"معلومات الوزراء" يستشرف دوافع وتحديات التحول لنظام نقدي معتمد على العملات الرقمية
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، عددًا جديدًا من إصدارته "تقديرات مستقبلية"، والتي أشار إلى كونها أداة إستراتيجية أساسية في عالم يتسم بالتغير المستمر والمتسارع، حيث تُساعد متخذ القرار في اتخاذ قرارات أكثر استنارة واستباقية لمواجهة التحديات المستقبلية، وذلك من خلال الإنذار المبكر للتحديات في الملفات ذات الأولوية، عبر رصد وتقييم الاتجاهات المستقبلية المحتملة وتأثيراتها المتوقعة، وباستخدام مجموعة متنوعة من أدوات استشراف المستقبل مثل السيناريوهات وعجلة المستقبليات، وتسعى هذه الأوراق إلى رسم صورة واضحة عن المستقبل المحتمل، مما يُمكن من الاستعداد للتحديات والفرص التي قد تطرأ.
تناول العدد حجم سوق العملات الرقمية وتوقعاتها المستقبلية، حيث تضم سوق العملات الرقمية حاليًا أكثر من ١٦ ألف عملة مشفرة مميزة يتم تداولها عبر أكثر من ١٢٠٠ منصة تداول حول العالم مما يخلق نظامًا بيئيًا متنوعًا للأصول الرقمية، ورغم التقلبات الدورية فقد أظهرت السوق مرونة لافتة للانتباه، وتشير البيانات إلى إصدار نحو ٢٥٠ مليار دولار من العملات المستقرة، منها ١٥٥ مليار دولار بواسطة (Tether) و٦٠ مليار دولار بواسطة (Circle)، وقد بلغت القيمة السوقية الإجمالية لسوق العملات المشفرة 3.5 تريليونات دولار خلال الربع الثاني من ٢٠٢٥ مما يعكس تنامي الثقة في الأصول الرقمية.
ويُتوقع للعملات الرقمية للبنوك المركزية انتشارًا أكبر في المستقبل؛ حيث تحظى باهتمام عالمي غير مسبوق في الوقت الحالي، فوفقًا لاستطلاع رأي أجراه بنك التسويات الدولية (BIS) في نهاية عام ٢٠٢٤، هناك ٩١٪ من البنوك المركزية المشاركة في الاستطلاع تدرس إصدار العملات الرقمية لبنوكها المركزية، كما أنه من المتوقع إصدار ما يزيد عن ٢٠ عملة رقمية للبنوك المركزية بحلول عام ٢٠٣٠، ووفقًا لـ "متتبع العملات الرقمية للبنوك المركزية التابع للمجلس الأطلسي" شهدت السنوات الأخيرة منذ (٢٠٢١ حتى ٢٠٢٥) حالة من الزخم في عدد الدول التي أصدرت بالفعل العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDC، والدول التي تسعى إلى تطوير هذه العملات تمهيدًا لإصدارها ومن بينهم مصر.
استعرض العدد دوافع ظهور النظام النقدي الجديد الداعم للعملات الرقمية والتي تمثلت في الآتي:
أولًا دوافع تكنولوجية وتنظيمية وهي:
1- ثورة المدفوعات العابرة للحدود: حيث ساهم تطور أنظمة الدفع الإلكترونية العابرة للحدود التي تبنتها عدد من الدول في تعزيز فكرة التحول نحو العملات الرقمية على حساب العملات التقليدية وذلك بفضل ما توفره من كفاءة وسرعة وتكاليف أقل يتجلى هذا التحول في النمو الهائل للعملات المستقرة: حيث وصل إجمالي حجم تحويلات العملات المستقرة إلى ٢٧,٦ تريليون دولار العام الماضي، متجاوزًا بذلك حجم معاملات فيزا وماستر كارد مجتمعة في عام ٢٠٢٤.
2- الوضوح التنظيمي والتشريعي والقانوني: اتخذت الحكومات خطوات جدية لتنظيم سوق العملات الرقمية وذلك من خلال تطبيق عدد من اللوائح والقوانين الخاصة بهذه العملات الإضفاء الطابع القانوني عليها.
3- مخاوف فقدان السيطرة النقدية والسيادة الاقتصادية: أصدر بنك التسويات الدولية (BIS) إنذارات بشأن العملات المستقرة ليوضح مدى خطورة العملات المستقرة على الاقتصادات حيث إن التوسع في استخدام العملات المستقرة المقومة بالعملات الأجنبية يشكل خطرًا كبيرًا على السيادة النقدية في الدولة، ودعا إلى ضرورة وجود قواعد ولوائح تحكم العملات المستقرة وأن تكون مصممة خصيصًا لها).
