وردت أولى التقارير عن انتشار عدوى تنفسية مجهولة في ووهان، الصين، خلال الأيام الهادئة بين أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة في عام 2019. في ذلك الوقت، كنت مديرا لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا، وهي وكالة الصحة العامة التابعة للاتحاد الإفريقي، وكنت أحاول استعادة نشاطي بعد أشهر قضيتها في مكافحة فاشية فيروس إيبولا القاتل في جمهورية الكونجو الديمقراطية.

ولكن، إدراكًا لخطورة هذا الفيروس الجديد وضرورة التعامل معه على وجه السرعة، استدعيت فريق مراكز مكافحة الأمراض في إفريقيا إلى المقر الرئيسي في أديس أبابا.

لم يسبق لمراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا أن واجهت أزمة بهذا الحجم. أشارت توقعات السيناريو الأسوأ الأولية المستمدة من لجنة إفريقيا الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة إلى أن ما يصل إلى 1.2 مليار إفريقي قد تصيبهم العدوى، وأكثر من ثلاثة ملايين قد يموتون بسبب المرض المعروف الآن بمسمى COVID-19. واستلزم تنسيق الاستجابة في دول الاتحاد الإفريقي (55 دولة)، والتي يتجاوز عدد سكانها مليار نسمة، استخدام كل الخبرات والمهارات المتاحة لدينا.

في مستهل الأمر، قمنا بتدريب الطاقم الطبي في البلدان الإفريقية التي تنظم رحلات جوية مباشرة إلى الصين، وأنشأنا مجموعات عمل بقيادة خبراء أفارقة في الطب المخبري، والصحة العامة، وعلوم البيانات، وعلم الجينوم. مع انتشار COVID-19، أُرسِل علماء الأوبئة الشباب الذين كانوا يكافحون فيروس إيبولا في جمهورية الكونجو الديمقراطية إلى غرب إفريقيا.

وسرعان ما بات من الواضح أن العالم كان يرتد إلى أنماط قديمة؛ فلم تقدم لنا منظمة الصحة العالمية سوى حوالي مليونين من اختبارات COVID-19، وخزنت الدول الغنية جرعات اللقاح.

من المؤكد أن الدافع كان الحفاظ على المصالح الوطنية، وليس تعمد الأذى. لكن هذا أظهر أن إفريقيا في احتياج إلى استراتيجية مختلفة، تعتمد على مواردنا ومؤسساتنا. كنا عازمين على عدم تكرار تجربة جائحة الإيدز، التي خلفت 12 مليون إفريقي توفوا في العقد الذي استغرقه وصول الأدوية المضادة للفيروسات القهقرية الفعالة إلى القارة بعد أن أصبحت متاحة في الغرب.

بفضل الشراكة مع مؤسسة ماستركارد (حيث أعمل الآن) أصبح من الممكن تبني استراتيجية جديدة. اتصلت بنا ريتا روي، التي كانت حينها رئيسة المؤسسة ومديرتها التنفيذية، لتسألنا ما إذا كان مبلغ مليار دولار يتيح لنا الاستجابة بشكل فعّال للجائحة، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف قد تبدو هذه الاستجابة. بعد أن أوضحنا أن هذه الأموال ستسمح لنا بشراء اللقاحات وتوزيعها، وتعزيز قدراتنا المؤسسية، ودعم تصنيع اللقاحات محليا، التزمت المؤسسة بتقديم 1.5 مليار دولار لبرنامج إنقاذ الأرواح وسبل العيش، وهي الشراكة التي امتدت ثلاث سنوات مع مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا (Africa CDC) وانتهت في ديسمبر 2025.

أدى هذا الاستثمار إلى تغيير جذري في نظرة العالم إلى مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا. أصبح جمع الأموال أسهل فجأة، والتزم البنك الدولي، الذي عرض في السابق 10 ملايين دولار كجزء من منحة إقليمية قبل الجائحة، بتقديم 100 مليون دولار دولارا أمريكيا لتعزيز الاستعدادات في مجال الصحة العامة في القارة. وتبعته المملكة المتحدة بمبلغ 20 مليون جنيه إسترليني (27 مليون دولار) من التمويل. بحلول الوقت الذي تركت فيه عملي في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا في مايو 2022، كانت المنظمة حشدت نحو 1.8 مليار دولار.

استند برنامج «إنقاذ الأرواح وسبل العيش» إلى الثقة في القيادة والمؤسسات الإفريقية، الأمر الذي جعله فعالا بشكل خاص. وبفضل تمكينها من اتخاذ القرارات والتصرف بسرعة، قدمت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا أكثر من 32 مليون جرعة لقاح إلى البلدان الأعضاء، فضلا عن دعم تدريب ونشر 37 ألف عامل صحي، وخلق ما يقرب من 23 ألف وظيفة في 25 دولة إفريقية.

كما ساعدت الشراكة مع مؤسسة ماستركارد في إرساء الأسس للأمن الصحي الطويل الأجل في إفريقيا من خلال زيادة عدد البلدان التي تملك مختبرات لتسلسل الجينوم من سبعة إلى 46. هذه الأنظمة الوطنية قادرة على تبادل البيانات والعمل كنظام إنذار مبكر قاري.

يتعين على إفريقيا الآن أن تقرر ما إذا كانت لتبني على الزخم الذي أعقب الجائحة وتسعى إلى تحقيق السيادة الصحية أو تستمر في الاعتماد على العواصم الغربية. رؤيتي ــ التي تشكلت خلال فترة عملي في مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا ــ تتمثل في إقامة نظام صحي عام جديد بقيادة إفريقية، وقد اتخذت القارة خطوات نحو تحقيق هذه الغاية. وتعمل مبادرات مثل برنامج الزمالة الإفريقية STARS في جامعة ستيلينبوش على تطوير الجيل القادم من قادة الصحة الأفارقة، بينما تقوم مؤسسات مثل معهد باستور داكار بتدريب قوة عمل تصنيع اللقاحات.

