الكتابة فى جريدة «الوفد»... شرف
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
بناءً على دعوة من جريدة «الوفد» للكتابة كعضو وكاتب أسبوعى يوم الثلاثاء، وقد تشرفت بقبول الدعوة، حيث كانت لجريدة «الوفد» مكانة كبيرة فى عقلى وقلبى منذ أن كنت مديراً لإدارة الشئون المعنوية للقوات المسلحة.
أذكر أن أول كاتب إعلامى التحق بكلية الدفاع الوطنى كان الكاتب أسامة هيكل، المحرر العسكرى بجريدة «الوفد»، والذى أصبح فيما بعد وزيراً للإعلام.
الواقع أن جريدة «الوفد» تمثل حزب الوفد، الذى كان الحزب السياسى الأكثر شعبية وتأثيراً فى مصر منذ نهاية الحرب العالمية حتى الثلاثينيات من القرن العشرين. وكان لحزب الوفد دور فعال فى تطوير دستور 1923 ودعم نقل مصر من حكم الأسرة الحاكمة الملكية إلى الملكية الدستورية حين تولى السلطة برلمان منتخب وطنى.
هذا الحزب، الذى تأسس عام 1918، كان حزب الأغلبية قبل ثورة 1952. وقد تعرض حزب الوفد لعثرات كثيرة مثل باقى أحزاب مصر، لكن يبدو أن الحظ ابتسم له أخيراً بعد آخر انتخابات، حيث تولى الوفدى الأصيل السيد البدوى رئاسة الحزب، وأعلن أن الحزب سيظل رمزاً للوحدة الوطنية كما كان من قبل. وأضاف أنه سيعيد روح حزب الوفد التى تجسدت بوضوح فى ثورة 1919.
عموماً، نتمنى أن نرى للوفد فى صورته الجديدة مكاناً متميزاً فى الحياة الحزبية فى هذه الفترة من تاريخ مصر، التى تشهد تحديات كبيرة وتهديدات فى كل الاتجاهات الاستراتيجية الأربعة.
فى الشمال الشرقى، نجد تصاعد الأحداث فى المنطقة من إسرائيل وغزة، وتهدف مصر فى هذا التوقيت إلى وقف إطلاق النار واستكمال المرحلة الثانية من خطة السلام التى أعلنها الرئيس ترامب فى مؤتمر شرم الشيخ. كما تأمل مصر أن يعم السلام ويتم فتح معبر رفح بصورة منتظمة، دخول المساعدات الإنسانية الطبية، واستكمال انسحاب إسرائيل من غزة. ثم تتولى حكومة التكنوقراط الفلسطينية الجديدة التى بذلت مصر جهداً كبيراً فى تكوينها وموافقة كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة على تكوينها لتبدأ السيطرة على غزة، وبدء عملية الإعمار حتى يعود أهالى غزة إليها مرة أخرى.
فى الغرب، تشهد ليبيا حالة من عدم الاستقرار منذ رحيل القذافى، ما يهدد الأمن القومى المصرى.
فى الجنوب، تشهد السودان أكبر مجاعة فى إفريقيا حالياً، مع هجرة السكان بمعدل ضم مليون نسمة وعمليات قتل واغتصاب، وكل ذلك يشكل تهديداً للأمن القومى المصرى.
إلى الجنوب الشرقى، نجد ما تفعله إسرائيل وإثيوبيا فى محاولة الحصول على قواعد عسكرية فى الصومال، فى ميناء بربرة، ما يهدد الأمن القومى المباشر من ناحية قناة السويس.
فى الشمال الشرقى، فى البحر الأحمر، تتطلب حقول الغاز المصرية وجود قوات بحرية قادرة على حمايتها وتأمينها، ما دفع مصر إلى إنشاء قواعد عسكرية على البحر المتوسط لتأمين هذا الاتجاه مع دعم القوات البحرية المصرية لتصبح سادس قوة بحرية فى العالم.
أيضاً، لا تزال الأحداث العالمية مثل الحرب الروسية الأوكرانية تمثل تهديداً لمصر من الناحية الاقتصادية، حيث إن مصر من أكبر الدول التى تستورد القمح والذرة والزيوت، وهذه الأصناف تصدرها روسيا أوكرانيا إلى مصر.
من الناحية الأخرى، نجد أن إيران تمثل محوراً آخر للتهديد فى المنطقة، حيث تهدف أمريكا وإسرائيل إلى منعها من الحصول على السلاح النووى، ومن تطوير أنظمة الصواريخ الباليستية، ومن دعم الأذرع العسكرية فى المنطقة مثل حزب الله فى سوريا ولبنان، والحشد الشعبى فى العراق، والحوثيين فى اليمن، وحماس فى فلسطين. وكل هذه الأذرع تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومى المصرى.