ثانيًا البحث عن الريادة الأمريكية:
بالإشارة للوقت الراهن لا يمكن الحديث عن العملات الرقمية دون التطرق إلى الدور المحوري الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية والمتمثلة في الرئيس الحالي "دونالد ترامب" واهتمامه الكبير بهذا الموضوع ورغبته في جعل الولايات المتحدة "عاصمة العملات المشفرة في العالم"، وظهر ذلك خلال قراره بإنشاء احتياطي استراتيجي للبيتكوين ومخزون للأصول الرقمية في مارس ٢٠٢٥، وإصدار قانون "GENIUS Act" في يونيو ٢٠٢٥ وهو "قانون توجيه وترسيخ الابتكار الوطني للعملات المستقرة في الولايات المتحدة"، ويعد هذا القانون هو أول قانون للعملات المشفرة بهذا الحجم يتم تشريعه من قبل الكونجرس الأمريكي، وبهذا القانون تنضم الولايات المتحدة إلى قائمة متزايدة من الدول التي تسعى إلى فرض الرقابة وتحقيق الاستقرار في نظام الأصول الرقمية سريع التوسع.
ثالثًا دوافع تنافسية وجيوسياسية دولية:
فعلى الرغم من دعم الرئيس "ترامب" للعملات المشفرة فإن له آراء معارضة بشدة للعملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCS) وصلت إلى توقيع أمر تنفيذي يمنع الوكالات الفيدرالية من إصدار أو اعتماد العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCS) في يناير ٢٠٢٥، ويأتي ذلك متزامنا مع الرغبة الكبرى من العديد من الدول في وقف هيمنة الدولار على التجارة العالمية (De-Dollarization).
استعرض العدد أيضًا التداعيات والآثار المستقبلية للعملات الرقمية على الاقتصاد العالمي، والأفراد والبنوك المركزية، والبنوك التجارية، والأطر التشريعية والقانونية، كما سلَّط العدد الضوء على الآثار المحتملة على مصر حيث تتأثر بالتوجه العالمي نحو العملات الرقمية وتزايد نفوذ العملات المستقرة المدعومة بالدولار (بفعل قوانين مثل GENIUS) من خلال التداعيات التالية:
- تعزيز تحدي "الدولرة الرقمية": (1- على الرغم من جهود مصر (في إطار البريكس ومبادرات أخرى لتقليل الاعتماد على الدولار في التجارة فإن التنظيم العالمي للعملات المستقرة المرتبطة به يزيد من شرعيتها وموثوقيتها وهذا يعزز "الدولرة الرقمية"، حيث تصبح هذه العملات وسيلة دفع وتحويلات مالية سهلة وجذابة مما قد يزيد بشكل غير مباشر من الطلب على الدولار داخل السوق المصرية، 2- التهديدات على الاستقرار المالي حيث قد يهدد الانتشار غير المنظم للعملات المستقرة السيولة النقدية والسياسة النقدية البنك المركزي المصري، خاصًة إذا تحول جزء كبير من المدخرات المحلية إلى أصول رقمية أجنبية مستقرة).
- تحديث الأطر التنظيمية والقانونية: (1- تطوير الأطر التشريعية والقانونية الحالية في مصر لتتناسب مع الطبيعة الجديدة للأصول الرقمية والمدفوعات اللامركزية، 2- الحاجة إلى وضع لوائح واضحة تفرض الامتثال الصارم لقوانين مكافحة غسل الأموال (AML) وتمويل الإرهاب (CFT) على جميع منصات وأدوات التشفير التي تعمل داخل مصر للاستفادة من مزايا الشفافية الرقمية وتجنب المخاطر الأمنية).
- الضغط على تسريع استراتيجية "الجنيه الرقمي " (E-Pound): أعلنت مصر عن انتهاء المرحلة الأولى من دراسة مشروع العملات الرقمية للبنوك المركزية لإطلاق "العملة الرقمية" بحلول عام ٢٠٣٠ في إطار استراتيجيتها للتحول الرقمي والشمول المالي، وأتى ذلك سعيا لتعزيز تنافسية العملة الوطنية وزيادة كفاءة السياسة النقدية.
تمثل هذه التطورات مزيجًا من الفرص والتحديات ومن أبرز الآثار المترتبة على استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية CBDC في مصر بجانب الآثار السابقة التي تم ذكرها:
- تحسين الشمول المالي: في ظل توجه الدولة نحو تحقيق شمول مالي بنسبة ١٠٠% والوصول إلى ٨٠ مليون محفظة إلكترونية بحلول ٢٠٣٠، يمكن أن تمثل العملة الرقمية للبنك المركزي أداة فاعلة لتسريع تحقيق هذا الهدف فهي وسيلة منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام تمكن غير المتعاملين مع البنوك من الاندماج في النظام المالي خاصة في المناطق الريفية والنائية، كما تتيح البيانات الناتجة عن المعاملات إنشاء ملفات ائتمانية أدق، ما يسهم في تقليص فجوات الإقراض الناتجة عن نقص المعلومات وتحسين فرص التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة.
- زيادة تنافسية العملة: يمكن أن يسهم إصدار الجنيه الرقمي في تعزيز تنافسية العملة المصرية نسبيًا، إذ تسهم العملات الرقمية للبنوك المركزية في تحسين كفاءة المعاملات الدولية وتقليل تكلفتها عبر الاعتماد على العملات المحلية بدلا من المهيمنة كالدولار واليورو.
- تعزيز التجارة الدولية وتقليل الضغط على ميزان المدفوعات: بناء على ما سبق من أثر العملة الرقمية للبنك المركزي على تقليل تكلفة التحويلات والمدفوعات عبر الحدود، واستخدام العملة المحلية في تسوية هذه المدفوعات بالإضافة إلى تعزيز تنافسية العملة الوطنية وزيادة الثقة بها، من الممكن أن يسهم ذلك في تخفيف الضغط على ميزان المدفوعات المصري وذلك من خلال تقليل تكلفة التحويلات التي تتلقاها الدولة حيث تعد مصر من أكبر الدول التي تتلقى تحويلات من العاملين بالخارج بلغت قيمتها نحو 36.5 مليار دولار في السنة المالية 2024/ 2025، حيث إنه باستخدام العملة الرقمية للبنك المركزي يمكن أن تقل تكلفة هذه التحويلات مما يتيح للدولة الحصول على قدر أكبر من هذه التحويلات عبر القنوات الرسمية.
- تكلفة تنفيذ كبيرة: على الرغم من الآثار الإيجابية المترتبة على استخدام العملة الرقمية للبنك المركزي، فإنها في الوقت نفسه تنطوي على تكاليف ثابتة مرتفعة لتدشينها، بما في ذلك تكاليف التنفيذ، والبحث وتطوير البنية التحتية والتكنولوجيا، وصيانة النظام وتشغيله وتطويره، وحمايته من الهجمات، والكوادر التي تجري هذه العمليات وتشرف عليها، مما يتطلب من إجراء دراسات جدوى معمقة لمقارنة تكاليف التنفيذ والعوائد المحتملة لاستخدام هذه العملات.
قدم العدد مجموعة من التوصيات والإجراءات المقترحة لتحويل هذه التحديات إلى فرص وضمان مكانة مصر في النظام المالي الرقمي المستقبلي، والتي تمثلت في:
1- تسريع مشروع الجنيه الرقمي (E-Pound) كأولوية وطنية وذلك من خلال وضع خريطة طريق لإطلاق عملة رقمية للبنك المركزي المصري، مع التركيز على ضمان التوافق التشغيلي مع أنظمة الدفع الدولية الجديدة: مثل (منصات تسوية العملات الرقمية متعددة الأطراف)، وتصميم العملة الرقمية للبنك المركزي بشكل يدعم الشمول المالي، واعتماد نظام ثنائي المستوى (Two- Tier System) والشراكة مع القطاع الخاص (PPP)، حيث يقوم البنك المركزي بإصدار العملة الرقمية وإدارة عمليات التسوية على مستوى الجملة، بينما تتولى المؤسسات المالية الخاصة البنوك التجارية ومقدمو خدمات الدفع توزيع العملات الرقمية على المستهلكين وإدارة الخدمات اليومية لهم مثل (المحافظ الرقمية ومعالجة المعاملات).
2- بناء إطار تنظيمي شامل ومرن: من خلال إصدار تشريع شامل ومنظم لسوق الأصول الرقمية (العملات المشفرة والعملات المستقرة)، ويجب أن يفرض هذا الإطار متطلبات صارمة للترخيص والاحتياطيات والشفافية على أية جهة محلية أو أجنبية ترغب في تداول العملات المستقرة في السوق المصرية، وتحديث القوانين والتشريعات واللوائح بما يتناسب مع الطبيعة الجديدة لهذه العملات، وإنشاء قوانين خاصة بتسوية النزاعات الدولية الناتجة عن استخدام العملة الرقمية للبنك المركزي، ذلك بالإضافة إلى استحداث قوانين خاصة بتأمين البيانات وحماية الخصوصية.
