علي بن سهيل المعشني (أبو زايد)

يُعد العرف القبلي في محافظة ظفار أحد أهم النظم الاجتماعية التي أسهمت عبر التاريخ في حفظ الأمن والاستقرار؛ إذ نشأ هذا العرف قبل قيام المؤسسات القضائية الحديثة، واعتمد على منظومة من القواعد والعهود التي نظمت العلاقات بين القبائل، خاصة في القضايا الكبرى التي تمس الدماء والأمن العام.

وقد استطاعت هذه الأعراف، بفضل ما قامت عليه من قيم الشرف والسمعة والتكافل، أن تؤدي دورًا مهمًا في تحقيق الصلح ومنع تفاقم النزاعات.

ومن أبرز ما عُرف في هذا الإطار نظام الحلايف، وهي عهود ملزمة تُعقد لتثبيت الصلح ومنع عودة الخصومة، ويأتي في مقدمتها حلفة المثاناة، والحلفة الجارية، وحلفة الصداقة، ولكل منها طبيعتها وأحكامها التي توارثها أهل العرف جيلًا بعد جيل.

تُعد حلفة المثاناة من أغلظ الحلايف وأشدها، فهي عهد موثق وقسم شديد يُنظر إليه على أنه ميثاق لا يجوز نقضه. وقد تكون هذه الحلفة على مستوى عشيرة أو فخيذة أو قبيلة كاملة، بحسب الأطراف الداخلة فيها. ويقوم هذا النوع من الحلف على أركان معروفة، في مقدمتها الحلفاء الرُّك، وهم الأساس الذين يقوم عليهم العهد، ومعهم الضامنون أو القُبلاء، وعدد من القعايد، إضافة إلى الشهود المعروفين بالحفظ والأمانة والصدق والشجاعة في قول الحق.

وتُغلّظ العقوبات في حال الإخلال بهذه الحلفة؛ إذ يواجه من يخون العهد النكف والنبذ الاجتماعي، فلا يُسلم عليه ولا يُجار، ويُنعت بالعايب حتى يقر بما عليه في مجلس العرف، ويخضع للإجراءات التي تُعد في مفهوم المجتمع إعلانًا للتوبة وغسل العار. وبعد ذلك يُعاد قبوله بين الناس وفق ما يقرره أهل العرف والسنة.

كما تتشدد أحكام الدية في حالات القتل التي تقع داخل الحلف، حيث تُغلّظ الديات ردعًا وحمايةً للعهد، وتثبيتًا لهيبة العرف، وهو ما يعكس إدراك المجتمع لخطورة نقض المواثيق وحرصه على صيانة العهود.

أما الحلفة الجارية فهي حلفة تمتد آثارها طوال حياة الأطراف الذين عقدوها، وقد تنتهي بوفاة آخر من شهدها أو شملتهم بنودها. ويقوم هذا النوع من الحلف على حفظ الدماء ومنع الاعتداء والنصرة عند الحاجة، وتكون عقوباته أقل تغليظًا من المثاناة، لكنها تظل ملزمة وقوية الأثر في تثبيت الصلح واستمرار الأمن.

وفي المقابل تأتي حلفة الصداقة، وهي أخف أنواع الحلف، وقد تكون بين أفراد أو جماعات أو قبائل، وهدفها الحماية المتبادلة وتقديم العون عند الحاجة، وقد تكون جارية طوال حياة المتحالفين أو تمتد إلى الأبناء بحسب الاتفاق.

ولا يكتمل الحديث عن العرف القبلي دون الإشارة إلى نظام القبل أو الهدنة، وهو من أهم الوسائل التي تُستخدم لاحتواء النزاعات فور وقوعها. فعند حدوث شجار أو قضية دم، يبادر أهل الصلاح من القبائل إلى طلب الهدنة، فيمنحها الطرف الآخر تقديرًا للوجهاء وحرصًا على إفساح المجال للصلح. وغالبًا ما تمتد الهدنة من شهر إلى سنة، وخلالها تُبذل الجهود للسعي إلى الإصلاح وتقريب وجهات النظر.

وللقبل شروط وأعراف، وهو في ذاته عهد وميثاق، وله أنواعه وأحكامه وعقوباته التي تشبه في بعض جوانبها أحكام الحلايف. ومن الأقوال المتعارف عليها في هذا السياق: «لا يركب قبلٌ على قبلٌ ولا حلفة على حلفة»، أي أنه في حال انتهاك القبل أو الحلفة، وبعد خضوع الجاني لما يلزمه من عقوبات، يُعاد تجديد العهد السابق وإشهاره بذات المواثيق والالتزامات، حفاظًا على استمرارية الصلح وهيبة العرف.

