عربي21:
2026-07-23@23:50:14 GMT

خمسة عشر عاما بعد فبراير.. ما الذي تغير؟

تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT

خرجتُ في فبراير 2011 كغيري من الشباب الليبيين الذين صدّقوا أن التاريخ يُكتب في الشوارع؛ كان عمري حينها سبعة عشر عاما، ولم أكن أملك وعيا سياسيا كافيا، ولا تصورا عميقا للدولة أو لمعنى الثورة؛ ما كنت أملكه هو غضب صادق وحماس مفرط، وحلم بسيط أشاركه مع كثيرين: أن يتغير وضع هذا البلد.

كنت أعتقد أنني واعٍ تمام الوعي بما أفعل، كغيري من الجموع.

أبتسم اليوم حين أتذكر تلك الثقة، كنا نظن أن إسقاط النظام هو انتصار الثورة وآخر فصول قصتها، لم نفهم أن إسقاط رأس السلطة لا يعني تغيّر العقلية، ولا تفكيك البنية التي صنعت الاستبداد.

نعم، لقد تغير الوضع، لكنه تغير نحو الأسوأ في كثير من جوانبه. انفتح المجال العام، ثم ضاق تحت سطوة السلاح. سقط الطاغية، فظهر عشرات الطغاة الصغار، فُتحت السجون وتحرّر من فيها، ولم يمر وقت طويل حتى امتلأت من جديد. اكتشفنا متأخرين أن الثورة ليست لحظة عاطفية، بل مسار طويل ومضنٍ يحتاج وعيا وتنظيما، ويحتاج قبل ذلك مشروعا واضحا للبناء.

اليوم، بعد خمسة عشر عاما، نهمس لأنفسنا: أين نحن؟ وأين أهداف فبراير؟ وأين "الثوار"؟ وأين ليبيا التي حلمنا بها؟ لن تجد شخصين في هذا البلد يجيبانك بالإجابة نفسها، وربما يكون المكسب الوحيد أننا نستطيع أن نختلف، نختلف حتى في تعريف الثورة نفسها، فهي لا تزال محل نزاع؛ البعض يراها خلاصا، والبعض يراها خطيئة، والبعض يتعامل معها كبضاعة موسمية تُستدعى للخطابات والحفلات وصرف الميزانيات.

تحولت الثورة مع الوقت من مشروع تغيير إلى منتج جاهز للاستهلاك؛ تُصرف الأموال كل عام لإحياء ذكراها، بينما لم تُصرف الإرادة نفسها لتحقيق أهدافها في بناء دولة حرة. ارتُكبت جرائم باسمها أكثر مما فُتحت ملفات للمحاسبة، وسُرقت أموال تحت رايتها أكثر مما سُرق قبل سقوط النظام، حتى صارت فبراير مظلة واسعة يدخل تحتها الجميع، وتتسع للشيء ونقيضه، وكلٌّ يحمّلها ما يشاء.

أما "الثوار"، فالكلمة نفسها أصبحت عبئا ثقيلا؛ عرفنا الثوري والثائر كصفة أخلاقية نبيلة، أما الثورة فهي لحظة غضب، وبعد انتهاء تلك اللحظة، من يبقى ليس دائما الأصدق، بل الأقدر على المتاجرة بها. كثيرون ممن حملوا السلاح أو القلم أو رفعوا أصواتهم باسم الثورة تسلّقوا ووصلوا إلى مواقع سلطة أو نفوذ، وصاروا نسخا مكررة ممن سبقوهم، كأننا أعدنا إنتاج ما ثرنا عليه، ولكن بأسماء جديدة، لنجد أنفسنا نقف على أنقاض بلد منقسم ومتشظٍ، عالقين بين ثورة لم تكتمل وثورات مضادة لم تنتصر، بين حلم الدولة المدنية، وبنادق العسكر، وسكاكين المتطرفين، وربطات عنق الفاسدين.

الأخطر ليس الفوضى نفسها، بل فقدان الأمل ويأس الناس من السياسة، ومن شعاراتها، ومن كلمة "ثورة" ذاتها. كثيرون ممن خرجوا في فبراير صاروا يتحاشون حتى الحديث عنها؛ ليس لأنهم ندموا على الرغبة في التغيير، بل لأنهم خُذلوا وخاب أملهم في نتائجها.

ومع ذلك، لا أؤمن بفكرة أن فبراير هي السبب في كل ما حدث، هذا أعدّه تبسيطا مريحا، فالأزمة أعمق من حدث واحد، نحن نعيش نتائج تراكمات طويلة: ظلم ممنهج، وقمع مركب، ودولة هشة، ومجتمع مفكك، ومؤسسات منهارة. الثورة كشفت المرض وسهّلت تشخيصه، لكنها لم تكن وحدها سبب تفاقمه.