بفضل شبكات الجينوم القوية، وتوسيع قدرات تصنيع اللقاحات، والقيادات المدربة حديثا، أصبحت مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في إفريقيا أكثر قدرة على الاستجابة للجوائح الـمَرَضية في المستقبل. وسوف تستمر قدراتها في التوسع مع إنشاء مزيد من المؤسسات المحلية وتعزيز المؤسسات القائمة.

لم يعد من الجائز أن تعتمد إفريقيا على ميزانيات المساعدات الغربية التي ترتفع وتنخفض مع الدورات الانتخابية. لكن تحقيق السيادة الصحية يتطلب إرادة سياسية. يتعين على الحكومات الإفريقية أن تتعامل مع البنية الأساسية الصحية على أنها أولوية استراتيجية قصوى وأن تلتزم بالاستثمار الطويل الأجل فيها. عندما تصل الجائحة التالية، يجب أن تكون القارة مهيأة لقيادة استجابتها الخاصة، وإلا فإنها تخاطر بالتخلف عن ركب التعافي.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب

 


يُخيَّل إلينا أحيانًا أن التاريخ تصنعه الجيوش، وأن خرائط العالم تُرسم بالقوة وحدها، وأن التحولات الكبرى لا تأتي إلا على وقع المدافع وصخب المعارك. غير أن قراءة متأنية لمسيرة البشرية تكشف حقيقة مختلفة؛ فقبل كل حدث عظيم كانت هناك فكرة، وقبل كل فكرة كانت هناك كلمة.

الكلمات ليست مجرد أصوات عابرة أو حروف مصطفة على الورق، بل هي القوة الأكثر حضورًا واستمرارًا في حياة الأمم. فالكلمة التي تُقال في لحظة فارقة قد تعيش قرونًا، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من عمر أصحابها.

في القرن التاسع عشر، لم يكن اسم دي لسبس مرتبطًا بآلة حفر أو أسطول بحري بقدر ما ارتبط بفكرة استطاعت أن تتحول إلى مشروع غيّر حركة التجارة العالمية وبدّل أهمية الجغرافيا السياسية للمنطقة. كانت البداية كلمة ورؤية وإقناعًا، ثم أصبح الحلم واقعًا.

وبعد أكثر من قرن، وقف الرئيس محمد أنور السادات أمام العالم ليطلق كلماتٍ بدت آنذاك غير مألوفة في منطقة اعتادت لغة الصراع. لم تكن “كامب ديفيد” مجرد اتفاق سياسي، بل كانت تعبيرًا عن انتقال من مرحلة تاريخية إلى أخرى، بغض النظر عن المواقف المختلفة تجاهها أو تقييم نتائجها. لقد أثبتت تلك اللحظة أن كلمة واحدة قد تفتح أبوابًا ظلت مغلقة لعقود.

والأمثلة في التاريخ لا تُحصى. فكم من حرب بدأت بخطاب، وكم من سلام وُلد من كلمة، وكم من شعب نهض لأن قائدًا آمن بفكرة واستطاع أن يصوغها في عبارة لامست وجدان الناس.

إن عالمنا اليوم، بكل ما يملكه من تقدم علمي وتكنولوجي غير مسبوق، لا يعاني نقصًا في القوة بقدر ما يعاني نقصًا في الكلمات القادرة على جمع ما تفرّق، وبناء ما تهدّم، وإحياء الأمل حيث استوطن اليأس.

نحن نعيش زمنًا تتسارع فيه الأحداث وتتعاظم فيه التحديات، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتغيرات الاجتماعية العميقة. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، لا يزال العالم يبحث عن كلمة جديدة؛ كلمة تُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب، وتمنح الإنسان سببًا إضافيًا للإيمان بالمستقبل.

فالتاريخ، في جوهره، ليس سجلًا للأحداث فقط، بل هو سجل للأفكار التي انتصرت، وللكلمات التي وجدت طريقها إلى العقول والقلوب. وما من تحول كبير إلا وكان في بدايته شخص آمن بكلمة قبل أن يؤمن بها الآخرون.

ولعل السؤال الأهم ليس: ما الكلمة التي غيّرت التاريخ في الماضي؟

بل: ما الكلمة التي يمكن أن تغيّر المستقبل؟

سؤال أتركه لكل قارئ، ولكل صاحب قرار، ولكل إنسان ما زال يؤمن بأن للكلمات قوة تفوق أحيانًا قوة السلاح، وأن التاريخ
قادم قد يبدأ من كلمة لم تُقَل بعد …..

مقالات مشابهة

  • علاء نبيل: منتخب مصر قادر على تحقيق إنجاز مونديالي
  • 3 عادات يومية شائعة وراء تساقط الشعر المُبكّر لدى النساء .. طرق العلاج والوقاية
  • 32 مليون بعوضة لمكافحة الأمراض
  • تقليص مراكز التأشيرات الأمريكية في إفريقيا يثير تساؤلات بالمغرب حول مصير طالبي التأشيرة
  • الكلاب الضالة قنابل بيولوجية تهدد الإنسان والثروة الحيوانية
  • استشاري يحذر من الإفراط في استخدام المنظفات الصناعية
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • القائم بالأعمال الأمريكي: ناقش مع الرئيس العراقي اتخاذ إجراءات لصون السيادة
  • مصر تضخ 100 مليون دولار في إفريقيا
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش