كشفت وزارة الأوقاف المصرية عبر منصتها الرقمية بموقع بحث جوجل العالمي، عن الإصدار الأربعون من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»؛ لموضوع خطبة الجمعة القادمة بعنوان: «رمضان شهر الإرادة والكرم».

الإصدار الأربعون من سلسلة «زاد الأئمة والخطباء»

وأوضحت الأوقاف أن الهدف المراد توصيله من موضوع خطبة الجمعة القادمة هو الحث على تحقيق مقاصد الصيام بإصلاح النفس ومديد العون للغير.

خطبة الجمعة القادمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد

فإن رمضان شهرُ الإرادة؛ لأنَّه الميدان الذي يتعلَّم فيه الإنسان كيف ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، ففيه يُمسك الصائم عن شهواته المباحة قبل المحرَّمة، لا لشيءٍ إلا امتثالًا لأمر الله، وتصديقًا لمعنى العبودية الصادقة، فإذا قدر على ترك ما يشتهيه وهو قادرٌ عليه، دلَّ ذلك على أن زمام نفسه بيده لا بيد هواه.

إن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريبٌ يوميٌّ على الصبر، ومجاهدةٌ للنفس، وتربيةٌ للإرادة؛ حتى يصبح المؤمن قويَّ العزيمة، ثابتَ المبدأ، لا تزلزله الرغبات ولا تستعبده العادات، ولهذا كان رمضان مدرسةً ربانيةً تُخرِّج رجالًا ونساءً يملكون أنفسهم، ويعرفون أن أعظم نصرٍ يحققه الإنسان هو نصره على شهواته، وإليك بيان طرف من  ذلك.

ثمرة الصيام ضبط النفس وقوة الإرادة
قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى ثمرة الصيام، وهي تعني ضبط النفس ومراقبة الله، وهذا هو جوهر الإرادة، والتقوى تولِّد في القلب يقينًا بالله، فمن اجتاز دورة الصيام بقلبٍ حاضر، وعزمٍ صادق، خرج منها وقد اشتدّ عوده، ورقّت روحه، وقويت إرادته، وارتقى في مدارج القرب، حتى يُكتب عند الله في زمرة الصائمين حقًّا.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، ‌فَلْيَقُلْ ‌إِنِّي ‌صَائِمٌ» [رواه البخاري].

قال ابن عبد البر: "وأمّا قولُهُ: «فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ»، ففيه قولانِ:

أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك.

والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ ومُشاتمتِهِ، وعليه صَوْنُ صومه عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ.

والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ"، لما فيه من الرِّياءِ، واطَّلاع النّاسِ على عَمَلِهِ؛ لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ" [التمهيد].

رمضان مدرسة الإرادة وتزكية النفس

رمضانُ شهرُ الإرادةِ الصادقة، ومدرسةُ العزيمةِ التي تُهذِّب النفس وتُروِّضها على الصبر الجميل، فيه يتعلَّم الإنسان كيف يقود شهوته ولا تقوده، وكيف يملك زمام رغباته فلا تستعبده، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشبابَ الذين لا يجدون مؤونة الزواج إلى الصوم، وجعله لهم وِجاءً يحفظ عليهم عفافهم، كما في الحديث المتفق عليه: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فالصوم حصنٌ منيع، وسياجٌ واقٍ، يخفف غليان الشهوة، ويزرع في القلب سكينةً تُعين على الطهر والاستقامة.

يقول الإمام ابن الهُمام -أحد فقهاء الحنفية- في فوائد الصوم: "شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا: سُكُونَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَكَسْرَ سَوْرَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ، فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا، وَلِذَا قِيلَ: إذَا جَاعَتْ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا" [فتح القدير].

ورمضان يمنح المسلم فرصةً عمليةً لمجاهدة النفس التي وصفها القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤۚ إِنَّ رَبِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [يوسف: ٥٣]، ففي هذا الشهر تُقيَّد الشهوات بسلاسل الإرادة، ويُدرَّب القلب على أن يقول "لا" حين تعصف الرغبات، وأن يختار رضا الله على نداء الهوى.

إنه شهرُ انتصارِ الإنسان على نفسه، وشهرُ تزكيةٍ تتجدَّد فيها العهود، فتسمو الروح، ويقوى العزم، ويخرج الصائم من مدرسته وقد تعلَّم أعظم دروس الحياة: أن من ملك نفسه ملك دنياه وآخرته.