هل لا يزال هناك أمل؟ ليس بالصيغة العاطفية التي عرفناها في 2011، إن حدثت ثورة أخرى، فلن تشبه المشهد السابق، لن يقودها من عاشوا وهج فبراير، بل جيل جديد تربّى على نتائج الفوضى، جيل أقل رومانسية وأكثر برودة وأشد صرامة في محاسبة الجميع.

ربما وصف أنطونيو غرامشي حالتنا بدقة حين قال إن الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وربما ما نعيشه ليس سوى هذا المخاض الطويل.

لا أكتب هذه الكلمات لأجل جلد الذات، ولا لتمجيد ماضٍ فات، أكتبها لأن الاعتراف بالفشل شرط للنضج. الثورة ليست مقدسة، وليست شيطانية كذلك، بل هي مجرد أداة، إن لم تُلحَق بمشروع واضح لبناء دولة القانون والمؤسسات، تتحول إلى ذكرى سنوية لا أكثر.

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الثورة ليبيا الفوضى ليبيا ثورة فوضى قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء قضايا وآراء مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة

إقرأ أيضاً:

تدهور خطير في صحة الغنوشي وهيئة دفاعه تحذر

كشفت هيئة الدفاع عن زعيم حركة النهضة التونسية الشيخ راشد الغنوشي، الخميس، عن تدهور خطير في وضعه الصحي داخل سجن المرناقية.

وكشفت الهيئة في بيان أن الغنوشي تعرّض الأسبوع الماضي لحالة إغماء وإعياء شديدة، في حين ترفض السلطات التونسية السماح لمحاميه أو ذويه بزيارته، وسط تعتيم كامل على حالته، وفقا للبيان.

وقالت الهيئة "نُعرب عن بالغ انشغالنا إزاء التدهور الخطير في وضعه الصحي تبعاً لما نقله عدد من المحامين عن تعرضه لحالة إغماء وإعياء شديدة يوم الجمعة الماضي"، مضيفةً أن "السلطات رفضت الموافقة على الزيارة سواء من المحامين أو أفراد العائلة، في انتهاك صارخ للقانون وللحقوق الأساسية للسجين".

وحمّلت الهيئة السلطات التونسية "المسؤولية الكاملة عن هذا الانتهاك وعن سلامته الجسدية ووضعه الصحي"، مستندةً إلى قرار أممي يعتبر الغنوشي محتجزاً قسرياً ويطالب بالإفراج عنه والتحقيق في الانتهاكات التي طالته.

وليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها الغنوشي البالغ من العمر 84 عاماً لوعكة صحية خلف القضبان؛ إذ سبق لمحاميه مختار الجماعي أن أكد أن موكله يعاني من ظروف إقامة غير ملائمة وضعف في الرعاية الصحية داخل السجن، انعكس سلباً على وضعه.



وفي نيسان/ أبريل الماضي نُقل الغنوشي إلى المستشفى إثر تدهور حاد في حالته، قبل أن تشهد حالته استقراراً نسبياً.

ويقبع الغنوشي في السجن منذ توقيفه في 17 نيسان/ أبريل 2023، إثر مداهمة منزله، بتهمة "التحريض على أمن الدولة"، بسبب تصريحات منسوبة إليه.

ومنذ ذلك الحين تتراكم الأحكام القضائية الصادرة بحقه؛ ففي شباط/ فبراير 2024 قضت المحكمة بسجنه ثلاث سنوات بتهمة تلقي تمويل أجنبي خلال انتخابات 2019، وفي شباط/ فبراير 2025 صدر بحقه حكم بالسجن 22 عاماً بتهمة المساس بأمن الدولة في قضية "أنستالينغو".

وفي حزيران/ يونيو 2026 قضت محكمة بسجنه مدى الحياة مع 30 سنة إضافية في قضية "الجهاز السري". ويصل مجموع الأحكام الصادرة بحقه حتى اليوم إلى أكثر من ستين عاماً.

وقد وصف الغنوشي من داخل سجنه جميع التهم الموجهة إليه بأنها "سياسية وملفقة"، فيما تؤكد هيئة الدفاع عنه الطابع السياسي لملفات الملاحقة.

مقالات مشابهة

  • صحيفة الثورة الجمعة 10 صفر 1448- 24 يوليو 2026
  • شمس البارودي: عمر الوحيد من أبنائي الذي أحب مهنة والده حسن يوسف
  • تدهور خطير في صحة الغنوشي وهيئة دفاعه تحذر
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • بعد مرور موعد 4 يوليوز…أسر السماعلة بعين الشق هدموا بيوتهم أملاً في الاستقرار وينتظرون انفراجاً وتجاوباً من السلطات
  • متحدث القدس المحتلة: 4248 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى
  • غريميو البرازيلي يعلن ضم أحد نجوم منتخب كاب فيردي
  • العجري: بإمكان السعودية تجنيب نفسها تبعات الحصار بالانسحاب من اليمن ودفع التعويضات
  • الجار الذي لا يخالط جيرانه
  • تغير المناخ يفاقم حدة الجفاف في أوروبا