3- الاستثمار في الأمن السيبراني والبنية التحتية: يجب أن يكون الاستثمار في أمن ومرونة العملات الرقمية أولوية قصوى للتصدي لأية هجمات إلكترونية، أو للتعامل مع الأحداث المفاجئة مثل الارتفاع الكبير في حجم المعاملات، ويتم ذلك من خلال الآليات التالية: (1- تعزيز البنية التحتية للأمن السيبراني في القطاع المالي ككل لضمان حماية نظام المدفوعات الرقمية والعملة الرقمية المستقبلية من التهديدات المتزايدة التي تترافق مع التوسع في استخدام التكنولوجيا، 2- إجراء تقييمات منتظمة للمخاطر والتعاون مع المؤسسات الدولية (مثل: صندوق النقد الدولي وبنك التسويات الدولية) لتبني أفضل الممارسات في حماية البيانات والخصوصية، 3- الاستعداد الاستباقي والتقييم المستمر، عبر الاستعداد لحدوث خروقات عبر بناء قدرات كشف فاعلة واستخدام المحاكاة لاختبار الاستجابة للحوادث وتحسين الضوابط الأمنية، 4- إصدار العملة الرقمية على نطاق محدود أولًا (مثل نطاق الرواتب الحكومية) قبل التوسع الكامل، مما يقلل المخاطر ويسهل معالجة المشكلات أو التراجع عنها، 5- المراقبة والتشغيل على مدار الساعة، عبر التركيز على اتخاذ الإجراءات في الوقت المناسب، حيث يجب أن تعمل أنظمة العملات الرقمية على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، مع مراقبتها باستمرار والتعامل السريع مع أي أعطال، باستخدام أنظمة إدارة وأتمتة آمنة ومرنة).
4- المشاركة في مبادرات فك الارتباط بالدولار: وذلك من خلال الانخراط في منصات الدفع الإلكتروني العابرة للحدود، مثل (mBridge)و (Brics Bridge) وغيرهما للاستفادة من الميزات التي تقدمها من تخفيض تكلفة التحويلات والمدفوعات عبر الحدود وتعزيز التجارة الدولية.
وأوضح العدد في ختامه، أنه على الرغم من الفرص الهائلة التي توفرها العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCS) فإن نجاح هذا التحول يظل مرهونًا بالقدرة على معالجة مخاطر محورية تتعلق بالأمن والخصوصية، ويعد الأمن السيبراني التحدي الأبرز، فمع أي تحول في النظام المالي نحو الاعتماد على البنية التحتية الرقمية يصبح هذا النظام هدفًا ذا قيمة عالية للمهاجمين، يمكن أن تؤدي الهجمات السيبرانية إلى القطاع الخدمة أو تلف البيانات وخسائر تقدر بالملايين مما يهدد الثقة والاستقرار المالي العالمي، بالتوازي مع ذلك تمثل حماية الخصوصية قضية محورية في تصميم العملات الرقمية فبينما يمكن أن توفر هذه العملات مرونة في التحكم بدرجة إخفاء الهوية، فإن تركيز بيانات الدفع الخاصة بجميع المواطنين في قواعد بيانات مركزية يضاعف من مخاطر الخصوصية ويشكل حافزًا رئيسًا للهجمات لذلك يتوقف نجاح العملات الرقمية على قدرة البنوك المركزية على بناء بنية تحتية رقمية مرنة وآمنة، مع صياغة أطر تشريعية توازن بحقة بين متطلبات مكافحة الجرائم المالية (عبر تتبع المعاملات) وحق المستخدمين في الخصوصية.
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: العملات الرقمیة للبنوک المرکزیة رقمیة للبنوک المرکزیة العملات الرقمیة على الولایات المتحدة العملات المستقرة للعملات الرقمیة استخدام العملة وذلک من خلال على الرغم من هذه العملات ملیار دولار ذلک من خلال الدول التی العملات ا یمکن أن نظام ا
إقرأ أيضاً:
المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
حين يكون الفشل مُقيما لا عابراهناك فارق جوهري بين المعارضة التي تخسر وتلك التي لا تُحارب أصلا؛ الأولى تستحق الاحترام حتى في هزيمتها، والثانية لا تستحق إلا التشريح.
والمعارضة المصرية في الخارج، بكل أطيافها وبكل ما أُنفق في سبيلها من مال وجهد ووقت، تقع في خانة الثانية بامتياز مُحزن. ليس هذا حكما صادرا عن خصومها، بل هو ما تكشفه وقائع السنوات الأخيرة بلا رحمة ولا مجاملة.
فبينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد.
ويأتي الاعتداء الوحشي على الناشط أنس حبيب ليكشف أن هذه المعارضة لم تفشل فقط في بناء نفسها، بل باتت تواجه بيئة عدوانية مُنظّمة على أرض المهجر ذاته، في الوقت الذي تتفرج فيه العواصم الأوروبية التي تؤوي هؤلاء المعارضين.
أولا: الفن غائب والقضية تنزف
عندما تبحث في تاريخ السياسة الحديثة لن حركة مقاومة حقيقية خلت من الفن؛ الفن ليس ترفا يُلحق بالنضال، بل هو عصبه الناقل الذي يحوّل الفكرة إلى مشاعر، والمشاعر إلى حشود، والحشود إلى تغيير.