يدع طعامه وشرابه من أجلي:
يقول تعالى في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، ‌يَدَعُ ‌شَهْوَتَهُ ‌وَأَكْلَهُ ‌وَشُرْبَهُ ‌مِنْ ‌أَجْلِي» [رواه البخاري]، وفي رواية أخرى: «يَدَعُ طَعَامَهُ وشَرابَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه أحمد]، عبارةٌ قصيرةُ الألفاظ، عظيمةُ المعاني، تفتح للقلب أبوابَ التأمل في سرِّ الصيام، وحقيقة الإرادة، وجوهر العبودية.

فالصائم حين تمتدُّ يده إلى الماء ثم يكفُّها، وحين تدعوه شهوةُ الطعام ثم يردعها، لا يفعل ذلك خوفَ رقيبٍ من البشر، ولا التزامًا بعادةٍ اجتماعية، وإنما يفعلُه لأن في قلبه يقينًا أن الله يراه، وهنا تتجلّى حقيقة الإرادة المهذَّبة؛ إرادةٌ لا يحكمها الجوع، ولا يقودها العطش، بل يوجِّهها الإيمان، إن النفس بطبعها ميّالةٌ إلى اللذة، فإذا استطاع الإنسان أن يقول لها: توقّفي -لا عجزًا بل طاعةً- فقد ارتقى من مرتبة الانقياد للشهوة إلى مرتبة السيادة عليها، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٤٠–٤١]، فجعل الفوز الأبدي ثمرةً لنهي النفس، لأن تهذيب الإرادة هو الطريق إلى رضوان الله.

الإرادة في ميزان الإيمان
إن أعظم معركة يخوضها الإنسان هي معركته مع نفسه وهواه، يأتي رمضان ليقول لك: "أنت قادر".

إرادة الترك: إذا استطعت أن تترك الطعام والشراب الحلال بإرادتك طاعةً لله، فأنت أقدر على ترك الحرام والشبهات، فالصائم يمتلك "فرامل" قوية توقف شهواته عند حدود الله.

إرادة التغيير: كم من عادة سيئة (كالتدخين، الغيبة، ضياع الوقت، ...) استعصت علينا طوال العام!، يأتي رمضان ليثبت لك أنك تملك الإرادة للتغيير، فمن صبر عن الماء البارد في ظهيرة حارة، قادر على أن يصبر عن المعصية.

ضبط الانفعالات: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سَابَّه أَحَدُ أو قاتَلَهُ فليَقُل: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ»، هذه قمة الإرادة؛ أن تملك نفسك عند الغضب.

فحقيقة الإرادة في ميزان الإيمان ليست أن تفعل ما تشتهي، بل أن تملك نفسك حين تشتهي، ومن هنا كان الصوم مدرسةً ربانيةً تُعيد ترتيب الأولويات في القلب، حتى نتحقق بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَينَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ [الحجرات: ١]، يقول الإمام القرطبي: "أي لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قَدَّم قوله أو فعله على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدمه على الله تعالى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل" [الجامع لأحكام القرآن].

ويقول الحافظ ابن كثير: "هذه آداب أدَّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعامِلون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام، ... أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور" [تفسير القرآن العظيم].

رمضان شهر العزيمة:
الصوم يعلمك الصبر على الخَلْق، وتحمُّل أذاهم، والعفو عن زلاتهم؛ فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُّ النَّاسَ، وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [رواه ابن ماجه]، ويقول تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى: ٤٣]، قال الطاهر بن عاشور: "والعزم: عقد النية على العمل والثبات على ذلك، والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف؛ لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم" [التحرير والتنوير].

الصوم يربيك على الصبر على أقدار الله والرضا بها، واليقين بأن ما كتبه الله على العباد كائن لا محالة.

الصوم قد اشتمل على أنواع الصبر الثلاث: الصبر على الطاعة، والمعصية وعلى قدر الله المتمثل في الجوع والعطش؛ فعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: عَقَدَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِي فَقَالَ: «..، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» [رواه أحمد].

ولذا كان حظ الذي يرخي لنفسه العنان، ويطلق لنظره وجوارحه اللجام فتتناول ما حرم الله، أنه ليس من صيامه إلا الجوع والعطش؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» [رواه أحمد بسند حسن].

