في ظل تصاعد التوترات الإقليمية في منطقة الخليج خلال الأسابيع الأخيرة، برزت المناورات العسكرية التي نفذتها إيران كأحد أبرز التطورات التي أعادت ملف الأمن الإقليمي إلى واجهة الاهتمام السياسي والدبلوماسي.

 وجاءت هذه التحركات بالتزامن مع حراك دولي مكثف واتصالات غير معلنة بين طهران واشنطن في وقت لا تزال فيه ملفات الخلاف العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية، دون تسوية نهائية.

المناورات الإيرانية، التي وصفت بأنها من بين الأوسع خلال الفترة الأخيرة، حملت رسائل متعددة المستويات، سواء على الصعيد العسكري المرتبط بإبراز القدرات الدفاعية والجاهزية القتالية، أو على المستوى السياسي المتصل بإدارة التفاوض غير المباشر مع الولايات المتحدة.

 وتأتي هذه التطورات في سياق إقليمي يتسم بالحذر، وسط مخاوف من أي تحرك قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب ينعكس على أمن الملاحة واستقرار أسواق الطاقة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل حساسية موقع الخليج، باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية عالميًا، وما يرتبط به من مصالح اقتصادية وأمنية متشابكة للقوى الإقليمية والدولية. 

كما تتزامن مع حالة ترقب إزاء مستقبل مسار التهدئة، في ظل مؤشرات متباينة حول فرص استئناف المفاوضات أو تعثرها خلال المرحلة المقبلة.

الزغبي: تحركات إيران في الخليج اختبار قوة ورسائل سياسية قبل التفاوض

قال استاذ السياسة سعيد الزغبي في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن المناورات الإيرانية الأخيرة في الخليج لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، مؤكدًا: “من وجهة نظري، هذه التحركات تهدف بالأساس إلى اختبار سرعة الرد والحسم في مواجهة أي تهديدات محتملة داخل المياه الحرجة، خاصة أن إيران تدرك جيدًا قيمة موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتحرص على التأكيد أنها قادرة على التأثير في ممرات الملاحة العالمية إذا اقتضت الظروف ذلك”.

وأضاف الزغبي متسائلًا: لماذا الآن؟، موضحًا أن التوقيت ليس عشوائيًا، إذ تأتي هذه المناورات قبيل جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن بشأن الملف النووي. 

قدرة الرد السريع واستخدام القوة البحرية كورقة ضغط

وأكد أن الرسالة الإيرانية تحمل شقين أساسيين: “الأول أنها تمتلك القدرة العسكرية للرد على أي تهديد، والثاني أنها مستعدة لاستخدام قوتها البحرية كورقة ضغط استراتيجية في أي مفاوضات أو نزاعات مستقبلية، خاصة أن أمن الخليج يمثل قضية أمن قومي لدوله”.

تصعيد استراتيجي لا يعني الاستعداد لحرب هجومية

وفي استشرافه لمسار الأحداث، شدد الزغبي على أنه لا يمكن الجزم بأن إيران “تستعد لحرب هجومية”، لكنه أشار إلى وجود تصعيد واضح في الجاهزية العسكرية والرسائل السياسية، قائلًا: “هناك مؤشرات على استعداد استراتيجي محسوب، يتجلى في تصريحات قادة الحرس الثوري التي تؤكد الجاهزية الكاملة والاستعداد للدفاع حتى النهاية إذا فرضت المواجهة”.

وتابع أن هذه المناورات تتزامن مع تزايد الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، بما يشمل حاملات طائرات وسفنًا حربية، في ظل تحذيرات متبادلة بشأن السلوك في مضيق هرمز، ما يعكس توترًا متصاعدًا في الخطاب بين الجانبين.

 لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن المشهد لا يخلو من مؤشرات تهدئة، موضحًا: “المفاوضات لا تزال قائمة بدعم وساطات دولية، وهو ما يعني أن المسار الدبلوماسي ما زال حاضرًا بقوة”.

وأكد الزغبي أن السياسة الإيرانية الرسمية تعلن بوضوح أنها لا تسعى إلى الحرب، لكنها مستعدة لها إذا فرضت عليها، معتبرًا أن التحركات الأخيرة تمثل تصعيدًا استراتيجيًا مدروسًا وليس إعلان حرب وشيكًا. 