بينما تحتفظ مصر بأكثر من 65 ألف معتقل سياسي وفق أكثر التقديرات تحفظا، وبينما تتحول البلاد إلى ما يشبه الثكنة العسكرية الكبرى المفتوحة للبيع، يجلس من في الخارج يتشاورون في كيفية إنفاق المنح، ويتناحرون على الرئاسة الشكلية لهيئات لا وزن لها، ويُصدرون بيانات لا يقرأها أحد
من غيفارا الذي جعل منه الفن أيقونة لا تموت حتى بعد موته، إلى باتريس لومومبا الذي حوّلته أغاني أفريقيا إلى رمز حيّ، إلى الأغاني الفلسطينية التي حملت هوية شعب عبر عقود من القمع والاحتلال.
الفن هو ما يُبقي القضايا حية حين تنكسر الأجساد وتنهك العقول، وانظر ما فعله الطوفان. فمنذ السابع من أكتوبر 2023 وما قبله وحتى اليوم، تتدفق من غزة ومن حاضنتها الثقافية في المهجر الفلسطيني موجة فنية شبه أسبوعية لا تهدأ؛ أغانٍ تنتزع الدمع في لحظة وتشعل الغضب في اللحظة التالية، أناشيد تُطلق في قلب القصف ثم تجتاح في ساعات ملايين الهواتف في أربع قارات، مقاطع تُوثّق الدم والصمود في آنٍ واحد، يصنعها أطفال بين ركام بيتهم، ومغنّون يقفون على بلاط مدمّر ويُطلقون أصواتهم كأنها آخر ما تبقى من الوجود. هذا الإنتاج لم يكن فائضا عن الحاجة بل كان هو الحاجة بعينها؛ هو ما أبقى العالم مُوصولا بغزة حين كانت القنوات الرسمية تُغلق أبوابها واحدة تلو الأخرى.
والسؤال الذي يجب أن يُحرق كل من تولّى شأنا في المعارضة المصرية: ماذا أنتجتم أنتم؟ الجواب مُرّ كالعلقم: لا شيء يُذكر إلا جهد قليل القليل؛ عمل أو اثنان ولا يتم تذكرهما.
في سنوات من الوجود خارج مصر، بتمويل يُقدَّر بمئات الآلاف من الدولارات -سواء من المنح الدولية أو من مساهمات الأفراد أو من الهيئات الحقوقية- لا تكاد تجد أغنية واحدة تسكن القلوب، ولا مسرحية توثيقية تهز الضمائر، ولا فيلما قصيرا يُعرض في برلمان أوروبي ليُجبر النواب على رؤية وجوه المعتقلين. ثمة ومضات بالطبع، ومحاولات فردية مبعثرة، لكن لا مشروع ثقافي ممنهجا، ولا استراتيجية فنية تتوازى مع المطالبات السياسية.
يصرف المال على مؤتمرات وإفطارات في فنادق باهظة في لندن وإسطنبول، تنتهي بتوصيات تُودَع في أدراج لا يُفتح لها درج. يصُرف على مسميات وظيفية وهمية وشبكات علاقات لا تُولّد ضغطا حقيقيا على أي قرار في أي عاصمة. وأما الفن والثقافة، تلك الأداة التي وحدها قادرة على تحريك الرأي العام الغربي والعربي معا، فقد ظلت طويلا في آخر سلم الأولويات، أو خارج السلم تماما.
ثانيا: لماذا يصنع الطوفان فنا ولا تصنعه المعارضة المصرية؟
السؤال ليس ترفا أكاديميا، إنه يمس جوهر الفارق بين نضال يعيش ونضال يحتضر. تُنتج غزة فنا لأن لديها قضية تعيشها في دمها ولحمها وكل يوم من أيامها. الفن الحقيقي لا يُؤمَر بالخروج، بل يخرج لأنه لا يستطيع أن يظل محبوسا داخل الإنسان.
يكتب الشاعر الغزاوي تحت القصف، لا يفكر في الجمهور ولا في المنصة، بل هو يكتب لأن الصمت سيقتله قبل الصاروخ. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية: الفن المُنبثق من الألم المُعاش، لا المُصطنع من أجل الأجندة السياسية.
لكن ثمة عاملا ثانيا لا يجب إغفاله: المقاومة الفلسطينية تعرف تماما أن الرأي العام العالمي ساحة حرب موازية للميدان، وأنها لن تنتصر بالسلاح وحده في مواجهة ترسانة إسرائيل العسكرية والإعلامية معا. لذلك توجد استراتيجية وإن لم تُصغ في وثيقة، فهي راسخة في الوعي الجمعي الفلسطيني: كل أغنية هي رصاصة، وكل مقطع مصوّر هو جبهة.
