منتدى العدالة الدولي يوثق انتهاك حرمة الجسد الفلسطيني ويطالب بتحقيق دولي
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
أصدر منتدى العدالة الدولي لمناهضة الإبادة الجماعية (IJFAG) تقريرًا قانونيًا توثيقيًا موسعًا بعنوان "انتهاك حرمة الجسد الفلسطيني"، حمّل فيه سلطات الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية ما وصفه بسياسة منهجية تمس كرامة الفلسطينيين حتى بعد الموت.
ويستعرض التقرير، الذي يمتد على أكثر من عشرين صفحة، الوقائع المتعلقة بسياسة احتجاز الجثامين في ما يُعرف بـ"مقابر الأرقام" وثلاجات الموتى، مشيرًا إلى شبهات العبث بالجثامين ونزع أعضاء بشرية، مستندًا إلى شهادات عائلات الشهداء، وتقارير طبية، وتحقيقات إعلامية دولية، بالإضافة إلى تحليل قانوني يستند إلى اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.
ويرصد التقرير تطور هذه السياسة منذ عام 1967، مؤكدًا أن احتجاز الجثامين لم يعد إجراءً استثنائيًا بل أداة ضغط وعقاب جماعي، وورقة تفاوض سياسية، مع التطرق إلى ما أثير حول ما يسمى بـ"بنك الجلد الإسرائيلي" والأرقام القياسية المعلنة في مجال زراعة الأعضاء، وسط تساؤلات فلسطينية مستمرة حول مصادر بعض الأعضاء المزروعة.
وفي خلاصة قانونية حازمة، يرى المنتدى أن احتجاز الجثامين، ورفض تسليمها لذويها، ومنع الفحص الطبي الشرعي المستقل، قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إذا ثبت الطابع الواسع أو المنهجي لهذه الممارسات.
ودعا التقرير الادعاء العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق أولي عاجل، كما طالب الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق مستقلة، وضمان حق العائلات في معرفة مصير جثامين أبنائها وإجراء فحوصات طبية محايدة.
وختم المنتدى تقريره بالتأكيد على أن احترام الجسد الإنساني بعد الموت ليس شأنًا سياسيًا أو تفاوضيًا، بل التزام قانوني مطلق، محذرًا من أن استمرار الإفلات من العقاب في مثل هذه القضايا يقوّض منظومة العدالة الدولية برمتها.
ثلاجات الموتى ومقابر الأرقام في السياق الفلسطيني
تُعرف مقابر الأرقام بأنها مواقع سرية تحتفظ فيها سلطات الاحتلال الإسرائيلي بجثامين الفلسطينيين الذين قتلوا أثناء عمليات الاعتقال أو المواجهات المسلحة، أو نتيجة ما تصفه إسرائيل بأنهم "نشطاء أو مشتبه بهم". وتُسمى هذه المقابر بهذا الاسم لأن الجثامين لا تُدفن بأسماء أصحابها، بل يُخصص لكل جثة رقم يُسجل في سجلات إدارية. ويتم الاحتفاظ بالجثامين في ثلاجات أو غرف تبريد لفترات طويلة، أحيانًا تمتد لسنوات، قبل تسليمها للعائلات، أو في بعض الحالات دون أي تسليم نهائي.
وقد وثّقت منظمات حقوق الإنسان عدة حالات لمئات الجثامين المحتجزة في هذه الثلاجات، مؤكدين أن الهدف الرسمي المعلن غالبًا هو "التحقيق الجنائي"، بينما يرى الفلسطينيون أن الاحتجاز يُستخدم كأداة ضغط سياسي وعقابي جماعي، لتأجيل الدفن وخلق حالة من الألم النفسي والمعنوي للعائلات والمجتمع.
وتشير بعض التحقيقات والتقارير الدولية إلى شبهات العبث بالجثامين أو نزع الأعضاء البشرية، وهو ما يُثير مخاوف قانونية وأخلاقية، حيث يشير القانون الدولي إلى أن أي اعتداء على الجسد البشري بعد الوفاة، أو حرمان العائلة من حق الدفن، قد يُعد انتهاكًا صارخًا للاتفاقيات الدولية، بما فيها اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، وقد يرقى إلى جرائم حرب في حال اتخذ الطابع المنهجي أو الواسع.
ويؤكد الفلسطينيون أن هذه السياسة لم تتوقف منذ عام 1967، بل تطورت لتصبح جزءًا من آلية للضغط على العائلات والمجتمع، وتُعد أيضًا ورقة تفاوضية في بعض المراحل السياسية، مما جعلها محور انتقادات حقوقية وقانونية على المستوى الدولي.
المصدر
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة سياسة عربية مقابلات حقوق وحريات اختبار سياسة دولية الفلسطيني الاحتلال التقرير احتلال فلسطين تقرير المزيد في سياسة سياسة سياسة سياسة تغطيات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة
إقرأ أيضاً:
العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
سلطت الكاتبة الاقتصادية البريطانية هيذر ستيوارت الضوء، في قراءة مطولة نشرتها صحيفة "الغارديان" اليوم الثلاثاء، على الأفكار التي تطرحها الاقتصادية المعروفة ماريانا مازوكاتو في كتابها الجديد "اقتصاد الصالح العام: بوصلة جديدة" والذي يقدم تصوراً بديلاً للاقتصاد يقوم على توجيه النمو لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، في طرح يتقاطع مع النقاشات الدائرة حول أداء حكومة حزب العمال البريطاني ومستقبل السياسات الاقتصادية في الغرب، وتطرح سؤالاً جوهرياً: ما الغاية من النمو إذا لم يكن موجهاً لتحقيق الصالح العام؟
الكتاب، الذي صدر حديثاً، يمثل امتداداً للمشروع الفكري الذي اشتهرت به مازوكاتو خلال السنوات الماضية، والقائم على إعادة الاعتبار لدور الدولة في توجيه الاقتصاد والابتكار، بعيداً عن التصورات النيوليبرالية التي تجعل السوق القوة الحاكمة الوحيدة لمسارات التنمية.
وتكتسب أطروحات مازوكاتو أهمية خاصة في السياق البريطاني، إذ سبق أن اعتُبرت من أبرز الملهمين الفكريين لفكرة "الحكومة القائمة على المهام" التي تبناها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال حملته الانتخابية، قبل أن تواجه حكومته انتقادات بسبب ما اعتبره مراقبون غموضاً في الرؤية وعجزاً عن ترجمة الشعارات إلى سياسات ملموسة.
الاقتصاد كمشروع جماعي
تنطلق مازوكاتو من نقد جذري للنظرة التقليدية للاقتصاد بوصفه ساحة تتنافس فيها مصالح فردية متعارضة، بينما تقتصر مهمة الحكومات على إصلاح الاختلالات الناتجة عن السوق.
في المقابل، تدعو إلى النظر إلى الاقتصاد باعتباره مشروعاً جماعياً موجهاً بأهداف واضحة، تشارك في صياغتها الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنون على حد سواء.
وترى أن التمويل والاستثمار والابتكار يجب أن تُسخّر لخدمة أهداف مجتمعية كبرى، مثل مواجهة التغير المناخي أو تحسين الصحة العامة أو تقليص التفاوت الاجتماعي، بدلاً من تركيزها على تحقيق الأرباح السريعة والعوائد قصيرة الأجل.
وبحسب المؤلفة، فإن الاقتصاد القائم على "الصالح العام" يتطلب مواءمة الأهداف بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع التعاون وتبادل المعرفة وتقاسم المخاطر والعوائد بصورة أكثر عدالة.
خمسة مبادئ لإعادة توجيه الاقتصاد
يقوم النموذج الذي تقترحه مازوكاتو على خمسة مبادئ أساسية تشكل ما تسميه "بوصلة الاقتصاد الجديد".
ويتمثل المبدأ الأول في وجود غاية أو اتجاه واضح للاقتصاد، بحيث لا يصبح النمو هدفاً بحد ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية محددة.
أما المبدأ الثاني فهو المشاركة الشعبية في تصميم السياسات العامة، حيث تؤكد أن المواطنين يصبحون أكثر استعداداً لدعم السياسات عندما يشاركون في صياغتها بدلاً من فرضها عليهم من أعلى.
ويتعلق المبدأ الثالث بالتعلم الجماعي وتبادل الخبرات بين المؤسسات المختلفة، في حين يركز الرابع على تقاسم المنافع الاقتصادية بصورة أكثر عدالة بين جميع الأطراف المساهمة في خلق القيمة.
أما المبدأ الخامس فيتمثل في المساءلة والشفافية، بما يضمن خضوع الحكومات والشركات معاً للرقابة المجتمعية.
نقد للنمو التقليدي
من أبرز ما يميز الكتاب رفضه لفكرة أن النمو الاقتصادي وحماية البيئة هدفان متناقضان بالضرورة.
وتنتقد مازوكاتو بعض الخطابات البيئية التي تنظر إلى النمو بوصفه مصدراً للأزمات المناخية، مؤكدة أن المشكلة لا تكمن في النمو نفسه، بل في طبيعة الأهداف التي يوجه إليها.
