لماذا نترقب الهلال مساء 29 من الشهر الهجري وليس طورا آخر للقمر؟
تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT
قد يبدو البحث عن الهلال مساء اليوم التاسع والعشرين من الشهر الهجري أمرا بديهيا؛ فمنذ الطفولة ونحن نسمع من المختصين أن الشهر القادم يبدأ برؤية الهلال، لكن خلف هذه البساطة سؤال يستحق التوقف: لماذا نترقّب الهلال تحديدا بوصفه علامة البداية، لا أي طور آخر من أطوار القمر كالتربيع الأول مثلا؟
للإجابة عن هذا السؤال، نحتاج أن نتعلم بعضا من علم الفلك عن حركة القمر في السماء، الأمر الذي يعطينا فهما لدورة القمر حول الأرض، ومن ثم نفهم لم تبدأ الشهور وتنتهي بالأهلة.
هنا دعنا نبدأ بتجربة بسيطة، ضع أمامك – على الطاولة – مصباحا ذا قدرة إضاءة عالية، ثم أمسك بكرة بلاستيكية صغيرة ومد يديك بها إلى الأمام، ثم در حول نفسك أمام المصباح.
هنا سوف تلاحظ أن إضاءة المصباح ستنعكس على تلك الكرة في يديك، لكن هذا الانعكاس سيعطي إضاءة تختلف شيئا فشيئا مع دورانك، فمثلا حينما تكون في مواجهة المصباح لن تتمكن من رؤيتها بوضوح لأن شدة إضاءة المصباح تعميك، في هذه الحالة تكون الكرة "مظلمة تماما".
أما حينما تبدأ في الدوران فسوف تلاحظ تزايد إضاءة المصباح على الكرة، بالضبط كأطوار القمر التي تبدأ بالهلال، ثم يتزايد قليلا فيمتلئ حتى التربيع الأول، ثم البدر، يحدث البدر حينما يكون ظهرك للمصباح والكرة أمامك فتراها مضيئة بالكامل من منظورك (تخيل فقط أنك صغير الحجم بحيث تمرر الضوء للكرة)، ثم بعد ذلك تتناقص إضاءة القمر حتى تعود إلى الصفر من جديد.
يعني ذلك أن أطوار القمر بالأساس ليست إلا منظورنا على الأرض تجاه القمر؛ أما القمر نفسه فهو مضاء دائما بنسبة 50 بالمئة من قبل الشمس كما يظهر بالتصميم المرفق.
الآن دعنا نتأمل تلك الدورة الخاصة بالقمر لكن من منظورنا على الأرض، يولد الشهر القمري الجديد حينما يكون القمر واقفا تماما بجوار الشمس "قمر جديد"، فلا نتمكن من رؤيته لأن نور الشمس يعمينا عنه، ثم في اليوم التالي يكون القمر قد تحرك في دورته قليلا مبتعدا عن الشمس، في تلك الحالة سنرى الشمس تغرب ثم يغرب القمر بعدها.
بالنسبة إلينا يتأخر غروب القمر بعد الشمس بنحو 50 دقيقة كل يوم، هذا ليس سحرا، ولكنه فقط المقابل الطبيعي لحركة القمر حول الأرض، من منظورنا على الأرض.
دعنا نضرب مثالا بسيطا: في أحد الأيام، إذا غربت الشمس في السادسة مساء وغرب القمر بعدها في 06.50، في اليوم التالي نضيف جرعة فيغرب القمر في 07.40، ثم 50 دقيقة إضافية لليوم التالي فتغرب الشمس في السادسة تقريبا والقمر في 08.30 مساء، وهكذا نستمر في إضافة 50 دقيقة كل يوم، ويستمر القمر موجودا في السماء لفترة أطول ومسافة أكبر بينه وبين الشمس.
يعني ذلك أنه في يوم البدر، بعد نحو 14 يوما، سيكون قد مر عدد من الدقائق يسمح أن يشرق القمر (من الشرق) في اللحظة التي تغرب فيها الشمس من الجهة الأخرى، ويظل القمر يتباعد في غروبه عن الشمس يوما بعد يوم، حتى يصل إليها من الجهة الأخرى فيتقابلان من جديد ويبدأ شهر آخر.
لهذا السبب يتغير موضع القمر في السماء كل ليلة، يبدو الأمر وكأنه يقفز في السماء، تراه في بعض الأحيان قريبا من الشمس، وفي بعض الأحيان بعيدا عنها، قد تراه نهارا وقد تراه فجرا أو بعد الغروب، السبب هو تلك الحركة.
بحلول نهاية الشهر القمري، تتناقص الإضاءة على سطح القمر شيئا فشيئا، فهو يقترب من الشمس، ويعني ذلك أننا نرى هلالا في بداية الشهر وهلالا في نهايته، لكن هناك فارق لطيف بينهما يمكن لك في العالم العربي أن تلاحظه، فعندما يكون القمر في الهلال المتزايد يبدو كأنه حرف سي (C) معكوس، وإذا رأيته بهذه الهيئة فهذه عادة إشارة إلى أننا في بدايات الشهر القمري، وفي نهاية الشهر نصل إلى الهلال المتناقص الذي يشبه حرف سي (C) عادي، وعندها نكون قد اقتربنا من نهاية الشهر القمري.