تفتقر المعارضة المصرية في الخارج إلى هذا الوعي الاستراتيجي افتقارا مُقيما. وهذا ليس لأن المصريين أقل موهبة أو أقل ألما، بل لأن الهياكل التنظيمية القائمة تديرها عقليات سياسية ببيروقراطية بيانات وبروتوكولات لا تُغذّي الفن بل تخنقه. الفنان لا يعمل بلجان، والمبدع لا يشتغل بمحاضر اجتماعات.
يُضاف إلى ذلك أن كثيرا ممن يتولّون مقاليد العمل المعارض المصري في الخارج ينتمون إلى خلفيات حزبية أو إسلامية أو ليبرالية أكاديمية تنظر إلى الفن كأداة ثانوية، وليس كبنية أساسية في المعركة. فالبيان السياسي الذي يُوزَّع على وكالات الأنباء يبدو لهم أثقل وزنا من أغنية تُشاهَد مئة مليون مرة، وهذه نظرة قاصرة تعكس انفصالا عميقا عن طبيعة الزمن الذي نعيشه، وآخر هذه البيانات؛ تطالب إحدى الحركات الكبري في مصر القيادات الأوروبية بعدم إدراجها في قوائم الارهاب.
الزمن الذي نعيشه يُقاس بالمشاهدات والمشاعر والانتشار العاطفي، لا بالبيانات التي يُرسلها مكتب صحفي إلى قائمة بريدية لا يفتح معظم أصحابها رسائلها أصلا.
ثالثا: أنس حبيب وأذرع النظام الطويلة
في قلب أوروبا، بعيدا عن سجون مصر وكاميرات مراقبتها، جرى الاعتداء على الناشط أنس حبيب. والحادثة في ظاهرها اعتداء جسدي، لكنها في جوهرها رسالة مفادها: لا يوجد خارج آمن.
ما يُسمى بـ"اتحاد شباب مصر في الخارج" هو اسم يستحق التوقف عنده. اتحاد يفترض فيه أنه مُعبّر عن المصريين المقيمين في المهجر، لكنه في الواقع ليس أكثر من ذراع تنفيذية من أذرع النظام المصري المُمتدة خارج الحدود. هذا ليس اجتهادا أو ظنا، بل هو ما تُوثّقه طبيعة تصريحاتهم وتوقيت تحركاتهم وانسجام خطابهم مع الرواية الرسمية المصرية في كل المحطات. هؤلاء ليسوا شبابا مندفعين خارج السيطرة، بل هم أداة مُبرمجة بعناية لتنفيذ مهمة واضحة: تخويف المعارضين وإسكات الأصوات وإيصال رسالة صريحة: أنتم في متناول أيدينا حتى في عواصمكم ، ولهذا أقرب وصف لهم هم اتحاد بلطجية مصر في الخارج.
هذه المنهجية ليست جديدة ولا مُفاجئة لمن تابع تطور أدوات الاستبداد في المنطقة. السعودية قبلهم أوفدت فرقة الاغتيال إلى قنصليتها في إسطنبول لتُقطّع صحفيا اسمه جمال خاشقجي، الاحتلال يطارد النشطاء الفلسطينيين في عواصم أوروبية وتُنفّذ عمليات اغتيال في برلين وفيينا وباريس. والآن مصر، التي دأب نظامها على اعتقال أقارب المعارضين داخل البلاد كورقة ضغط، تمضي خطوة إلى الأمام وتُطوّر قدراتها في ملاحقة المعارضين على أرض المهجر.
الاعتداء على أنس حبيب ليس حادثة فردية خرجت من عدم، بل هو حلقة في سلسلة ممنهجة؛ هو اختبار للبيئة وقياس لردود الفعل: هل تتحرك الشرطة الأوروبية؟ هل تُحرّك الحكومات الأوروبية ملفات؟ هل يُحدث هذا ضجة تُكلّف أكثر مما تجني؟ إذا كان الجواب لا، فالطريق مفتوح لما هو أشد.
رابعا: الفصل العنصري الإسرائيلي نموذجا.. هل تنسخه القاهرة؟
عندما نقارن بين سلوك نظام السيسي وبين نظام الفصل العنصري الإسرائيلي في التعامل مع المعارضين فهذا ليس مبالغة بلاغية، بل هو وصف دقيق لمنهجية مُتشابهة في جوهرها وإن اختلفت في مستوى التطور والتنظيم.
إسرائيل بنت على مر عقود منظومة متكاملة لملاحقة منتقديها خارج حدودها: المراقبة الإلكترونية، والاختراق المُوثَّق لمنظمات فلسطينية في أوروبا والأمريكتين، والضغط المُمنهج على حكومات لتقييد نشاط الناشطين المؤيدين لفلسطين، فضلا عن العمليات الميدانية التي نفّذها الموساد في ست قارات.
