سيرة الحب في "الفالانتاين"
تاريخ النشر: 16th, February 2026 GMT
آية السيابي **
يوم الرابع عشر من فبراير في كل عام، يضج العالم بكل أطيافه ناشرا الورود الحمراء في بذخ جميل تعبيرا عن الحب. وتنهمر الرسائل بين العشاق، والأصدقاء، والإخوة كيوم يرمز إلى الحب ويذكّر به. بينما يرفضه كثيرون آخرون، من منطلق أن الحب في الإسلام لا عيد له. وإن تخصيص يوم له بدعة أو تقليد دخيل.
غير أننا إذا تأملنا الفكرة بشكل محايد وهدوء، نجد أنَّ المسألة ليست في اليوم ذاته، ولكن في المعنى الذي يُحمَّل به. فالإسلام لم ينفِ الحب، حيث جعله أصلا من أصول العلاقات الإنسانية. كما لم يُحرّم الفرح المشروع، ولا إظهار المشاعر المباحة، ولكن ضبطها بالأخلاق. حيث جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن متحفّظا في إعلان محبته حين سُئل: "من أحب النَّاس إليك؟" قال: "عائشة".
ما يجعل الحب مبدأ إيماني قويم. وإذا كان الإسلام لا يحصر الحب في يوم، فإنه كذلك لا يمنع تذكّر فضيلته في يوم مخصوص، ما دام ذلك لا يحمِل طقساً تعبدياً بعينه ولا يخالف أصلا شرعيا. وجعل يوم ما مناسبة لتبادل كلمات طيبة أو إحياء مودّة خامدة، لا ينتقص من شمولية المحبة في الإسلام، بقدر ما يكون تذكيرا بها. فالدين الذي سمّى نفسه رحمة، وافتتح كتابه بـالرحمن الرحيم، لا يكون خصما لقيمة الحب، بل هو سياقها الأوسع. والمسألة، في النهاية تكمن في ترجمة معنى المودّة التي أرادها الله سكنا بين الناس. أما عن السياق التاريخي لهذا اليوم، فقد قيل إنه انطلق من روما القديمة التي كانت تحتفل بالخصب وتجدد الدم في عروق الطبيعة في منتصف شهر فبراير من كل عام. ويروى أيضاً بأن الإمبراطور كلوديوس الثاني، كان يمنع زواج الجنود اعتقادا منه بأن العُزّاب أكثر شراسة في القتال، لكن فالانتاين وهو كاهن روماني كان قد خالف أمر الإمبراطور بتزويج الجنود سراً، فاعتُقل وأُعدم في 14 فبراير. وبهذا أصبح هذا اليوم رمزا للدفاع عن الحب بعد إعلان الكنيسة الكاثوليكية بشهادة القديس فالانتاين الذي أصبح يحمل لقب "الشهيد" بعد إعدامه في القرن الثالث الميلادي. وبهذا خصص هذا اليوم للحب وتحولت الفكرة من فعل إعدام بيولوجي إلى موقف أخلاقي يحتفي به العالم.
وقد جاء في الإصحاح الثالث عشر في العهد الجديد، رسالة الرسول بولس في المحبة حيث قال: (وَإِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ النَّاسِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، صِرْتُ نُحَاسًا يَطِنُّ أَوْ صَنْجًا يَرِنُّ. وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أُحْتَرِقَ، وَلَكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَا أَنْتَفِعُ شَيْئًا. الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لَا تَتَفَاخَرُ، وَلَا تَنْتَفِخُ، وَلَا تُقَبِّحُ، وَلَا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلَا تَحْتَدُّ، وَلَا تَظُنُّ السُّوءَ، وَلَا تَفْرَحُ بِالإِثْمِ، بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. الْمَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا. وَأَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَسَيُبْطَلُونَ، وَالأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَالْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. لِأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ الْعِلْمِ، وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ التَّنَبُّؤِ. وَلَكِنْ مَتَى جَاءَ الْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ).
وفي التراث اليهودي، جاء في التلمود البابلي (سوتاه 17أ): "إذا استحق الرجل والمرأة، سكنت بينهما الشخيناه" يعني الحضور الإلهي والتجلي الإلهي الذي يسكن بين الناس؛ تعبيرًا عن قرب الله وبركته في العلاقة القائمة على الاستقامة الأخلاقية، والاحترام، والطهارة، والعدل. ثم تحوّل الرابع عشر من فبراير، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، إلى مناسبة لتبادل الرسائل، ثم إلى صناعة رأسمالية كاملة. فتجد الورود المستوردة تأخذ أشكالا وألوانا جاذبة، والشوكولاتة المغلفة مصممة بعناية.
ولم يعد السؤال: كيف نحب؟ بل: ماذا سنشتري لنبرهن ونُعيد إحياء هذا الحب؟ وهذا ما حدث حين وصل الحب إلى عصر السوق.
** كاتبة وروائية عُمانية
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.