يستمر الأمر حتى نصل مجددا إلى لحظة المحاق أو القمر الجديد، وهي النقطة التي تبدأ معها الشهور القمرية.
الشهور الهجرية على الجانب الآخر لا تبدأ بالمحاق، بل برؤية الهلال الأول الذي يلي المحاق، وهو أول علامة واضحة يمكن رؤيتها بالعين المجردة بعد اختفاء القمر في المحاق، بشكل يتناسب مع مفهوم "الشهر" كدورة كاملة، من ظهور الهلال إلى اختفائه ثم ظهور هلال جديد؛ دورة قابلة للتكرار والعد.
كانت تلك هي طبيعة نظر البشر للتقاويم القمرية على مر التاريخ، وجاء الإسلام بمفهوم "الرؤية"، وهو مفهوم شرعي واسع، فقد ترى بعض التوجهات الفقهية أن الرؤية تكون بالعينين المجردتين، وترى أخرى أنها من خلال تلسكوب، ويرى فريق ثالث أن الرؤية تكون عبر تلسكوبات نهارية متقدمة، ويرى فريق آخر أن المعرفة الفلكية تعد نوعا من البصيرة، وتساوي الرؤية، وداخل كل رأي مما سبق توجد آراء أخرى أكثر تنوعا وتعقيدا، والفكرة الأساسية أن لكل دولة معاييرها الشرعية التي اتفق عليها فقهاؤها بعد بحث وتمحيص.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات فی السماء القمر فی
إقرأ أيضاً:
مقاومة الجدار والاستيطان: الاحتلال يستولي على أراضٍ بحجة الاستملاك في بيت لحم
رام الله - صفا
قالت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يوم الثلاثاء، إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي أصدرت أمرا عسكريا جديدا بالاستيلاء على 300 دونم من أراضي المواطنين في منطقة جبل الفريديس (الهيروديون) الواقعة على أراضي عرب التعامرة شرقي محافظة بيت لحم، تحت مسمى "الاستملاك لأغراض عامة" و"تطوير الموقع الأثري".
وأكد رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الوزير مؤيد شعبان أن الأمر الجديد يشكل ثالث أوامر الاستملاك التي تُصدرها سلطات الاحتلال منذ بداية عام 2026، في إطار سياسة متسارعة تهدف إلى فرض السيطرة القانونية والإدارية على الأراضي الفلسطينية، وتحويلها لخدمة المشاريع الاستيطانية الاستعمارية، من خلال تجيير منظومة الأوامر العسكرية الرامية إلى نزع ملكية الأراضي.
وأوضح أن هذا الأمر يعد سادس أوامر الاستملاك التي تستهدف مواقع أثرية وتراثية فلسطينية في جملة الأعوام القليلة الماضية أبرزها: موقع أخليوس في محافظة أريحا، ودير سمعان ودير قلعة في محافظة سلفيت، وموقع سبسطية في محافظة نابلس، والنبي صاموئيل مؤخرا شمالي القدس، في مؤشر واضح على تصاعد استخدام الاحتلال للرواية الأثرية والتاريخية أداة للاستيلاء على الأرض وتعزيز مشاريع الضم وفرض الوقائع الاستعمارية على الأرض الفلسطينية المحتلة.
وأضاف أن الموقع المستهدف بالأمر الحالي سبق أن أعلنت سلطات الاحتلال عام 2024 ما مجموعه 171 دونما من الأراضي المحيطة بالموقع "أراضي دولة"، قبل أن تعود اليوم لتوسيع نطاق سيطرتها من خلال استملاك على الموقع ذاته مضيفة إليها أكثر من 130 دونما، ليصبح مجموع الاستيلاء الإجمالي 300 دونم تشمل المنطقة ذاتها وأراضي أخرى محيطة بها، ما يكشف عن خطة متدرجة وممنهجة تهدف إلى إحكام السيطرة على كامل الحيز الجغرافي للموقع ومحيطه، من خلال استدعاء المسميات المختلفة للاستيلاء.
وشدد على أن سياسة الاستملاك التي تنفذها سلطات الاحتلال في الضفة الغربية تمثل إحدى أخطر الأدوات المستخدمة لفرض الضم الفعلي للأراضي الفلسطينية، خاصة أنها تستند إلى تشريعات وإجراءات أحادية الجانب يفرضها الاحتلال على الأرض المحتلة، في مخالفة صريحة لقواعد القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وبيّن أن استهداف المواقع الأثرية والتراثية الفلسطينية لا يقتصر على السيطرة على الأرض فحسب، بل يندرج في إطار محاولة إعادة تشكيل المشهد التاريخي والثقافي الفلسطيني، وربط هذه المواقع بالمشروع الاستيطاني الاستعماري، بما يساهم في عزلها عن محيطها الفلسطيني وتحويلها إلى مراكز جذب سياحي واستيطاني تخدم الرواية الإسرائيلية.
وأكد شعبان أن هذا القرار يأتي في سياق أوسع من الإجراءات التي تنفذها حكومة الاحتلال بهدف تعزيز سيطرتها على الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، وفرض وقائع جغرافية وقانونية جديدة تمهد لمزيد من مشاريع الضم والتوسع الاستيطاني على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وأراضيه ومقدراته.