هذا نموذج لدولة ترى أن حدودها الأمنية لا تنتهي عند حدودها الجغرافية؛ مصر المُتعثّرة اقتصاديا، المُثقَلة بديونها، لا تمتلك اليوم الإمكانات الكاملة لتطبيق هذا النموذج بالكامل، لكنها تمتلك الإرادة، وتمتلك الدافع، وتمتلك النمط الذهني للنظام الذي يرى في كل منتقد عدوا وجوديا يجب تحييده. وتمتلك أيضا ما هو أخطر من الميزانيات: شبكات من المنتفعين والمرتزقة الذين يعملون دون أجر رسمي لأن ارتباطهم بالنظام يُمنحهم امتيازات من نوع آخر داخل مصر والآن أصبح خارج مصر.
وإذا لم تُوقَف هذه المسيرة مبكرا، فإن المنطق الداخلي للنظام -الذي يُعامل المعارضة بوصفها تهديدا للأمن القومي لا رأيا مختلفا- سيقوده حتما إلى رفع منسوب العنف خارج الحدود؛ من الاعتداء الجسدي إلى التخريب الممنهج إلى ما هو أبعد وأخطر. هذه ليست نبوءة بل هي قراءة في منطق الأنظمة الشمولية حين تشعر أن بقاءها مهدد ومحاصر. والسؤال الذي يجب أن تُجيب عنه العواصم الأوروبية هو: حتى متى؟
خامسا: أوروبا الصامتة.. شريك في الجريمة أم شاهد مُتواطئ؟
تُؤوي الدول الأوروبية الكثير من المعارضين المصريين، لكنها تقف في موقف يستوجب المحاسبة الصريحة. ألمانيا وهولندا والمملكة المتحدة وسواها منحت حق اللجوء لمئات المعارضين المصريين استنادا إلى منظومة حقوقية تُعلن أنها تُقدّس الحرية والحماية، لكن حين تمتد يد النظام المصري لتضرب ناشطا على أرضها، تتحوّل هذه الدول إلى مراقبين يُسجّلون البلاغات في ملفات وينتظرون.
هذا التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها؛ فرنسا تبيع السلاح لمصر، ألمانيا تُصدّر التكنولوجيا، بريطانيا تُدير علاقات أمنية. وكل هذه المصالح تجعل المطالبة الرسمية بحماية المعارضين ورقة لا يُبادر أحد باستخدامها.
التواطؤ بالصمت له تفسير واحد لا يحتمل الالتباس: المصالح الاقتصادية والأمنية مع النظام المصري أعلى ثمنا في حسابات هذه الحكومات من الالتزام بمبادئ الحماية التي أعلنتها في دساتيرها ومعاهداتها
لكن الصمت له ثمن مُؤجَّل؛ حين تنجح الأنظمة الاستبدادية في جعل المهجر غير آمن لمعارضيها، فإنها ترسل رسالة مزدوجة: إلى الداخل، أن لا هروب، وإلى الخارج، أن الديمقراطية الغربية مجرد شعار أجوف لا يُترجَم في الممارسة. وهذا بالضبط ما تحتاجه الأنظمة الاستبدادية: إثبات أن المنظومة الدولية لحقوق الإنسان مزيفة، لأن ذلك يُفقد المعارضين الأساس الأخلاقي الذي يقفون عليه حين يستمدون شرعيتهم من القيم الغربية.
على أوروبا أن تختار: إما أنها تحمي من آوتهم، وإما أنها تعترف بأن مبادئها تتوقف عند مصالحها التجارية؛ لا يوجد موقف ثالث.
وعلى المستوى القانوني، الاعتداء على ناشط سياسي على أرض أوروبية يُشكّل -إن ثبتت الصلة التنظيمية بالنظام المصري- عملا عدوانيا من قِبَل دولة أجنبية على أراضي دولة ذات سيادة. هذا ليس شأنا أمنيا بوليسيا داخليا، بل هو مسألة دبلوماسية وقانونية دولية تستوجب ردودا على المستوى ذاته. السفير المصري يُستدعى في أقل من ذلك حين تتعلق المسألة بدول أقوى وأجدر بالمراعاة.
سادسا: ما العمل؟ قبل أن يصبح السؤال عبثا
انتقاد المعارضة ليس هدفا في ذاته، والمقال الذي يُشخّص دون أن يُشير إلى الطريق يظل منقوصا، لذلك لا بد من قول ما هو مطلوب بوضوح لا مُدارة فيه.
أولا: إعادة هيكلة جذرية لأولويات الإنفاق في المنظمات المعارضة. جزء لا يقل عن ثلث الميزانيات يجب أن يذهب لإنتاج ثقافي وفني ممنهج: أفلام وثائقية قصيرة تروي قصص المعتقلين، موسيقى تحمل الوجع المصري إلى الأذن العالمية، منصات رقمية تضخ المحتوى بانتظام لا بموجات متقطعة. المعركة الإعلامية خُسرت لأنها لم تُخَض بجدية، وإعادة خوضها ممكنة ولكنها تحتاج إرادة وإعادة ترتيب للأولويات.