واختتم تصريحاته بالقول: “الخطر الحقيقي في هذه المرحلة لا يتمثل في حرب مباشرة، بل في احتمالات تصعيد غير محسوب قد يتحول إلى مواجهة غير مقصودة نتيجة حادث عابر أو سوء تقدير في مضيق هرمز أو جنوب الخليج العربي”.
 

طباعة شارك إيران مناورات عسكرية الحرب بين إيران وأمريكا

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: إيران مناورات عسكرية الحرب بين إيران وأمريكا فی الخلیج

إقرأ أيضاً:

وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة

منطقة الخليج العربي ليست وليدة النفط، وليست وليدة العقد الثاني من القرن العشرين. أتعجب من بعض إخواننا العرب من تصوير سكان المنطقة وكأنهم كانوا حفاة لا قيمة لهم إلا في العقود المتأخرة. فهذه المنطقة عموما ارتبطت بحضارات قديمة وعريقة في القدم، وتدافعت معها، وأثرت وتأثرت بها مع حضارة بلاد السند، وبلاد الرافدين، وحتى حضارة النيل والصين، وارتبطت بالأديان والثقافات الأولى، وكانت ولا زالت من أهم المعابر البحرية والبرية، قبل أن تكون من المعابر المهمة جويا لتوسطها العالم القديم، وموقعها المميز في العالم الحديث.

إذا كانت هذه المنطقة ليست بذات الأهمية فلماذا قصدها المستعمرون الأوربيون منذ القرن السادس عشر الميلادي حتى اليوم؟ ولماذا تنافس عليها الأمويون والعباسيون وحتى العثمانيون قديما؟ لا يمكن قراءتها بهذه السذاجة التي يصورها بعضهم، وللأسف منهم كتاب، وبعضهم يعيش أو عاش في الخليج، وكان قريبا من ثقافتها وقراءة تأريخها.

فإذا أصابها التقسيم وفق المشيخات أو الأسر الحاكمة أو حضور اسم بعضها قديما وحديثا فقد سبقتها بلاد الشام والعراق واليمن والمغرب الأقصى منذ بدايات معاهدة سايكس بيكو 1916م، وهذا لم يلغِ وجود هذه الدول وأهميتها قبل وبعد التقسيم؛ فلا معنى للتقليل من الخليج العربي ودوله وعراقته قبل وبعد أيضا.

كتبت أكثر من مرة عن هذه المنطقة، وعن تأريخها ووحدتها، بيد يحزنني ما أراه من «مهاترات صبيانية» في «أكس» وكأنهم في حرب داحس والغبراء من مثقفين وأكاديميين ينظر إليهم أنهم قدوة في احتواء مثل هذه الأزمات، والحفاظ على وحدة الخليج وأمنه وترابه، وتوفير بيئة آمنة لأجياله القادمة، وهذا حد لا مساس له. للأسف أن نرى غثائية تظهر بين حين وآخر بدلا من قراءات جادة يتقدمها العقلاء، ويستفيد منها الساسة.

ثم للأسف أن الخليج بذاته من خلال مجلسه لم يستطع صناعة قراءة ثقافية وعلمية لها مراكزها المستقلة والصانعة للقرار. اكتفى عند صناعة جاميات مذهبية مختلفة تستخدمها السلطة بين حين وآخر، وبين صناعة مثقفي السلطة ذاتها المتحدثين بمدى الانتفاع المادي، وليس باسم الوطن ومبادئه وقيمته، وهذا ما نرى نتيجته اليوم بعد الأحداث الأخيرة من عدمية القراءات الجادة، ورغبة العديد من القدرات الثقافية إلى السكوت والانزواء، لتسود الغثائية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «أكس».

المتأمل في «أكس» أن هناك فئات متقلبة حسب الحدث ترى الخليج بأكمله في سياسات دولها القطرية أحسنت أم أساءت، وكأن استقرار الخليج برؤية سياسة دولها المتقلبة؛ فأمن الخليج هو أمن للجميع، كما أن أمن أي دولة فيه هو أمن للكل، وكما لكل دولة سيادتها وخصوصيتها الثقافية ورؤيتها السياسية، إلا أن أي خلل أمني فيها المتضرر هو الجميع، كما نراه اليوم مثلا في العراق واليمن، وهما أكثر الدول قربا من الخليج؛ فبعض التقارير تشير إلى أن العديد من الضربات التي لحقت بالخليج في الحرب الأخيرة انطلقت من العراق، كما أن الفراغ السياسي في اليمن أدى إلى نمو جماعات أصبحت مصدر تهديد لأمن الخليج، والسبب أن الخليج طيلة نصف قرن لم يستطع احتواء هذين القطرين بمعنى الإحياء، وبناء الدولة المدنية غير المؤدلجة - خصوصا اليمن - حيث كانت أكثر قابلية أن تكون ضمن المنظومة الخليجية؛ فنمت في هذين القطرين تنظيمات نتيجة الفراغ السياسي، والتدخلات الأيديولوجية الخارجية.

