لجريدة عمان:
2026-06-03@01:15:49 GMT

النظام العالمي الجديد

تاريخ النشر: 17th, February 2026 GMT

عندما طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ولايته الأولى، فكرة شراء غرينلاند، تفاعل العالم بدهشة وعدم تصديق. بدا الأمر عبثيًا بالكامل، أقرب إلى الكوميديا: خيال إمبراطوري يتنكّر في هيئة تفاوض عقاري؛ ومع ذلك، فإن غرينلاند مهمة فعلا، ووضعها قد يترتب عليه أثر بعيد المدى.

إن تجدد الاهتمام بأكبر جزيرة في العالم يعكس تصورًا يرى أن العالم يتجمع تدريجيًا في ثلاث مناطق نفوذ، تتمحور حول الولايات المتحدة وروسيا والصين.

وبينما يرفض بعضهم هذه الرؤية الجيوسياسية باعتبارها سوقية على طريقة ترامب، فإن الحقيقة المقلقة أنها ليست حكرًا عليه، وليست ـ بالكامل ـ بلا منطق.

ومع انحسار حقبة ما بعد الحرب الباردة، تعود إلى الواجهة بنية أكثر إقليمية وتنافسية للنظام الدولي. فالقوى الكبرى تُشكّل محيطها القريب لا بدافع الطموح وحده، بل لأن لها قيودا أيضا. وكلما امتد النفوذ إلى الخارج، بدأت الجغرافيا والقدرة الداخلية أو مقاومة الخصوم تفرض ثقلها. وروسيا والصين والولايات المتحدة، كل منها قوة نووية عظمى وأكبر دولة في نطاقها الجغرافي، لكن كلا منها مقيد بعوامل كثيرة خارج سيطرة حكومتها.

ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي، أعاد الكرملين تثبيت نفوذه على جيرانه عبر السيطرة الإقليمية، والصراعات الهجينة والمجمّدة، وأدوات الضغط الاقتصادي. فعلى سبيل المثال، ظلت بيلاروسيا مرتبطة بروسيا منذ زمن عبر الاعتماد على الطاقة والتكامل الأمني، إلى حد أنها فقدت سيادتها عمليا دون أن تُضم رسميا.

كما دعمت روسيا جيوبًا انفصالية في مولدوفا وجورجيا، وساعدت في ترسيخ حكومات استبدادية في أفريقيا، وضمّت شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم بدأت حربا واسعة النطاق في أوكرانيا.

غير أن هذه الجهود جاءت بكلفة استثنائية، وما تزال نتيجة حاسمة بعيدة المنال. وقد لا يبعث ذلك على كثير من الطمأنينة لدى جيران روسيا الأصغر في شرق أوروبا، لكنه يشير إلى أن مجال نفوذ الكرملين له حدود واضحة ونهائية.

الصين، صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في العالم، تميل إلى الاعتماد على الأدوات الاقتصادية أكثر من العسكرية، ويبدو أن امتدادها أكثر عالمية من امتداد روسيا.

وقد وظّفت روابط التجارة والاستثمار لتحقيق مكاسب جيوسياسية؛ فعلى سبيل المثال، عمدت كمبوديا ـ التي تعتمد بدرجة كبيرة على المساعدات والاستثمارات الصينية ـ إلى تعطيل رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) مرارا عن انتقاد المناورات الصينية في بحر الصين الجنوبي عامي 2012 و2016. وبالمثل، بعد أن استحوذت شركة «كوسكو» الصينية المملوكة للدولة على حصة أغلبية في ميناء بيرايوس عام 2016، استخدمت اليونان حق النقض ضد بيان للاتحاد الأوروبي ينتقد الصين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.

لكن نفوذ الصين له حدود أيضًا؛ فمبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقتها لتمويل مشروعات بنية تحتية خارج حدودها تسببت في كثير من الأحيان بضغوط ديون، وأثارت مقاومة سياسية.

