عربي21:
2026-06-03@02:46:44 GMT

ترامب وسمات الإمبريالية الجديدة

تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT

هل نحن حقا أمام إمبريالية جديدة مختلفة بالسمات والأساليب والأهداف؟ أم أننا أمام انحطاط أخلاقي جديد؟

إن ما حدث مؤخرا يعبر عن الوجه الحقيقي للغرب الساقط المليء بالجرائم والسادية، التي كشفت عنها وثائق الملايين الثلاثة للملياردير جيفري إبستين وشركائه، والتي تشكل نصف ما تركه هذا الأخير من ميراث يندى له الجبين.

إن هذا الحدث يمثل وحشية هذا الغرب الذي أسقط الأقنعة، وأماط اللثام عن مكنوناته الغريزية وشهوات نخبه ورغباتها، وطقوسها الشيطانية، والاتجار بالبشر على حساب القاصرين الفقراء، وأسقط كل التبجح والادعاءات بالديمقراطية والعدل، وحماية الطفل والمرأة وحقوق الإنسان. إنه رأس المال والنفوذ السياسي الذي يحمي هؤلاء من حكم العدالة والقانون، ويبقي الفقراء من البشر، وخاصة الأطفال فتيانا وفتيات والنساء، ضحايا لنزواتهم وشهواتهم الحيوانية.

إن التحالف بين رأس المال السادي والإجرامي مع النخب أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، يعبر عن السمة الأولى للإمبريالية الجديدة المتوحشة التي تختبئ وراء ليبرالية ليست أقل توحشا، ووراء قيمٍ مزيفةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى قيم الإنسانية، وأبعد ما تكون عن الواقع. إن الحقيقة التي لم يخفها إبستين تكمن في سؤاله لبيل غيتس: "كيف يمكننا التخلص كليا من الفقراء؟" وكأنهم قمامة بشرية جالبة للأوبئة والأمراض.

التحالف بين رأس المال السادي والإجرامي مع النخب أصحاب النفوذ السياسي والاقتصادي، يعبر عن السمة الأولى للإمبريالية الجديدة المتوحشة التي تختبئ وراء ليبرالية ليست أقل توحشا، ووراء قيمٍ مزيفةٍ لا تمتّ بصلةٍ إلى قيم الإنسانية، وأبعد ما تكون عن الواقع
لقد وجد هؤلاء المتنفذون سبيلا للتخلص من هذه "النفايات البشرية"، وهو الانقضاض على الشعوب، وقتل أبنائها، ومصادرة أراضيها وثرواتها، والتحكم بسيادتها، واستباحة كل شيء، وقتل كل جوانب الحياة وممارسة كافة أشكال الإبادة. وما حدث في غزة من مجازر إبادة وتطهيرٍ عرقي وصل عدد ضحايا إلى نحو 72 ألفا والجرحى إلى 171 ألفا؛ إلا شاهد على هذه الوحشية، وهذه الأيديولوجيا السادية والسيكوباثية. وما خطف رئيس دولة فنزويلا وزوجته في عتمة الليل، وفي قرصنة غير مسبوقة، إلا دليل على سمة "الزعرنة والبلطجة" التي تفخر بها هذه الإمبريالية الجديدة، وتجد لها مسوغات ومبررات واهية، إذ تعمد إلى ربطها بالمخدرات والاتجار بها، وكأنهم أبرياء يريدون تحصين البشرية منها، وهم في الحقيقة من يروجون لها ويصنعونها، ويستخدمونها للإيقاع بضحاياهم في تلك الجزيرة الملعونة، وذاك المنزل في نيويورك، الذي كثيرا ما كان منزلا لإقامة إيهود باراك، رئيس وزراء الكيان السابق، وفي تلك المزرعة مسرح الجريمة النكراء التي شارك فيها الكثير من قادة الغرب وبعض من العرب، وبعض آخر من بلدان شتى من المتنفذين؛ سلطة ورأس مال وتكنولوجيا واقتصاد وعلماء.

لم تكن هذه الأماكن مجرد جغرافيا بعيدة في أعالي البحار لإشباع رغباتهم وشهواتهم الجنسية، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى مسرحٍ سياسي واقتصادي؛ لابتزاز القادة وأصحاب النفوذ بغية اتخاذ قرارات تصب بمصالح وأهداف الموساد الذي ارتبط معه إبستين، وغيره من أجهزة المخابرات. وعبّر عن ذلك حين طلب من إيهود باراك نفي صفة العمالة والارتباط بالموساد؛ كما أشارت إلى ذلك إحدى تلك الوثائق التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا.

لقد بلغ الأمر بهذه الإمبريالية الجديدة إلى الانتقال من سياسة الاحتواء الباردة إلى سياسة "السلام بالقوة"، ومنها إلى سياسة الهيمنة والسيطرة المباشرة. وهذا ما يفعله ترامب في هذه الآونة، عندما يهدد قادة أوروبا ودولها؛ بضم كندا إلى الولايات المتحدة، والسيطرة على جرينلاند، بل ويسمو بخيالاته الحالمة وكأنه قيصر العالم الجديد، ولم يبق إلا أن يعلن كما أعلن شريكه نتنياهو من قبل أنه في مهمة "تاريخية وروحانية"، وأن الله اصطفاه لتحقيقها.

