلاميا مع أول قذيفة، وإنما قبل ذلك بكثير، وعبر تحويل العدو سواء كان الفلسطيني، أو اللبناني، أو السوري، أو الإيراني تدريجيًا إلى خطر داهم بلا ملامح. ومع تكرار مفردات التهديد والتصعيد والردع، يشعر الجمهور أن الحرب قادمة لا محالة.

وحين تشتعل الحروب الإسرائيلية -وما أكثرها!- لا تبقى وسائل الإعلام شاهدًا محايدًا، وتتلاعب بالتغطية لكي تحدد من يستحق أن يُرى، وتمنح الإسرائيلي اسمه ووجهه وبيته وخوف أطفاله، فيما تترك الفلسطيني واللبناني مجرد رقم في أعداد القتلى والأسرى.

وكما تتلاعب بالتغطية تتلاعب الوسائط الإعلامية الإسرائيلية أيضا بالكلمات والمفردات، فالقصف الذي تمارسه على الآخرين ليس قصفا، ولكن استهداف، والاجتياح عملية، والاغتيال تحييد، والحصار إجراء أمني، والضحايا المدنيون أضرار جانبية. وهذه بالطبع ليست مجرد كلمات بريئة. إنها تنظف الفعل قبل أن يصل إلى المتلقي، وتمنح العنف اسمًا أكثر لطفًا، وتمنح القاتل مسافة من صورته الحقيقية. فمن يملك القدرة على ارتكاب الجريمة -كما يقولون- قد يمتلك أيضا القدرة على تبريرها، أو تخفيف وقعها النفسي على الآخرين عبر صياغتها بطريقة معينة.

بعد الحرب وعندما تصمت المدافع قليلًا يبدأ الإعلام الإسرائيلي معركة أخرى، ويتحول اتجاه برامج التلفزيون ومقالات الكتاب إلى التركيز على الردع، والدروس المستفادة، ويتجادل السياسيون حول الإخفاق والنجاح، ويُسأل الجيش عن كفاءته وليس عن شرعية أفعاله، ويصبح السؤال هو هل أُديرت الحرب جيدًا؟

ولأن إسرائيل تعرف أن العالم لا يتحدث العبرية؛ فقد طورت خطابًا كاملًا للآخرين تسميه دبلوماسية عامة أو شرحًا أو «هسبَرة». والهدف أن تظهر إسرائيل دائمًا كدولة صغيرة محاصرة، وأن يظهر جيشها مضطرًا إلى مواجهة أعداء يحيطون بها، وأن يظهر الفلسطيني خطرًا يحتاج إلى ضبط. وحين تخاطب العرب بالعربية فإنها تستهدف التسلل إلى الوعي، وتختلط في هذا الخطاب الذي يقدمه المتحدثون العسكريون رسائل التحذير والتخويف وتحميل المسؤولية للضحايا، ومحاولة شق صفوف المقاومة. ليس المطلوب من الإعلام العربي أن يكتفي بالغضب من الجرائم الإسرائيلية مهما كان الغضب مشروعًا؛ فالغضب وحده لا يهزم رواية تُصنع بعناية شديدة. ولا تكفي الكلمات الرنانة الكبيرة حين يكون الخصم قادرًا على إنتاج صورة صغيرة تؤثر في ملايين الناس. المطلوب أن نعود إلى الدرس الأول: أن نبحث، ونرصد، ونفكك، ونتابع، ونفهم كيف تتحرك آلة الحرب الإعلامية الصهيونية.

كانت راجية قنديل تعرف ذلك مبكرًا. وكان أنيس منصور بطريقته المختلفة يعرف أن قلب إسرائيل ليس مغلقًا تمامًا أمام من يقرأ جيدًا. في ذلك القلب خوف وتناقض وغطرسة وارتباك وأسطورة تحاول أن تحمي نفسها كل يوم. ونحتاج إلى قراءة هذا كله بدافع الضرورة؛ فالقضية التي لا تمتلك روايتها تترك صورتها لخصمها، والخصم الذي يكتب صورتك لن يمنحك وجهًا عادلًا.

هكذا تعود عبارة «اعرف عدوك» اليوم لتفرض نفسها علينا؛ فالمعرفة تبدأ من فهم الطريقة التي يصنع بها المحتل روايته، واللغة التي يستخدمها لتخفيف أثر عنفه وهمجيته، والخبر الذي يدفع الضحية إلى الهامش ويمجد القاتل. إن عدم قراءة الإعلام الإسرائيلي بوعي يجعلنا أسرى لرواية عدونا. لذلك يحتاج الإعلام العربي إلى أن يدرك أن الدفاع عن القضايا العربية قد يبدأ من التفتيش في قلب الإعلام الإسرائيلي الذي ما زال وسيبقي يعاني من الوجع.

مقالات مشابهة

  • الفشل يلاحق دولة الاحتلال.. اعتراف إسرائيلي بعدم تحقق أهداف الحرب على إيران
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • مسؤول إسرائيلي: الحرب عززت تقاربنا مع الإمارات والتعاون مرشح للتوسع
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • جنرال إسرائيلي: أردوغان أحبط خطة أمريكية ضد إيران.. ما علاقة نجاد؟
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • تضرر أثناء الحرب.. إيران تعلن عودة 3 منصات في حقل بارس الجنوبي إلى الإنتاج