وإضافة إلى ذلك، تواجه الصين في الداخل تحديات عديدة، منها تباطؤ النمو، والانكماش الديموغرافي، ونقاط ضعف هيكلية في الاقتصاد والقطاع المالي. وعلى غرار روسيا، تبقى قدرتها على إسقاط القوة خارج جوارها المباشر محدودة.

وقد صُوّر اندفاع إدارة ترامب في الآونة الأخيرة داخل الأمريكيتين على نطاق واسع بوصفه قطيعة مُربِكة مع السياسة الخارجية الأمريكية السابقة. غير أن الواقع أنه يعكس، بقدر ما يعكس مزاج ترامب، حوافز بنيوية كامنة. فرؤساء أكثر تقليدية ـ بلغة ألطف ودبلوماسية أكثر انضباطًا ـ سعوا إلى الغايات نفسها، وواجهوا القيود نفسها.

لننظر، على سبيل المثال، إلى أن دوريات الحدود الأمريكية سجّلت قرابة سبعة ملايين «واقعة مواجهة» مع مهاجرين (أي عندما يُوقَف شخص عند الحدود أو يُطرَد منها) خلال الفترة 2021-2024، وأن نحو 86% من الهيروين و93% من الكوكايين المستهلكَين في الولايات المتحدة يدخلان عبر المكسيك.

في عالم مثالي، كانت الولايات المتحدة ستتجه إلى إجراءات داخلية تقلّص استهلاك المخدرات والطلب عليها داخل المجتمع الأمريكي، وتحدّ من الهجرة عبر جعل دول المنشأ أكثر أمنا وازدهارا، لكن ذلك لم يحدث. إجمالا، ما يزال تعاطي المخدرات غير المشروع واسع الانتشار، وحتى الجهود حسنة النية لدفع نمو اقتصادي مستدام وإصلاحات مؤسسية متينة قد تحتاج أجيالًا كي تُنتج ثمارها.

وبدلًا من ذلك، حاولت الولايات المتحدة (في عهد رؤساء ديمقراطيين وجمهوريين على السواء) كبح التدفقات غير المرغوب فيها من الأشخاص والسلع عبر ممارسة الضغط على جيرانها – وخصوصا المكسيك.

فعل الرئيس باراك أوباما ذلك من خلال دبلوماسية هادئة وتعاون مؤسسي، مُؤطِّرًا إنفاذ القوانين بوصفه شراكة، مع توسيع ضبط الحدود خلف الكواليس. أما ترامب، فعلى النقيض، فيعتمد المواجهة العلنية والإكراه، مستخدما الرسوم الجمركية وغيرها من التهديدات لفرض امتثال سريع وردع من يفكرون في الهجرة.

وعلى الرغم من اختلاف الأسلوب، يبقى الهدف الكامن ـ تشكيل سياسات الجيران بما يخدم المصالح الأمريكية ـ ثابتا.

وهذا يعيدنا إلى غرينلاند؛ صحيح أن الغضب من تهديدات ترامب مفهوم، لكن الصدمة تنطوي على قدر من السذاجة. فهذه ليست المرة الأولى التي تُظهر فيها الولايات المتحدة علنا اهتماما بغرينلاند، أو تُثبت أنها تريد هامشا أوسع للتصرف الأحادي في القطب الشمالي. لقد استكشفت خيارات شراء الإقليم في القرن التاسع عشر، واحتلته خلال الحرب العالمية الثانية، وعرضت شراءه مباشرة عام 1946، ثم رفضت بعد ذلك التخلي عن وجودها العسكري هناك.