على أى حال، فى مصر، نرى أننا نتحرك فى اتجاهين رئيسيين. الأول، هو أن الاستراتيجية الحالية لمصر تقوم على أن السلام خيار استراتيجى. حيث تعمل مصر على عدم التورط فى أى عمليات عسكرية مستقبلية، لأنها تؤمن بأن الحرب تعرقل عمليات التنمية. وخلال العشر سنوات الماضية، ركزت مصر تحت قيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى على عدم التورط فى أى عمليات عسكرية، والاستمرار فى تطوير البنية الأساسية، بدءاً من تطوير قناة السويس وزراعة 5 ملايين فدان جديدة، وبناء المدن، وزيادة الإنتاج فى المصانع الجديدة، وشبكات الطرق والكبارى، ومشروع حياة كريمة للمواطن المصرى.
فى نفس الوقت، تدعم مصر القوات المسلحة، حيث إن السلام يحتاج إلى قوة عسكرية تحميه. وبدأ الرئيس السيسى فى تنويع مصادر السلاح، ولم يعد الاعتماد فقط على السلاح من الولايات المتحدة كما كان فى الثلاثين سنة الماضية، كما تم تطوير المصانع الحربية المصرية التى لم تشهد تطوراً كبيراً منذ الخمسينيات عندما أنشأها الرئيس جمال عبدالناصر.
من هنا، تستمر مصر فى الفترة القادمة فى سياسة «السلام خيار استراتيجى»، مع تعزيز القوات المسلحة وتوفير سبل المعيشة الكريمة للمواطن المصرى.
يكفى القول إن عدد الجامعات المصرية تضاعف ثلاث مرات فى عهد الرئيس السيسى، وأن مظلة التأمين الصحى بدأت تدخل المحافظات سنوياً، بدءاً من المحافظات الحدودية إلى المحافظات الرئيسية. أما مشروع حياة كريمة، فإنه يقوم على أساس التنمية الاجتماعية، الصحة، التعليم، وإدخال الكهرباء، والصرف الصحى، والمياه النقية لقرى مصر فى الدلتا والصعيد، من أجل حياة أفضل للمواطن المصرى، الذى ستشهد حياته نهضة جديدة مع الوزارة الجديدة التى ستعطى دفعة قوية للإنسان المصرى فى الفترة القادمة.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الرئيس السيسي ثورة 1919 جريدة الوفد حزب الوفد حزب الوفد مصر من
إقرأ أيضاً:
عندما يصبح السلام محل انقسام.. لماذا أثار بيان لا نريد الحرب جدلا في طهران؟
طهران – في بلد أنهكته الحروب المتتالية وحصار بحري خانق، يبدو إصدار بيان يحمل عنوان "لا نريد الحرب" وكأنه تحصيل حاصل أو صرخة إنسانية لا تختلف عليها الأصوات، لكن في إيران اليوم يتحول هذا النداء إلى جدل بين معسكر يراه صرخة سلام في زمن الحرب، وآخر يعتبره تبرئة للمعتدي وتطبيعا مع "آلة القتل" الأمريكية والإسرائيلية.
فمنذ أن وقّع 268 ناشطا سياسيا ومسؤولا سابقا بينهم نواب سابقون وأكاديميون قبل أيام، بيانا جاء فيه "السلام نعمة إلهية وحق إنساني. والحد الأدنى للتمتع بالسلام هو الوقف الكامل والنهائي للحرب ووضع حد لأي تهديد أو خطاب كراهية أو دعوة للحرب"، وتأكيده أن "الأغلبية الساحقة من الشعب الإيراني تريد السلام والحق في حياة كريمة"، جاء الرد من الطيف المقابل سريعا وقاسيا.
فقد أصدر 517 أستاذا في جامعة "آزاد" الإسلامية بيانا مضادا وصف الأول بأنه "مغالطة تاريخية" وكتب الموقعون على البيان الثاني "إذا كان هناك قلق حقيقي من الحرب، فإن المخاطَب الأول يجب أن يكون الحكومات التي بدأت الحرب، لا الأمة التي وقعت ضحية العدوان ودافعت عن نفسها. لا أحد يرغب في الحرب، ولكن كما لا نقبل الحرب المفروضة، لن نقبل السلام المفروض".