ومن القيم التي تميز مجتمع ظفار في هذا الجانب روح التكافل، حيث تتعاون القبائل مع الغارم في دفع الدية حتى تكتمل، وهو تقليد اجتماعي راسخ يعكس عمق الروابط بين الناس وحرصهم على إغلاق أبواب الفتنة وترسيخ السلم الاجتماعي.

إن هذه الأعراف، بما تحمله من حكمة وتجربة متراكمة، ليست مجرد عادات اجتماعية، بل هي منظومة أخلاقية وقضائية أسهمت عبر الزمن في حفظ الدماء وتحقيق الاستقرار، وظلت شاهدًا على قدرة المجتمع على إدارة شؤونه بروح المسؤولية والتكافل، وهي صفحة مشرقة من تاريخ المجتمع الظفاري وتجربته في صون السلم الأهلي.

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

ارتفاع أسعار السماد ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء للمواطن

قال الدكتور مصطفى خليل عضو لجنة الزراعة بحزب الوفد إن أزمة الأسمدة الحالية لا ترتبط بنقص الإنتاج، وإنما بخلل في إدارة التوازن بين احتياجات السوق المحلية ومتطلبات التصدير، مؤكدًا أن مصر تُعد من الدول المنتجة والمصدرة للأسمدة النيتروجينية بكميات كبيرة، لكنها تواجه تحديات في ضمان وصول المقررات السمادية للمزارعين في التوقيتات المناسبة.
وأضاف أن ارتفاع الأسعار العالمية للأسمدة يدفع بعض الشركات إلى التركيز على التصدير للاستفادة من العائد الدولاري المرتفع، وهو ما ينعكس على حجم المعروض بالسوق المحلية، ويؤدي إلى ظهور أزمات متكررة في توفير السماد بالجمعيات الزراعية، الأمر الذي يفتح الباب أمام السوق الموازية وارتفاع الأسعار على المزارعين.
وأوضح خليل أن أي زيادة في تكلفة السماد يتحملها المزارع في النهاية تنعكس بشكل مباشر على أسعار المحاصيل الزراعية، ومن ثم على أسعار الغذاء للمستهلك، مشددًا على أن ملف الأسمدة يرتبط بالأمن الغذائي والاقتصاد الوطني في آن واحد.
وأشار إلى أن الحل يبدأ من إحكام الرقابة على منظومة التوريد، من خلال ربط تصاريح التصدير بالتزام المصانع بتوريد حصتها المقررة للسوق المحلية، عبر منظومة رقمية تضمن الشفافية وسهولة المتابعة.
كما دعا إلى تطوير منظومة الدعم الحالية، والتحول التدريجي إلى دعم نقدي ذكي موجه للمزارع الحقيقي من خلال كارت الفلاح، بما يضمن وصول الدعم لمستحقيه ويحد من التسرب والاتجار في الأسمدة المدعمة.
وأكد خليل أهمية التوسع في استخدام المخصبات الحيوية والكمبوست والأسمدة العضوية ضمن منظومة التسميد الهجين، موضحًا أن الاعتماد المفرط على الأسمدة الكيماوية أدى إلى تراجع خصوبة بعض الأراضي وزيادة تكاليف الإنتاج، بينما يساهم التسميد المتوازن في خفض التكاليف وتحسين كفاءة استخدام العناصر الغذائية.
وطالب بضرورة تقديم حوافز استثمارية لمصانع الأسمدة للتوسع في إنتاج الأسمدة الحيوية والعضوية، إلى جانب الحفاظ على القدرة التصديرية للصناعة المصرية، بما يحقق التوازن بين دعم الاقتصاد القومي وحماية الإنتاج الزراعي المحلي.
واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح إدارة ملف الأسمدة لا يقاس فقط بحجم الصادرات أو الإيرادات الدولارية، وإنما بقدرة الدولة على تحقيق معادلة متوازنة تضمن توفير مستلزمات الإنتاج للمزارع، والحفاظ على استقرار أسعار الغذاء للمواطن.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • صقر غباش: أمن الخليج العربي جزء من منظومة الأمن الدولي
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • اتهامات رسمية بالقتل ومصير مجهول للدوافع.. آخر تطورات جريمة بوفالو التي هزّت الجالية اليمنية
  • الحديدة .. بدء تركيب 190 منظومة شمسية لمتضرري الدريهمي
  • 17 مليار دولار تختفي سنوياً.. أين تذهب أموال «دعم الوقود»؟
  • السيسي يؤكد محورية التنسيق بين مصر والولايات المتحدة لتحقيق السلم والاستقرار في الشرق الأوسط
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • ارتفاع أسعار السماد ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء للمواطن