تتجه الأنظار إلى جنيف، حيث يُنتظر أن تنطلق الجولة الثانية من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة بوساطة عُمانية، بعد جولة أولى استضافتها مسقط في 6 فبراير/شباط الجاري.

وتأتي المحادثات على وقع تصعيد متواصل في المنطقة، مع استمرار التهديدات المتبادلة واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية، لا سيما في ظل الحشد العسكري الأمريكي وزيادة التوتر عقب زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن.

ويقول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه يريد اتفاقا مع طهران، لكنه يلوّح في الوقت نفسه بأن بديل ذلك قد يعني "أمورا سيئة".

وفي حين لم يُعلن رسميا إطار التفاوض، نقلت تصريحات لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن واشنطن تسعى إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل، إلى جانب الملف النووي، البرنامج الصاروخي ونفوذ إيران الإقليمي وطريقة تعامل النظام مع الداخل الإيراني.

في المقابل، كرر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي رفض بلاده إدراج البرنامج الصاروخي ضمن أي تفاوض، مؤكدا استعداد طهران للعودة إلى مسار نووي "من موقع متكافئ"، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطا داخلية وخارجية، بينها أزمات اقتصادية واحتقان اجتماعي.

ومع أن الجهود الدبلوماسية تتقدم، فإن طهران وواشنطن تدركان أن المسار الحالي لا يضمن وحده تجنّب التصعيد، خاصة مع إجراء جولات سابقة بوساطة عمانية لم تُفضِ إلى اختراق حاسم، بل اندلعت الحرب بين إيران وإسرائيل في يونيو/حزيران 2025 قبيل جولة سادسة مقررة، ووسط مؤشرات على أن أي تعثر جديد قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة.

دبلوماسية على حافة الاشتباك

حتى الآن، تركز طهران على تكثيف الاتصالات السياسية وتوسيع دائرة المشاورات الإقليمية، محذرة من أن أي هجوم أمريكي قد يطلق حربا إقليمية.

وفي هذا السياق، تشير تقديرات إلى أن رفض بعض دول المنطقة مثل السعودية والإمارات والأردن استخدام أجوائها أو أراضيها لأي ضربة محتملة ضد إيران قد يقيّد هامش التحرك الأمريكي.

إعلان

في المقابل، تلوّح إيران بأن القواعد والمعدات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة قد تتحول إلى أهداف "مشروعة" إذا اندلعت الحرب، ما يعني أن ساحات عدة قد تتأثر بالتداعيات، وهو تهديد قد يعني هجماتٍ محتملة على العراق والبحرين وقطر والإمارات والسعودية، والكويت والأردن وسوريا.

إذا فشلت الدبلوماسية.. ما أدوات إيران؟

مع محدودية قدرة إيران على مجاراة التفوق العسكري الأمريكي التقليدي، تميل القراءة السائدة إلى أن خيارات طهران ستجمع بين الردع الصاروخي والحرب غير المتماثلة والضغط عبر الحلفاء، وصولا إلى خيارات اقتصادية/ملاحية بالغة الحساسية.

إطلاق الصواريخ الباليستية

تُعد الترسانة الصاروخية أحد أبرز أدوات الردع الإيرانية. وفي حال انفجار مواجهة مباشرة، قد تسعى طهران إلى استهداف قواعد أو مواقع عسكرية في الإقليم ضمن نطاق الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، أو توسيع بنك الأهداف وفق طبيعة الهجوم الأمريكي وحجمه.

وخلال أي صراع واسع، ستكون أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والإقليمية أمام اختبار معقّد، إذ إن تغطية مساحات متعددة في آن واحد تختلف عن سيناريو دفاعي محصور بجبهة واحدة.

تكتيكات "الإغراق" والهجمات الكثيفة

في مواجهة التفوق التكنولوجي الأمريكي، قد تلجأ إيران إلى أساليب الحرب غير المتكافئة، عبر هجمات متزامنة وكثيفة باستخدام مسيّرات وزوارق سريعة ووسائل تشويش وكمائن بحرية، بهدف إنهاك الدفاعات وإرباك منظومات الرصد والاعتراض.

ويُنظر إلى هذا النوع من التكتيكات بوصفه أكثر ملاءمة لطبيعة الجغرافيا في الخليج، وللقدرات التي طورتها إيران في مجال الطائرات المسيّرة خلال السنوات الماضية.

الحلفاء في المنطقة

على مدى عقود، نسجت إيران شبكة حلفاء إقليميين تعرف باسم "محور المقاومة"، تضم جماعات مسلحة في العراق ولبنان واليمن وغيرها. ورغم تعرض أجزاء من هذه الشبكة لضربات أضعفت بعض قدراتها في السنوات الأخيرة، فإنها ما تزال تمثل أداة ضغط يمكن استخدامها ضد مصالح أمريكية أو ضد مسارات الملاحة والطاقة.