ثم أتعجب ممن يبرر الضربات الحربية على الخليج بدعوى وجود قواعد عسكرية خارجية فيها في انتهاك صارخ لأمن وسيادة الخليج ذاته، كما أتعجب ممن يشجع مليشيات خارجية لها رؤى أيديولوجية مغلقة في ضرب المنطقة تحت مبررات لا علاقة لها لا بالقضية الفلسطينية، ولا بالحرب الأخيرة.

فانتهاك سياسة أي دولة في الخليج هو انتهاك لسياسة الجميع أيا كان مصدر هذا الانتهاك لا يبرر بحال من الأحوال، إلا إذا كان في الخفاء استخدمت هذه القواعد والتحالفات لا لأغراض أمنية دفاعية، بل استخدمت لأغراض حربية تضر بالآخر، فهنا كما يقال «جنت على نفسها براقش».

إن اتجاه الخليج اليوم في توسعة خلق الولاءات الخارجية عسكريا وسياسيا وثقافيا إذا هذا الخلق ليس منطلقه الوحدة الخليجية ذاتها، بل باعتبار الدولة القطرية الواحدة، هذا بلا شك سيمدد من حالة الفرقة بين دول الخليج، وتلاشي فكرة الوحدة الخليجية، وقد يجر كما حدث في لبنان - ولو على المستوى القطري - إلى تعددية الولاءات الخارجية في منطقة الخليج، وبالتالي حدوث الفوضى فيه على المدى البعيد.

عندما تنطلق هذه الولاءات من وحدة خليجية واحدة للحفاظ على أمنه وإحيائه كمنطقة جيوسياسية واحدة فهذا له ضرورياته المرحلية، لكن لما تنطلق من اعتبارات تجزيئية فيعني هذا أن الخليج يتجه نحو الانقسامات وخراب بيته بيده.

وهذا ما نراه اليوم في «أكس»؛ فالذي يحدث فيه إما له علاقة بجهات معروفة داخل الخليج ذاته، وهي من تسعى إلى خلقه، وإما لا علاقة لها به من حيث الابتداء، وإما أن العديد منها معرفات خارجية من غير أبنائها غايتها خلق الفوضى في هذه المنطقة، ودول الخليج باستخباراتها مدركة أنه لا تأثير لها إلا إلهاء الشعوب بصراعات وهمية آنية تشغل بها. جميع هذا - أدرك أم لم يدرك - سوف يؤدي إلى صناعة أزمة أمنية في المنطقة، وصناعة أجيال غير متشربة بالوحدة الخليجية، ولها انتماءات أيديولوجية خارجية على المدى البعيد ترى فيها الخلاص لأزمتها ومشكلاتها، مما يضعف الولاءات الداخلية التي تنمو بشكل طبيعي من الداخل، ولو اختلفت ثقافاتها، لكن غايتها إحيائية صادقة، وليست متلبسة بها لغايات مصلحية فردية أو خارجية أو نتيجة انتماءات أيديولوجية. 

مقالات مشابهة

  • بيتكوفيتش: “هولندا اختبار حقيقي لنا.. ولا جدوى من الحديث عن المونديال الآن”
  • وحدة الخليج العربي ونداءات الفرقة
  • رغم التهدئة..اسرائيل تواصل غاراتها على العشرات من قرى جنوب لبنان
  • القوة الجوية يحسم اللقب لدوري نجوم العراق
  • في ظل تصعيد الاحتلال.. أهداف الحكومة اللبنانية من التفاوض مع إسرائيل
  • وزير الخارجية الأميركي: هناك احتمال بأن تكون إيران وافقت على التفاوض بشأن جوانب من برنامجها النووي
  • تراجع بورصة مسقط وترقب طرح «أوميفكو» يعزز جاذبية السوق
  • “المجاهدين” الفلسطينية تثمن موقف إيران وربطها التفاوض بوقف العدوان على غزة ولبنان
  • مقعدان للعراق في دوري أبطال الخليج للأندية
  • بدءا من اليوم.. خطوات التسجيل في اختبار الرخصة المهنية للمدربين وموعدها