وفيما يكشف الجدل القائم، وفق مراقبين، أن كلمة "السلام" نفسها لم تعد تحمل معنى واحدا في قاموس السياسة الإيرانية، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران وسألت الناس مباشرة: ماذا يعني لكم السلام وسط هذا الجدل النخبوي؟ فكان الانقسام حاضرا، لكن نقطة التقاء واحدة بدت واضحة: لا أحد يريد الحرب ولا أحد يقبل الهزيمة.
في حديقة "دانش" جنوبي العاصمة يقول الموظف المتقاعد حسن (72 عاما) للجزيرة نت "لم أقرأ البيانين بعد، فقط أعرف أننا جميعا منهكون من الحروب. لكن هناك فرقا بين أن تنادي بالسلام وأن تستسلم، إذا كان السلام يعني أن نركع فلا أريده. قاتلت بنفسي في الحرب العراقية الإيرانية بين عامي 1980 و1988 وكنت حينها منهكا ولم نكن نريد الحرب، لكنها فرضت علينا كما فرضت الحروب المتواصلة حتى الآن".
إعلانأما في شارع "جمالزاده" وسط طهران فكانت فرشته (29 عاما)، وهي مصممة غرافيك، أكثر ميلا للبيان الأول لكن بتحفظ. وقالت "أنا مع السلام، وأعتقد أن أي صوت يرفع من أجل إيقاف الحرب هو شجاع"، مؤكدة في حديثها للجزيرة نت أنها تتفهم سبب غضب شريحة من الإيرانيين من الدعوة للسلام. "المشكلة في لهجة البيان، بدا وكأنه يطلب الرحمة من ذئب. لم يذكر أمريكا ولا إسرائيل كونهما الجهة المعتدية، هذا يحزنني لأن السلام لا يعني أن تمسح تاريخك".
في المقابل، كان رجل الدين رضا (49 عاما) من حي "نارمك" شرقي المدينة أكثر حدة حيال الأصوات المنادية بالسلام، حيث قال للجزيرة نت "هذه الدعوة خيانة في زمن الحرب.. تخيل أن جنديا يقف في الجبهة، ويأتيه صوت من الخلف يقول: لا نريد قتالا. هذا يضعف الروح المعنوية لدى القوات المسلحة. موقعو البيان الأول يقولون إنهم يريدون السلام، لكنهم يطعنوننا في الظهر. لماذا لا يوجهون بيانهم إلى ترمب؟".
وفي ساحة "نوبنياد" شمال شرقي طهران تحدثت إلميرا (44 عاما)، وهي مهندسة حوسبة وأم لطفل واحد، للجزيرة نت بنبرة مختلفة، وقالت "لا أفهم كثيرا في السياسة. كل ما أعرفه أن ابني يسألني: هل سنموت جراء هذه الحرب؟ لأننا نعيش في حي يتكرر القصف قريبا منه، ولذلك نضطر لمغادرة طهران كلما احتدم التصعيد.. أريد سلاما يحمي أسرتي ويحفظ كرامة بلادي.. طبعا لا نريد الهزيمة لأن لها رائحة تبقى للأبد في التاريخ. ما نريده هو استغلال الوساطات والتفاعل بإيجابية معها".
ورغم تباين المواقف، كان الجميع تقريبا يكررون جملة واحدة بصيغ مختلفة "لا نريد حربا، لكننا لن نقبل الهزيمة"، وكأن الرأي العام في طهران يحمل في جيناته خوفا غريزيا من "اللطخة السوداء التي قد تلحق بصفحتهم إذا ما سطّر التاريخ أنهم سلّموا للغزاة"، وفق تعبير المتحدثة الأخيرة.
وللخروج من ثنائية الشعارات والبيانات، حاورت الجزيرة نت شخصين من موقعي البيانين. الأول هو الناشط السياسي حميد آصفي أحد الموقعين على بيان "لا نريد الحرب"، الذي بدا حريصا على تفكيك ما اعتبره "سوء فهم متعمد" طال البيان ودوافعه، موضحا أن البيان "وقّعه أناس كانوا جزءا من الحكم، ومارسوا السلطة، ثم خرجوا منها أو أُبعدوا عنها. واليوم يعود هؤلاء ليقولوا: لا نريد الحرب. لماذا؟ لأنهم يرون أن الاستمرار في هذا المسار يعرض البلد لاضطرابات لا تُحمد عقباها".
وفي حديثه للجزيرة نت ينتقل إلى جوهر الرسالة التي حاول البيان إيصالها "نقول لا للحرب ونعم للسلام، لكن سلامنا ليس الاستسلام الذي يروج له الطرف الآخر. سلامنا يبدأ من الداخل بالمصالحة مع الشعب. ثم ينتقل إلى الخارج عبر تعديل السياسة الخارجية".