لكن يرتبط استخدام هذه الورقة بحسابات حساسة، فبعض تلك الجماعات يواجه ضغوطا داخلية لنزع السلاح أو تحجيم الدور، وقد يؤدي الانخراط في مواجهة جديدة إلى رفع الكلفة عليها وعلى إيران معا.

مضيق هرمز الخيار الأخير

يبقى مضيق هرمز أحد أكثر أوراق الضغط حساسية، إذ يمر عبره نحو خُمس نفط العالم، ما يجعل أي اضطراب فيه ذا أثر فوري على الأسواق والطاقة.

نظريا، يمكن تعطيل الملاحة عبر مزيج من ألغام بحرية وصواريخ ساحلية وزوارق سريعة، لكن هذا السيناريو يُنظر إليه غالبا بوصفه الخيار الأخير بسبب كلفته الباهظة على إيران نفسها وعلى شركائها التجاريين، وفي مقدمتهم الصين باعتبارها أكبر مستورد للنفط الإيراني المعاقب، فضلا عن تداعياته على دول الخليج.

ولهذا السبب، يظهر هذا الخيار عادة في تصريحات نواب أو وسائل إعلام محلية أكثر مما يرد على لسان المسؤولين التنفيذيين الكبار، الذين يدركون أن ورقة هرمز قد تنقلب إلى أزمة دولية شاملة لا يمكن التحكم بمسارها بسهولة.

مفاوضات صعبة.. واحتمالات مفتوحة

رغم تأكيد الطرفين أنهما يفضّلان الحل الدبلوماسي، فإن اتساع الفجوة بين جدول أعمال واشنطن وشروط طهران يجعل الوصول إلى اتفاق مهمة شاقة. وفي حال اتجهت إدارة ترمب إلى خيار القوة، قد تتحرك خطوط إيران الحمراء بسرعة بين مساري رفع كلفة المواجهة لدفع واشنطن إلى التراجع، أو تقديم تنازلات محسوبة لتجنب حرب واسعة.

إعلان

وفي جميع الأحوال، تبدو المفاوضات الراهنة اختبارا لقدرة الطرفين على ضبط التصعيد في منطقة لا تحتاج سوى شرارة صغيرة لتشتعل على نطاق أوسع.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات

إقرأ أيضاً:

الحوثيون.. جبهة جديدة تؤرق الولايات المتحدة وتهدد بانقسام قوتها العسكرية

أنقرة (زمان التركية) – يرى مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون أن تهديد الحوثيين بفرض حصار بحري على المملكة العربية السعودية في البحر الأحمر يمكن أن يوسع بشكل خطير الحرب مع إيران ويضغط على قدرة الجيش الأمريكي، الذي يركز بالفعل على وقف هجمات طهران في جميع أنحاء المنطقة.

وكان الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن أعلنوا يوم الاثنين أنهم لن يسمحوا للسفن بالتحميل أو التفريغ في الموانئ السعودية.

وتهدد هذه الخطوة بكبح صادرات النفط السعودية وتعطيل 7 في المئة إضافية من إمدادات النفط العالمية.

أفادت وكالة رويترز أن المملكة العربية السعودية، التي تستضيف قوات أمريكية داخل أراضيها، لم تطلب الدعم العسكري من واشنطن بعد.

وذكر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في تصريحاته يوم أمس أن محاولة الحوثيين منع الشحنات في البحر الأحمر، وهو ممر حيوي للتجارة العالمية، يمكن أن تجر الولايات المتحدة إلى الصراع قائلا: ” إذا حدث ذلك بالفعل، فسنفعل ما يستوجب الأمر. لقد فعلنا ذلك من قبل ضد الحوثيين “.

لكن الوضع ليس بهذه السهولة بالنسبة للجيش الأمريكي، إذ يُعرف الحوثيون بالمقاتلين ذوي الخبرة والرشاقة الذين قاوموا بنجاح حملات القصف السعودية والأمريكية السابقة. ومعالجة الوضع يعني المزيد من تفكك الموارد الأمريكية، التي تركز بالفعل على محاربة إيران والحفاظ على الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية في الخليج الفارسي.

وذكر جيسون كامبل، مسؤول سابق في البنتاغون، أن الولايات المتحدة ستضطر لتقسيم مواردها بين جبهتين نشطتين في المنطقة المزدحمة بالفعل.

وأضاف كامبل، الذي يعمل الآن في معهد الشرق الأوسط، أن الرد على التهديد في البحر الأحمر قد يعني نقل السفن الحربية الأمريكية من الخليج إلى بالقرب من اليمن، الأمر الذي سيتطلب من الجيش العمل ضد المسلحين والدفاع ضد صواريخ الحوثي.

احتمال تورط الحوثيين في الصراع هو مثال آخر على كيفية تطور الحرب، التي قدمها ترامب في البداية على أنها “حملة قصف مركزة لتأمين استسلام إيران” وتحولت إلى صداع سياسي للرئيس الأمريكي.

بالإضافة إلى ذلك، إذا بدأت سفن وطائرات البحرية الأمريكية في ضرب الطائرات بدون طيار والصواريخ الحوثية، فقد ينخفض مخزون الذخائر وصواريخ الدفاع الجوي الأمريكية إلى مستويات أكثر خطورة، كما حذر الخبراء من انخفاضه بالفعل.

أفاد مايكل مولروي، نائب وزير الدفاع المسؤول عن الشرق الأوسط خلال ولاية ترامب الأولى، أن الحوثيين أثبتوا عدة مرات في الماضي أن لديهم القدرة والنية على منع الحركة البحرية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.

جدير بالذكر أنه خلال إدارة جو بايدن، نفذت الولايات المتحدة غارات جوية على أهداف حوثية لإبقاء الطريق التجاري الحرج للبحر الأحمر مفتوحا. وكثف ترامب هذا الجهد العام الماضي، وقصف الحوثيين الذين أطلقوا النار على السفن الحربية والسفن التجارية الأمريكية قبالة سواحل اليمن.

ويؤكد الخبراء أن أيا من الحملتين لم تنه قدرة المجموعة على تهديد الشحن، كما تطلبت عملية العام الماضي التي استمرت شهرين قوة نيران أمريكية ضخمة، بما في ذلك حاملتي طائرات وسفن حربية متعددة وطائرات وقاذفات قنابل استراتيجية مثل B-2

يوضح المسؤولون أن الجيش الأمريكي يواجه قيودا على الموارد على الرغم من كونه أفضل جيش ممول في العالم، حيث يتم الآن استخدام العديد من الأنظمة اللازمة لليمن في الحرب مع إيران.

وذكر أحد المسؤولين أن الولايات المتحدة منشغلة بالفعل مفيدا أن بعض السفن الحربية كانت في البحر لفترة أطول من المعتاد بسبب الوتيرة العالية للعملية.

وكان للمهام الأطول من المتوقع تأثير مدمر على الموظفين، حيث تحتاج السفن في النهاية إلى العودة إلى الميناء للصيانة. وتنشط حاليا كثر من 20 سفينة حربية أمريكية ومئات الطائرات العسكرية في الشرق الأوسط.

أفاد مسؤول أمريكي ثان أنه تم نشر قوات إضافية في المنطقة للمساعدة في الصراع الإيراني. وهذا الأمر يمكن أن يحد من الموارد المتاحة للصراع بالقرب من اليمن.

ويؤكد المسؤولون أن مثل هذا الصراع سيتطلب موارد بحرية وجوية خطيرة، بالإضافة إلى نقل موارد الاستخبارات إلى تلك المنطقة للتأكد من قدرات الحوثيين التي ربما تكون قد تغيرت منذ العام الماضي.

يوافق مارك كانسيان، ضابط البحرية المتقاعد من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، على أن وجود جبهة ثانية في البحر الأحمر من شأنه أن يتحدى البحرية الأمريكية. وعلى الرغم من هذا، يرى كانسيان أن الحوثيين أيضا سيواجهون مشكلة في إعادة الإمداد بسبب الحصار المستمر على إيران وهى الداعم الرئيسي له قائلا: ” “على الرغم من أن الحصار الأمريكي ليس فعالا بنسبة 100 في المئة، فإنه يتمتع بكفاءة عالية جدا. ونتيجة لذلك، قد يجد الحوثيون صعوبة في الحفاظ على عملية طويلة الأجل”.

Tags: الحرب على إيرانالحصار البحري على إيرانالحصار البحري على السعوديةالحوثيونباب المندب

مقالات مشابهة

  • وزير الخارجية الألماني ينتقد قرار الولايات المتحدة عدم دعوة جنوب إفريقيا إلى اجتماعات مجموعة العشرين
  • الولايات المتحدة تقدم مساعدات إنسانية تتجاوز 200 مليون دولار لمؤسستين دوليتين
  • الولايات المتحدة تفرض عقوبات جديدة على كيانات كوبية
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • الحوثيون.. جبهة جديدة تؤرق الولايات المتحدة وتهدد بانقسام قوتها العسكرية
  • إيران تستعد.. هل أوشكت الولايات المتحدة على الدخول البري؟
  • أمريكا تتوعد إيران والحوثيين بعد ضرب ناقلات النفط
  • عراقجي: زيارة الزيدي لا تحمل رسالة أمريكية
  • المنتدى الدولي للأمن السيبراني ومكتب الأمم المتحدة لشؤون نزع السلاح يطلقان برنامج تعزيز القدرات في الدبلوماسية السيبرانية
  • إيران تنفي وجود منشأة نووية في جبل كولانج