رمضان شهر الكرم.. تزكية النفس بالعطاء

إذا كانت الإرادة تتجلّى في قدرة المؤمن على الامتناع عما يشتهي، فإن الكرم يتجلّى في قدرته على العطاء وهو يحبّ المال حبًّا جمًّا، فالصائم حين يمسك عن شهواته نهارًا، إنما يدرّب قلبه على الانقياد لأمر الله، فإذا جاء وقت البذل كان أقرب إلى السخاء؛ لأن النفس التي تعلّمت الإرادة، يسهُل عليها الإنفاق.

وقد كان سيد الكرماء محمد صلى الله عليه وسلم القدوة العليا في هذا الباب؛ فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، ‌وَكَانَ ‌أَجْوَدُ ‌مَا ‌يَكُونُ ‌فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".

فاجتماع القرآن والصيام وقيام الليل يفتح أبواب الرحمة في قلبه، فيفيض جودًا وعطاءً، حتى شُبِّه بالريح المرسلة في سرعة بذله وسعته، قال حجة الإسلام الغزالي: "والمعنى في تخصيص رمضان بزيادة الجود وإكثار الصدقات تفريغ الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم" [فتح العزيز بشرح الوجيز].

ويقول الإمام ابن الجوزي: "وَإِنَّمَا كثر جوده عَلَيْهِ السَّلَام فِي رَمَضَان لخمسة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه شهر فَاضل، وثواب الصَّدَقَة يتضاعف فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات، وَالثَّانِي: أَنه شهر الصَّوْم، فإعطاء النَّاس إِعَانَة لَهُم على الْفطر والسحور، وَالثَّالِث: أَن إنعام الْحق يكثر فِيهِ، فَأحب الرَّسُول أَن يُوَافق ربه عز وَجل فِي الْكَرم، وَالرَّابِع: أَن كَثْرَة الْجُود كالشكر لترداد جِبْرِيل إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة، وَالْخَامِس: أَنه لما كَانَ يدارسه الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان زَادَت معاينته الْآخِرَة، فَأخْرج مَا فِي يَدَيْهِ من الدُّنْيَا) [كشف المشكل من حديث الصحيحين].

ومن دلائل اقتران الإرادة بالكرم أن من استطاع أن يمسك يده عن الحرام، استطاع أن يبسطها بالحلال، فالصيام يذكّر الإنسان بجوع الفقراء، ويوقظ فيه حسّ المشاركة والرحمة، فلا يبقى الألم خبرًا يُسمع، بل تجربةً تُعاش، تدفع إلى التكافل والتراحم.

وجاء الحث الصريح على هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه الترمذي].

ففي هذا توجيه نبويّ عظيم إلى صناعة مواسم العطاء في رمضان؛ إذ لا يقتصر الأجر على الصائم وحده، بل يمتدّ إلى من أعانه وواساه وأدخل السرور عليه، قال الماوردي: " يُخْتَارُ لِلنَّاسِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِيهِ بِصَوْمِهِمْ عَنْ طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِفْطَارُ صَائِمٍ أَنْ يُفَطِّرَهُ" [الحاوي الكبير].

نماذج من العطاء النبوي
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ‌غَنَمًا بَيْنَ ‌جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا! فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" [رواه مسلم].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَوْ أَنَّ لِيَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ‌مَا ‌سَرَّنِي ‌أَنْ ‌يَأْتِيَ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنِي» [رواه البيهقي في دلائل النبوة].

عن مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ بَيْنَمَا يَسِيرُ هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ -أي ألجؤوه- إِلَى سَمُرَةٍ -شجرة مزهرة- فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «‌أَعْطُونِي ‌رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ -أي الشجر- نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» [رواه البخاري].

رمضان شهر التكافل المجتمعي
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].

فرمضان ليس شهر عبادةٍ فرديةٍ فحسب، بل هو موسمٌ تتجلّى فيه معاني الأمة الواحدة، ويُبعث فيه خُلُقُ التكافل حيًّا نابضًا في القلوب والبيوت والمجتمعات، ففيه يلتقي الغني بالفقير على مائدة الشعور، ويجتمع القوي والضعيف تحت ظلال الرحمة، فيتحقق قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠].

وقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي المحتاج، ويُطعم الجائع، ويُشعر الضعيف أنه جزء من جسد الأمة لا يُترك ولا يُنسى، فالتكافل في رمضان ليس صدقة عابرة، بل هو روح تسري في المجتمع كله.

قال الملا علي القاري: "ومنها: كونه -أي شهر رمضان- موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لمّا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات، فتسارع إلى الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء، ومنها: موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانًا وفي ذلك رفع حاله عند الله" [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح].

مظاهر التكافل في رمضان
تتجلى مظاهر التكافل في رمضان في عدة جوانب، منها: إخراج زكاة المال، إذ يحرص كثير من المسلمين على إخراج زكاتهم في هذا الشهر المبارك.

ومنها: صدقة الفطر، وقد فرضها النبي صلى الله عليه وسلم طُهرةً للصائم وطُعمةً للمساكين، حتى لا يبقى في يوم العيد محتاجٌ.

ومنها: إفطار الصائمين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ‌فَطَّرَ ‌صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه ابن حبان]، فكم من موائد تمتدّ في المساجد والطرقات، وكم من بيوتٍ تُفتح أبوابها لاستقبال عابر سبيل أو عاملٍ بعيدٍ عن أهله؛ فيتحول الإفطار إلى رسالة محبة وأخوّة، وتكون سببا لدخول الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً ‌يُرَى ‌ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا»، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [رواه أحمد].

ومنها: الصدقات الجارية، وغير ذلك من ألوان العطاء التي تمثل تماسك المجتمع، وتراحمه وتعاطفه؛ استجابة لأمر الله وأمر رسول الله.

رمضان وتجدد الكرم الإلهي
يتجلى في رمضان مظاهر إكرام المولى تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، حيث تتضاعف الحسنات ويكثر الثواب، تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب السماء، ويُغدق الله فيه على عباده من فضله ما لا يكون في غيره من الشهور، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ: أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» [رواه مسلم].

قال القاضي عياض: "وقوله: «فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، قيل: يحتمل الحقيقة، وأن فتح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار، علامة لدخول الشهر، وعظم قدره، وكذلك تصفيد الشياطين ليمتنعوا من أذى المؤمنين وإغوائهم فيه، وقيل يحتمل المجاز لكثرة الثواب والعفو.

وقد يكون فتح أبواب الجنة هنا: عبارة عما يفتح الله على عباده من الطاعات المشروعة فى هذا الشهر الذي ليست في غيره، من الصيام، والقيام، وفعل الخيرات، وأن ذلك أسباب لدخول الجنة، وأبواب لها، وكذلك تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين عبارة عمّا يكفُّه الصوم، والشغل بفعل الخير فى هذا الشهر، وعظم قدره فى القلوب، وما جاء فى النهى فيه عن أن يرفث، أو يجهل، والكف فيه عن المحارم والمعاصى، وأن الصوم مانع عن كثير من المباحات، فكيف بما وراء ذلك، ومكفر للسيئات" [إكمال المعلم].

وهو شهر الغفران، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا ‌وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ ‌إِيمَانًا ‌وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ‌إِيمَانًا ‌وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].

وهو شهر العتق من النيران، قال صلى الله عليه وسلم: «‌وللهِ ‌عُتَقَاءُ من النَّارِ، وَذلكَ كُلَّ ليْلةٍ» [رواه الترمذي].

وفيه ليلة القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدراكَ مَا لَيلَةُ ٱلقَدرِ * لَيلَةُ ٱلقَدرِ خَير مِّن أَلفِ شَهر﴾ [سورة القدر: ١ -٢].

وقال صلى الله عليه وسلم: «وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، ‌مَنْ ‌حُرِمَهَا ‌فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» [رواه ابن ماجه].

وهو شهر مضاعفة الأجور، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ ‌مِنْ ‌خِصَالِ ‌الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى ‌فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ ‌فَرِيضَةً، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ ‌فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ» [فضائل رمضان لابن أبي الدنيا].

 

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: زاد الأئمة والخطباء سلسلة زاد الأئمة والخطباء أحكام خطبة الجمعة النبی صلى الله علیه وسلم قال صلى الله علیه وسلم ی صلى الله علیه وسلم رواه البخاری رضی الله عنه قال تعالى رمضان شهر فتح أبواب هذا الشهر فی رمضان ى الله ع النبی ص ول الله ر م ض ان فی هذا على ال ی صائم على أن

إقرأ أيضاً:

الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة

يحتل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) مكانة استثنائية في التاريخ الإسلامي بوصفه أول المؤمنين، وربيب رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وصهره، وأحد أبرز القادة الذين أسهموا في تثبيت دعائم الإسلام في أصعب مراحله، وقد اقترنت سيرته بالجهاد والتضحية والعلم والحكمة والعدل، حتى أصبح نموذجاً متكاملاً للقائد الرسالي الذي جمع بين قوة الموقف ونقاء العقيدة وسمو الأخلاق، فاستحق بأمر الله أن يكون وصي رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله وباب مدينة علمه ، وعندما يتناول المسلمون سيرة الإمام علي (عليه السلام)، فإنهم لا يستحضرون شخصية تاريخية عابرة، بل يستحضرون مدرسة متكاملة في القيادة الإيمانية والالتزام بالحق والثبات في مواجهة التحديات، وهي مدرسة امتدت آثارها عبر القرون وما تزال تلهم الأجيال في مختلف الميادين.

يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي

 

الإمام علي والوصاية على الأمة

المكانة الخاصة التي منحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للإمام علي (عليه السلام)، حيث كان الأقرب إليه علماً وعملاً وجهاداً، وقد رافقه في مختلف مراحل الدعوة الإسلامية، منذ بداياتها الأولى وحتى انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى، وقد أجمعت الأمة على أن الإمام علي كان الامتداد الطبيعي للمشروع الرسالي الذي أسسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لما امتلكه من علم واسع وعميق للقرآن الكريم، لم ينله غيره، ولما عرف عنه من نزاهة وعدالة وزهد وإخلاص وشجاعة في خدمة الدين والأمة، وقد تميزت شخصيته بكونها تجسيداً عملياً للقيم الإسلامية، فلم يكن دوره مقتصراً على الجانب العسكري أو السياسي، بل شمل الجانب التربوي والفكري والأخلاقي، ما جعله مرجعاً مهماً في فهم الإسلام وتطبيقه.

شجاعة استثنائية صنعت التحولات الكبرى

من أبرز ما عُرف به الإمام علي (عليه السلام) شجاعته الفريدة التي تجلت في مختلف المعارك التي خاضها إلى جانب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ففي معركة بدر الكبرى كان من أبرز أبطال المسلمين الذين واجهوا قادة قريش وفرسانها، وأسهموا في تحقيق أول انتصار حاسم للدولة الإسلامية الناشئة، وفي معركة أحد ثبت إلى جانب رسول الله حين تفرق كثير من المقاتلين تحت ضغط الهجوم المعاكس، مسطراً أروع صور الوفاء والثبات، أما في معركة الخندق، فقد تجلت شجاعته بصورة استثنائية عندما خرج لمواجهة عمرو بن عبد ود العامري، الذي كان يعد من أشجع فرسان العرب وأشدهم بأساً، وقد مثل انتصار الإمام علي في تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في مجريات المعركة، وأسهم في كسر معنويات الأحزاب التي حاصرت المدينة المنورة، وفي معركة خيبر، برز دوره بصورة لافتة عندما عجزت الجيوش عن فتح الحصون المنيعة، فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الراية إلى الإمام علي عليه السلام، فقاد الهجوم وتمكن من فتح الحصون وتحقيق نصر كبير للمسلمين، في حدث بقي حاضراً في الذاكرة الإسلامية بوصفه نموذجاً للشجاعة والإقدام والثقة بالله.

مواجهة أعداء الإسلام وإسقاط مشاريعهم

لم تكن معارك الإمام علي (عليه السلام) مجرد مواجهات عسكرية، بل كانت معارك دفاع عن العقيدة وحماية للمجتمع الإسلامي الوليد من الأخطار التي كانت تهدد وجوده، فقد واجه قوى متعددة سعت إلى القضاء على الدعوة الإسلامية، سواء من المشركين الذين حشدوا طاقاتهم لمحاربة الإسلام، أو من القوى المعادية التي عملت على تقويض استقرار المجتمع المسلم،
وفي المواجهات التي شهدتها المدينة المنورة وخارجها، كان الإمام علي يمثل رأس الحربة في التصدي لتلك التحديات، حتى أصبح اسمه مقترناً بالنصر والثبات والإقدام، وأصبح حضوره في ساحات القتال عاملاً مؤثراً في رفع معنويات المسلمين وإرباك خصومهم، وقد أجمع كثير من المؤرخين على أن بصماته العسكرية كانت حاضرة في أبرز الانتصارات التي حققها المسلمون خلال حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