وبهذا المعنى، تدعو إلى إعادة تعريف النجاح الاقتصادي بحيث يقاس بمدى مساهمته في تحسين جودة الحياة وتحقيق الاستدامة، لا بمجرد ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي.
كما ترفض المؤلفة ما تسميه "منطق سد الثغرات"، أي التعامل مع الفقر أو التلوث أو التهميش باعتبارها آثاراً جانبية حتمية للنمو، يمكن معالجتها لاحقاً عبر برامج حكومية محدودة.
وترى بدلاً من ذلك أن العدالة الاجتماعية والاستدامة يجب أن تكونا جزءاً أصيلاً من عملية الإنتاج الاقتصادي نفسها.
إعادة توزيع الثروة أم إعادة توزيع الفرص؟
يحتل مفهوم "التوزيع المسبق" مكانة مركزية في الكتاب، وهو مفهوم يختلف عن إعادة التوزيع التقليدية التي تعتمد على الضرائب والتحويلات المالية بعد تحقيق الأرباح.
فمازوكاتو تدعو إلى تصميم القواعد الاقتصادية منذ البداية بما يضمن توزيعاً أكثر عدالة للعوائد.
ومن بين الإجراءات التي تقترحها فرض شروط على الشركات المستفيدة من التمويل العام، وضمان حصول العمال والمجتمعات المحلية على نصيب من الثروة الناتجة عن استغلال الموارد أو الابتكارات المدعومة حكومياً.
كما تبدي تأييداً لتوسيع الضرائب على الثروة واستخدام العقود الحكومية كوسيلة لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أوسع.
تحدٍ مباشر لتجربة حزب العمال
ورغم أن بعض أفكار مازوكاتو انعكست جزئياً في سياسات حكومة العمال، فإن الكتاب يتضمن نقداً ضمنياً للتجربة الحالية.
فهي ترى أن الهدف الذي رفعته الحكومة البريطانية والمتمثل في "إطلاق النمو الاقتصادي" لا يمكن اعتباره مهمة وطنية بالمعنى الحقيقي، لأنه يفتقر إلى سؤال الغاية النهائية.
وبحسب رؤيتها، فإن المهمة ليست تحقيق النمو في حد ذاته، بل تحديد الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه الاقتصاد، والفوائد التي ينبغي أن يجنيها المجتمع من ذلك النمو.
ومن هنا، فإن الكتاب لا يقدم مجرد نقد للسياسات الاقتصادية البريطانية، بل يطرح رؤية أشمل لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، في وقت تتصاعد فيه النقاشات عالمياً حول مستقبل الرأسمالية وأزمات عدم المساواة والتغير المناخي.
ما بعد منطق السوق
في نهاية المطاف، تدافع مازوكاتو عن فكرة بسيطة لكنها عميقة الأثر: الاقتصادات تنجح عندما تتوحد حول أهداف جماعية كبرى، كما حدث في تطوير اللقاحات خلال جائحة كورونا أو في برامج التحول البيئي واسعة النطاق.
ولذلك تدعو إلى استبدال السؤال التقليدي: "ما فشل السوق الذي نريد إصلاحه؟" بسؤال آخر أكثر جوهرية: "إلى أي اتجاه نريد أن يبحر اقتصادنا؟".
وهو سؤال يتجاوز حدود بريطانيا وحكومة العمال، ليطال جوهر النقاش العالمي حول طبيعة التنمية الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين، وحدود النمو، ودور الدولة، ومعنى الصالح العام في عصر تتزايد فيه الأزمات والتحديات العابرة للحدود.
ولعل ما يجعل هذا النقاش لافتاً من منظور عربي هو أن الاقتصادات الغربية، رغم ما تواجهه من أزمات وتفاوتات، تشهد سجالاً فكرياً دائماً حول طبيعة النمو وأهدافه وحدود الرأسمالية نفسها، فيما لا يزال النقاش الاقتصادي في كثير من البلدان العربية أسير مؤشرات النمو والاستثمار والتصنيفات المالية، من دون أن يحظى سؤال العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة التنمية بالقدر نفسه من الاهتمام.
وفي هذا السياق، تبدو أطروحة مازوكاتو محاولة لإعادة السياسة والأخلاق إلى قلب الاقتصاد، عبر الانتقال من سؤال "كم ننتج؟" إلى سؤال أكثر عمقاً: "لصالح من ننتج؟"، وهو سؤال لا يخص بريطانيا أو الغرب وحدهما، بل يمتد إلى المجتمعات العربية التي تواجه بدورها تحديات البطالة والتفاوت الاجتماعي وتراجع الثقة في جدوى السياسات الاقتصادية التقليدية.