وهو يريد تغيير العالم وفرض رؤيته، لذلك تراه يتحرك يمينا وشمالا بما يشبه الهذيان، وفي كل الاتجاهات هنا وهناك؛ فتارة يريد السيطرة على قناة بنما، وتارة يرغب بتغيير تسمية خليج المكسيك، ويستمر بفرض الحصار على كوبا، ويتعدى ذلك إلى تهديد دول أمريكا اللاتينية التي تعارض سياساته. ويرى في غزة منتجعا جاذبا لاستثماراته، فهي بالنسبة له "ريفيرا الشرق"، ذات المناخ الرائع والشواطئ الخلابة.

هل تنامي هذه الإمبريالية الجديدة سيؤدي إلى عالمٍ متعدد الاقطاب قادر على مواجهة هذا التغوّل الجديد؟ أم أننا أمام انهيارٍ وشيكٍ للظاهرة الترامبية، بعد هذه الفضائح؟ أم أن هذه الإمبريالية ستصبح أكثر تغوّلا
إن التعالي على الآخرين واحتقارهم والسخرية منهم يعبر عن مدى الانحطاط الأخلاقي والسيكولوجي لهذه الإمبريالية الجديدة، فلا ملابس زيلنسكي تعجب ترامب، ولا نظارة ماكرون، ولا يرى أوروبا إلا "تتحدث باللغة الألمانية وقليل من اليابانية"؛ في إشارة إلى فضل الولايات المتحدة بحماية القارة العجوز، وتحقيق الانتصار في الحرب العالمية الثانية.

إن ما تسعى الإمبريالية الجديدة إليه، والسيطرة على العالم اقتصاديا وعسكريا وسياسيا، عبر أنشطتها المالية ومضاربات السوق والديون، وسرقة الثروات والتحكم بالأسواق العالمية وممرات التجارة العالمية، إضافة إلى زيادة إنتاج السلاح، وفرض أنظمة ديكتاتورية ترعى مصالحها وتحقق غاياتها، تحت ملاءة الاستثمار وقناع التنمية. إن هذا التماهي بين رأس المال وأصحاب القرار والنفوذ السياسي، يشكل ضرورة لحماية أصحاب رأس المال من المساءلة والملاحقة القانونية عن أي جرم يرتكبونه، وفيما بعد، يصبح رأس المال هذا هو المتحكم بمصير أصحاب النفوذ السياسي فيفرض أجندته. وهذا ما يشكل سمة أخرى من سمات الإمبريالية الجديدة؛ حيث تصبح الدولة طيّعة بيد رأس المال، على عكس ما كانت عليه في مرحلة الإمبريالية القديمة، إذ كانت الدولة، بحسب كارل ماركس "أداة سيطرة طبقية يتعمق فيها اندماج الدولة مع رأس المال الاحتكاري".

ومن سمات الإمبريالية الجديدة أيضا، العنصرية والأمركة ورفع شعار "أمريكا أولا"، وشعار "لنجعل أمريكا عظيمة ثانية"، ولو كان ذلك على حساب الشعوب ومقدراتها وثرواتها؛ لذلك جاءت محاولة السلطات الأمريكية السيطرة على الهجرة غير الشرعية، ومحاربة المهاجرين وترحيلهم بعد اتهامهم بارتكاب جرائم مزعومة ضد المجتمع الأمريكي، واتخاذ إجراءاتٍ وقيودٍ غير مسبوقة للدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحظر مواطني العديد من الدول من السفر إليها.

في نهاية المطاف، هل تنامي هذه الإمبريالية الجديدة سيؤدي إلى عالمٍ متعدد الاقطاب قادر على مواجهة هذا التغوّل الجديد؟ أم أننا أمام انهيارٍ وشيكٍ للظاهرة الترامبية، بعد هذه الفضائح؟ أم أن هذه الإمبريالية ستصبح أكثر تغوّلا، وستكشر عن أنيابها لتلتهم المزيد من العالم، ونخضع لنظامٍ عالميٍ جديد؟

[email protected]

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء إمبريالية ترامب امريكا إمبريالية ترامب ابستين قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة النفوذ السیاسی أصحاب النفوذ رأس المال یعبر عن

إقرأ أيضاً:

الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم

عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الاثنين، الملتقى الفقهي، لمناقشة موضوع: «الضمانة والكفالة"رؤية فقهية"»، وذلك بمشاركة الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأدار اللقاء الإعلامي سمير شهاب، بالتلفزيون المصري، وذلك تحت رعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.

الجامع الأزهر يعقد ملتقى القراءات للختمة المرتلة خطيب الجامع الأزهر: العبادات منهج حياة يضبط سلوك المسلم

قال الدكتور عبد الله النجار إن الله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد واستقامة أحوالهم في الدنيا والآخرة، لأن صلاح الدنيا طريق إلى صلاح الآخرة، وأن المسلم مطالب بأن يستقيم على طاعة الله تعالى في جميع شؤون حياته، ومن الخطأ الاعتقاد بأن امتلاك المال أو السعي إليه يتعارض مع مقصود الشرع أو مع التطلع إلى نعيم الآخرة، فالإسلام لا يذم المال في ذاته، وإنما يوجه الإنسان إلى حسن اكتسابه وإنفاقه فيما يرضي الله تعالى، كما أن العبد لا ينال رضوان الله إلا إذا التزم بما أراده الشرع وأدى الحقوق التي افترضها الله عليه، موضحا أن الفقهاء عند حديثهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية ذكروا الكليات الخمس التي تقوم عليها حياة الناس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العرض، وحفظ المال، وهذه المقاصد تتكامل فيما بينها، ولا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتحقيقها جميعا على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى، إذ يؤدي كل مقصد منها دورا أساسيا في بناء الإنسان وصيانة المجتمع وتحقيق العمران.

وأضاف الدكتور النجار أن الدين بعد انقطاع الوحي لا ينقل إلى الأجيال بالكلام المجرد فحسب، وإنما ينتقل من خلال السلوك العملي والتعاملات التي تجسد أخلاق الإسلام وأحكامه، فحين يلتزم المسلم بما أمرت به الشريعة يصبح نموذجا يقتدى به، وبذلك يستمر أثر الدين في الناس جيلاًبعد جيل، لذلك فإن حفظ المال يعد من المقاصد الشرعية المهمة؛ لأنه وسيلة إلى عزة النفس وصيانة الكرامة وتحقيق الكفاية، فالإسلام يريد أمة منتجة قوية، "اليد العليا خير من اليد السفلى"، قادرة على العمل والعطاء وتحقيق الاكتفاء والنهوض الحضاري.

نظام الكفالة والضمان

وأكد الدكتور عبد الله النجار أن من الوسائل التي شرعتها الشريعة لتحقيق حفظ المال وصيانة الحقوق نظام الكفالة والضمان، لما لهما من دور كبير في توثيق المعاملات وبث الطمأنينة بين المتعاملين وتحقيق المصالح العامة، قال تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام: "قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ" وهذه الآية تعد من أبرز الأدلة على مشروعية الضمان والكفالة، والفقهاء اشترطوا في الضامن أو الكفيل القدرة على الوفاء بما التزم به.

ومن جانبه، قال فضيلة الدكتور علي مهدي إن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بحفظ الأموال وصيانة الحقوق، وجعلت لذلك وسائل متعددة من أبرزها عقد الضمان، الذي يعد من العقود المهمة في الفقه الإسلامي، لأن الأصل في الدين حسن المعاملة، وأن مظاهر التدين الحقيقية تتجلى في التزام الإنسان بحقوق الآخرين وأدائه لما عليه من واجبات،  والفقهاء قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام رئيسة: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وعقود التبرعات كالهبة والوقف، وعقود التوثيقات كالضمان والرهن والكفالة.

وأضاف الدكتور علي مهدي أن الغاية من عقود التوثيق هي حفظ الحقوق ومنع النزاع بين الناس، ولذلك جاءت الكفالة والضمان باعتبارهما من أهم الوسائل التي تحقق الاستقرار في المعاملات المالية، مبينا أن الضمان يكثر استعماله في الأموال والالتزامات المالية، بينما تكون الكفالة غالبا في الأنفس وإحضار الأشخاص، أما الحمالة فترد في بعض صور الديات،  لذلك فإن الضمان ليس مجرد وعد أو كلمة تقال، بل يترتب عليه التزام شرعي وقانوني معتبر، وقد وردت في السنة النبوية الشريفة شواهد عديدة تؤكد مشروعيته وأهميته في حفظ الحقوق ومنع ضياع الأموال.

وأشار الدكتور علي مهدي إلى أن الضمان ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة؛ أولها ضمان العقد، وهو الذي ينشأ بإرادة المتعاقدين ورضاهما، كما في عقود البيع ونحوها، ومن صوره المعاصرة ما تقدمه بعض الشركات من ضمان لمنتجاتها لمدة محددة، وثانيها ضمان اليد، ويكون فيما يوضع تحت يد الإنسان على سبيل الأمانة أو الحفظ أو الانتفاع وفق الضوابط الشرعية، أما النوع الثالث فهو ضمان الإتلاف، ويقصد به التزام من أتلف مالا للغير أو تسبب في إتلافه بضمان ما أتلفه وتعويض صاحبه عنه، تحقيقا للعدل وصيانة للحقوق التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها.

 

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • تأثير التعديلات الجديدة على ضريبة الدمغة وانعكاساتها على سوق المال.. شاهد
  • تسهيلات غير مسبوقة لسوق المال.. إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية وتخفيضات جمركية على الدمغة
  • بنك عُمان العربي يُدرج بنجاح سندات بـ400 مليون دولار في بورصة لندن
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • طلب إحاطة واتهامات بإهدار المال العام في بعثة منتخب مصر ببطولة كأس العالم