كما دفعت الولايات المتحدة باتجاه تجاوز القيود التي يفرضها «اتفاق الدفاع عن غرينلاند» المبرم بين الولايات المتحدة والدنمارك عام 1951، وذلك عبر مبادرات أحادية مثل «مشروع آيس وورم»، وهي خطة لنشر صواريخ نووية تحت الغطاء الجليدي. وبالمثل، تعاملت الولايات المتحدة مع «الممر الشمالي الغربي» باعتباره مضيقا دوليا، وتسببت في أزمات دبلوماسية مع كندا التي ترى أن هذا الممر جزء من مياهها الداخلية.

لقد هدأت توترات الولايات المتحدة مع حلفائها في القطب الشمالي بعد الحرب الباردة. لكن مع ذوبان الجليد بما يفتح مسارات بحرية جديدة في المنطقة القطبية، ويُكثّف منافسة جيوسياسية متجددة على النفوذ هناك، ارتفعت القيمة الاستراتيجية لغرينلاند، ولم تعد عودة الاحتكاكات أمرًا مفاجئًا؛ فروسيا راسخة بالفعل في القطب الشمالي، بينما تضع الصين الأسس عبر أبحاث علمية مزدوجة الاستخدام، وكاسحات جليد، وتقنيات قادرة على العمل في البيئة القطبية، وتعاون متزايد مع روسيا.

مسرحيات ترامب صدامية، لكن الدافع الكامن خلفها مألوف: ضمان حضور أمريكي وقدرة على اتخاذ قرارات أحادية، وحرمان الخصوم من الوصول، والسيطرة على نقاط استراتيجية في الخريطة. وربما كان رئيس آخر سيعتمد دبلوماسية أهدأ وإدارة أفضل للتحالفات، إلا أن الهدف ـ تعظيم هامش الحركة العملياتية لحماية المصالح الاستراتيجية الأمريكية ـ سيبقى على الأرجح هو نفسه.

قد تكون الجغرافيا والأمن والاقتصاد تعيد تشكيل العالم إلى ثلاث مناطق نفوذ متنافسة. لكن أحداثا حديثة تُظهر أن للقوة حدودًا. توسّع روسيا كان باهظًا إلى حد مُدمّر. والصين مقيّدة بضغوط داخلية متصاعدة. أما التحوّل الأمريكي نحو «الأميركيتين» – رغم الضجيج – فقد ينطوي على اعتراف بأن التفوق لا يمكن استدامته من دون حلفاء.

الانشغال بترامب يُفوّت الصورة الأكبر؛ فالقوى البنيوية، أكثر من الشخصيات، هي التي تدفع التغير الجيوسياسي. والإقرار بذلك شرط أساسي للعثور على مساحة للتسوية، وتجديد التحالفات اللازمة للحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الولایات المتحدة التی ت

إقرأ أيضاً:

رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة

ذكرت وكالة رويترز، منذ قليل، بإن إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة، موضحة أن طهران تقول إنها لم تتواصل مع واشنطن خلال الأيام القليلة الماضية، وفقا للقاهرة الإخبارية.

الخزانة الأمريكية: فرض عقوبات جديدة على كيانات ذات صلة بإيران وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، اليوم الثلاثاء، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • روبيو: الولايات المتحدة لم تصل بعد إلى مبتغاها في فنزويلا
  • ميدو عادل: النقاش مع الجيل الجديد أكثر صعوبة من الماضي
  • رويترز: إيران تدرس اتفاقا مقترحا لوقف الحرب مع الولايات المتحدة
  • وزير الخارجية الأمريكي: الولايات المتحدة لا تسلح المدنيين في إيران
  • إعلام عبري: الولايات المتحدة تعتزم تدريب الجيش اللبناني
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • مرموش يطير إلى الولايات المتحدة للانضمام لمعسكر المنتخب
  • جريمة قتل ضحيتها 4 أشخاص تهز الجالية اليمنية في الولايات المتحدة الأمريكية
  • "رحلة العائلة المقدسة في الفن العالمي".. بالعدد الجديد من مجلة "مصر المحروسة"
  • محافظ الوادي الجديد: توريد أكثر من نصف مليون طن قمح حتى الآن