وتابع "نعتقد أن الإصرار على مبادئ معينة في السياسة الخارجية هو ما أوصلنا إلى هذه المرحلة. ولو كان قد جرى استفتاء حول هذه المبادئ، ربما لم تعد موجودة في سياستنا الخارجية، مضيفا أن هذا الموقف لا يعني تبرئة المعتدي بل ندين الحرب ونقف ضد أي حرب تستهدف بلادنا، لكن نعتقد أن الإصرار على بعض ثوابت السياسة الخارجية هو ما قادنا إلى هذه النقطة".
إعلانثم يطرح مثالا ملموسا "خذ القضية الفلسطينية نموذجا؛ نحن مع الدفاع عن هذه القضية، لكن كما تفعل أي دولة عربية أو إسلامية طبيعية ليس مطلوبا منا أن ندخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا أن ننشئ مليشيات في دول أخرى من أجلها ولا أن نتكبد كل هذه التكاليف الباهظة. يجب أن تُضبط سياستنا الخارجية وفق مصلحة شعبنا وبلدنا، لا أكثر ولا أقل".
حقيقة جوهرية
وعلى الجانب الآخر، يطرح الأكاديمي محمد ياسر إرشادمنش -أحد الموقعين على البيان المضاد- قراءة تأسيسية للجدل الراهن، يعيد فيها تعريف مفاهيم الحرب والسلام والدفاع في سياق المواجهة مع واشنطن وتل أبيب، فيرى أن المعادلة التي يطرحها المعسكر المقابل بشأن وقف الحرب تغفل حقيقة جوهرية وهي "أن إيران لم تكن البادئة بالحرب"، مشيرا إلى أن الحرب هذه فرضت على بلاده حيث بدأت بتصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي لم يتوقف عند القصف الجوي بل امتد إلى استهداف البنية التحتية والحصار البحري بهدف إخضاع طهران لأجندتهما، على حد قوله.
وفي حديثه للجزيرة نت، يشير إلى أن طهران رغم الحرب المفروضة عليها لم تترك طاولة المفاوضات وقبلت بالوساطات الإقليمية، لكنها اصطدمت بإرادة أمريكية أصرّت على العودة إلى منطق القوة، معتبرا صدور البيان الأول "على ضوء انتهاك واشنطن الاتفاق الإطاري" بأنه محاولة لتحميل الضحية مسؤولية الإصرار على مواصلة الصراع.
وتابع: حين يُطلب من طهران العمل على نزع التوتر والجنوح للسلام وكأنها هي من أشعلت الحرب، بينما تُعفى واشنطن التي بدأت القصف والحصار من أي مساءلة، مضيفا أن استهداف البنية التحتية للطاقة والمواصلات، وإعادة فرض الحصار البحري، ليسا مجرد إجراءات عقابية، بل تهدف إلى إخضاع إيران عبر الحرب الاقتصادية والعسكرية المتزامنة، ما يستدعي موقفا دفاعيا موحدا داخل إيران.
وبرأيه، فإن الفرق شاسع بين مفهومي "السلام المشرّف" و"الصلح تحت الضغط" ذلك لأن الأول يقوم على ردع المعتدي وإجباره على احترام سيادة البلاد، بينما الثاني هو نتاج الضعف والانكسار، ويدعو العدو إلى مزيد من التعدي، محذرا من الاستسلام تحت الضغط لا يؤدي إلى سلام دائم، بل إلى موجات متتالية من الابتزاز.
وفي هذا السياق، يقرأ إرشادمنش التصعيد الأمريكي الأخير كجزء من محاولة لفرض صلح تحت غطاء عسكري، وهو ما ترفضه النخبة التي يمثلها، ويستند في موقفه إلى مرجعيات دينية وتاريخية تؤطر مفهوم الدفاع المشروع، ويخلص إلى أن الجهاد في الفكر الإسلامي ليس عدوانا، بل دفاع عن الأمن والاستقلال والكرامة.
وختاما، لا يبدو أن بيان "لا نريد الحرب" سيغير موازين القوى في إيران نظرا للجدل الذي أعقبه، لكن يرى مراقبون في طهران أنه نجح في شيء واحد بأن النخبة السياسية في إيران تعيش لحظة قلق عميق جراء تطورات الحرب المتواصلة على البلاد؛ ففي بلد يتعرض للقصف والحصار يصبح السلام خيارا باهظا والاستسلام تهمة جاهزة والهزيمة سكينا في خاصرة الكبرياء الوطني.