ثانيا: بناء تحالفات مع المجتمعات المصرية في المهجر خارج الدوائر السياسية المعتادة. يشكل المصريون في أوروبا وأمريكا مجتمعات حيّة لها قدرة على الضغط حين تُوظَّف توظيفا ذكيا، لكن المعارضة دأبت على العمل في فقاعة مغلقة مكوّنة من وجوه تُعيد إنتاج نفسها في كل اجتماع. الانفتاح على الجيل الثاني من المصريين في المهجر، الذين يحملون جوازات أوروبية ويتحدثون اللغات ويعرفون ثقافة الضغط السياسي في بلدانهم، هو ما تفتقره المعارضة افتقارا فاضحا.
ثالثا: ملف أنس حبيب والاعتداء عليه يجب ألا يُطوى بـ"بيان إدانة" يُصدَر وينتهي الأمر. يجب أن يتحوّل إلى قضية قانونية مُتابَعة أمام القضاء الأوروبي، وأن تُوثَّق الصلات التنظيمية لهؤلاء المعتدين بالنظام المصري بالأدلة التي يعرفها الجميع؛ لكن لا أحد يُكلّف نفسه جمعها وتقديمها بصورة قانونية مُحكمة. القانون الأوروبي يتيح ملاحقة ممثلي الدول الأجنبية الذين يمارسون عمليات تخريبية على الأراضي الأوروبية، والسؤال: لماذا لم يُفعَّل هذا المسار حتى الآن؟
رابعا: على الدول الأوروبية المعنية -وهولندا على رأسها نظرا للجاليات المصرية الكبيرة فيها- أن تُنشئ آليات رسمية لرصد ومتابعة نشاط الأذرع الخارجية للأنظمة الاستبدادية على أراضيها. هذه الآليات موجودة في التعامل مع ملفات أخرى كالإرهاب وتمويل الجريمة المُنظّمة، ولا يوجد سبب منطقي يمنع تطبيقها على من يُنفّذون عمليات ترهيب وعنف بتوجيه من أجهزة استخبارات أجنبية.
ختاما: النار التي لا تبدأ بالأصابع
في النهاية، الفشل الذريع للمعارضة المصرية في الخارج ليس قضاء مبرما ولا حكما أبديا على شعب بعينه، لكنه فشل حقيقي يجب أن يُسمّى بالاسم لأن التجميل الكاذب يُطيل عمره ولا يعالجه.
المطلوب ليس ثورة ولا معجزة، المطلوب أن يُدرك من يتصدّر المشهد المعارض أن الجمهور ليس بحاجة إلى مؤتمرات يحضرها الجمهور نفسه ويُصفّق فيها كل واحد للآخر.. المطلوب أغنية واحدة تعبر الحدود، فيلم قصير يُبكي محاميا أوروبيا يلمس قضية معتقل مجهول، قصيدة تُردّد في بيوت المصريين في المهجر فيشعرون أن ثمة من يحمل همّهم ويعرف كيف يُعبّر عنه.
أما أنس حبيب، فاسمه يجب أن يبقى حاضرا في كل اجتماع ومنبر ومحفل، لا كمظلوم يُستعطف به، بل كدليل على أن النظام المصري يخاف. الأنظمة لا تضرب من لا تخشاه؛ الضربة التي تُوجَّه إلى ناشط ما هي اعتراف ضمني بأن صوته يُقلق ويُزعزع.
المعارضة التي تُدرك هذه المعادلة ستتعامل مع كل اعتداء ليس كجرح بل كوسام، والدول الأوروبية التي تُدير وجهها عن هذه الاعتداءات تتذكّر -أو يجب أن تتذكّر- أن الصمت أمام توحّش الأنظمة المستبدة خارج حدودها لم يُنتج يوما استقرارا، بل أنتج أنظمة أشد استبدادا بسبب غياب الكلفة.
النار لا تبدأ بإشعال كل شيء دفعة واحدة إنما تبدأ بعود ثقاب واحد، يوقد شمعة، تُضيء غرفة، تخرج منها شعلة. المعارضة المصرية تملك الأعواد، تملك العقول والأقلام والأصوات والوجوه الكريمة، وما تفتقره هو الشجاعة على إيقاد أول عود ثقاب، دون انتظار الإذن، ودون استئذان لجنة، ودون بحث عن ميزانية. الشعوب التي تريد الحرية تُنتجها أولا في خيالها وفنها قبل أن تصل إلى ميادينها.
المقالات المنشورة في عربي21 تعبر عن آراء أصحابها ولا تعبر عن رأي أو موقف الصحيفة.