رجاحة الرأي والحكمة في إدارة الأزمات

إلى جانب بطولاته العسكرية، عُرف الإمام علي (عليه السلام) برجاحة العقل وسداد الرأي والحكمة في معالجة القضايا المعقدة، فقد كان أكثر الناس علماً وفقهاً بعد رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، واشتهر بقدرته على استنباط الأحكام ومعالجة المشكلات الاجتماعية والسياسية والقضائية، ولذلك كان مرجعاً مهماً في القضايا الكبرى التي واجهت المجتمع الإسلامي، وتكشف خطبه ورسائله وكلماته المأثورة عن عمق فكري وإنساني كبير، حيث قدم رؤى متقدمة في العدالة والحكم والإدارة والعلاقة بين الحاكم والرعية، ما جعل تراثه الفكري محل اهتمام الباحثين والمفكرين عبر العصور، كما تميزت شخصيته بالتوازن بين الحزم والرحمة، وبين القوة والعدل، وهو ما منح قيادته بعداً أخلاقياً وإنسانياً نادراً.

 

مدرسة في العدل والإنصاف

يُعد الإمام علي (عليه السلام) رمزاً للعدالة في الوعي الإسلامي، إذ ارتبط اسمه بالحكم العادل والإنصاف بين الناس دون تمييز، وقد انعكس هذا النهج في مواقفه العملية وسلوكه الشخصي، حيث كان يرفض استغلال السلطة أو توظيفها لتحقيق مصالح خاصة، ويرى أن مسؤولية الحاكم تقوم على خدمة الناس وصيانة حقوقهم وتحقيق العدل بينهم، ولذلك تحولت سيرته إلى مرجع أخلاقي وسياسي يستلهم منه الكثيرون مبادئ الحكم الرشيد والنزاهة والالتزام بالمسؤولية.

دلالات الدور الرسالي للإمام علي عليه السلام

إن قراءة سيرة الإمام علي (عليه السلام) تكشف مجموعة من الدلالات المهمة، أبرزها، أن القيادة في الإسلام تقوم على الكفاءة والإيمان والالتزام بالحق، وأن القوة الحقيقية ترتبط بالقيم والمبادئ وليس بالمصالح والمكاسب، وأن العلم والحكمة يمثلان أساساً لبناء المجتمعات واستقرارها، وأن الثبات في مواجهة التحديات شرط أساسي لتحقيق النصر، وأن العدالة تشكل الركيزة الأهم في بناء الدولة والمجتمع، كما تؤكد سيرته أن المشروع الإسلامي لم يقم على السيف وحده، وإنما قام على تلازم العلم والجهاد والأخلاق والعدل، وهي القيم التي جسدها الإمام علي في مختلف مراحل حياته.

ختاما ..

يبقى الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واحداً من أعظم الشخصيات في التاريخ الإسلامي، بما قدمه من تضحيات جسام في سبيل نصرة الدين، وبما جسده من نموذج فريد في الشجاعة والحكمة والعدالة والالتزام الرسالي، لقد كان حاضراً في كل المواقف المصيرية التي واجهت الأمة الإسلامية في بداياتها، وأسهم بدور محوري في حماية الدعوة وترسيخ أركانها، حتى أصبح رمزاً خالداً للقائد المؤمن الذي جمع بين قوة السيف ونور البصيرة، وبين البطولة في الميدان والحكمة في إدارة شؤون الأمة، لتظل سيرته مدرسة متجددة تستلهم منها الأجيال معاني الثبات والوفاء والإخلاص لله ولرسوله وللقيم التي جاء بها الإسلام، وكان كل ما امتلكه في إطار موقعه الذي هيأه الله له كوصي لهذه الأمة ووليها من بعد رسوله الكريم صلوات الله عليه وعلى آله

مقالات مشابهة

  • فضل إلقاء السلام والمصافحة بالدلائل من السنة النبوية
  • حكم أداء صلاة الجنازة في الشوارع بالنعال
  • حجة .. ندوة في المحابشة بذكرى يوم الولاية
  • أمن محافظة حجة يُحيي ذكرى يوم الولاية بفعالية ثقافية
  • أمسيات في ريف حجة والشاهل والشغادرة بذكرى يوم الولاية
  • فعالية لأمن محافظة حجة بذكرى يوم الولاية
  • فعالية في مديرية مبين في حجة بذكرى يوم الولاية
  • حكم الاكتفاء بأضحية النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة
  • الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).. الدور الرسالي والقيادة الربانية في نصرة الإسلام وبناء الأمة
  • الإصدار السابع والخمسون من زاد الأئمة والخطباء "كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي"