عربي21:
2026-06-03@03:42:26 GMT

لماذا أصبحت تونس هكذا؟!

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

لا حديث هذه الأيام في تونس سوى عن فضيحة مؤلمة للغاية جرت في إحدى روضات الأطفال في العاصمة هزّت وجدان الجميع، ومعها يقف التونسيون مرة أخرى أمام حقيقة مرة وهي أن البلاد والعباد يمرّان بأزمة أخلاقية عميقة وبالغة التعقيد مسّت كل جوانب الحياة.

ما من مجال اليوم في تونس إلا وسادته الفوضى والإهمال وفي ذلك تهديد حقيقي لسلامة البلاد الاجتماعية والأمنية، فإن أنت ذهبت إلى المدارس والمعاهد الثانوية مثلا، فلن تجد لها في الغالب حرمة ولا احتراما.

بات التسيّب هو القاعدة وتفشت هناك المخدّرات ومروّجوها وكثيرا ما تعرّضت الكوادر التربوية إلى اعتداءات من التلاميذ، وحتى من أوليائهم لسبب أو آخر (!!) بل وتعرّضت بعض المعاهد إلى هجوم بالحجارة من شباب غرباء عنها.

إن أنت ذهبت إلى المستشفيات مثلا، فلن تجد فيها في الغالب من النظام وجودة الخدمات وحتى النظافة إلا القليل. ومع أن الكوادر الطبية التونسية مشهود لها بالكفاءة العالية فإنها لا تلاقي من الاحترام والتقدير ما يليق بها حتى اضطر الكثير منها إلى الهجرة بعد أن بات من الشائع مثلا أن يتعرّض طبيب أو ممرّض إلى الضرب على يد مريض أو مرافقيه لسبب أو آخر (!!).

إن أنت ذهبت إلى الإدارة لأي معاملة مثلا، فلن تجد في الغالب إلا وجوه عابسة تستمتع ببهدلة المراجعين بمزيد التعقيدات والمستندات والتوقيعات والمواعيد التي لا تحترم. هذا طبعا دون أن ننسى الرشوة التي تزداد تفشّيا على كل المستويات أو الغياب عن مواقع العمل مما يربك المراجعين بلا شك فتطول معاملاتهم مع أنها قد تكون بسيطة.

إن أنت تجوّلت في شوارع العاصمة وأحيائها فستصدم في الغالب بمستوى النظافة حيث الأوساخ مرمية في كل مكان والأعشاب على جنبات أرصفة لم تعد لها قيمة بعد أن احتلتها السيارات أو المحلات أو المقاهي التي توسّعت على حسابها دون ترخيص. باتت الأرصفة في شوارع شهيرة في قلب العاصمة أسواقا شعبية ببسطات بضائع من كل نوع، ما أفسد المظهر وأربك المحلات التجارية التي تمركزت أمامها.

إن أنت تابعت مثلا ما يحدث في المجتمع من قضايا فستذهل من ارتفاع مستوى الجريمة والسرقة وقضايا المخدرات وحالات اغتصاب وحشية ومرعبة وقتل لأتفه الأسباب وحالات انتحار حتى بين الأطفال!! هذا طبعا دون أن ننسى مستوى الأمن في الشوارع، ليلا أو نهارا، فقد انتشرت حالات النشل وبعضها بالسلاح الأبيض، ويحدث أن تنصب كمائن للسيارات بما فيها سيارات التاكسي لنهب أصحابها وراكبيها.
هناك انهيار في كل شيء وتدهور في السلوكيات مريع، وهناك استهتار مجتمعي متصاعد بشيء اسمه القانون أو النظام أو الاحترام المتبادل
إن أنت تابعت حركة السير مثلا، فلن ترى سوى عدم احترام إشارات المرور بشكل جماعي تقريبا. عادي جدا ألا يقف الكثير عند الإشارة الحمراء، فضلا عن ركن السيارات في الأماكن المحظورة وفوق الأرصفة وتحت الجسور والسير في الاتجاه المعاكس بكل عنجهية ودون خوف من العواقب.

أما إن أردت أن تعرف مستوى النقل العام مثلا فلن تجد فيه إلا كل ازدحام لا يطاق وعدم احترام كامل لمواعيد الانطلاق والوصول مع تهالك الحافلات والقطارات سواء داخل المدن أو بينها. أما إن وصلت المطار قادما من الخارج فمن العادي جدا أن تنتظر حقيبتك لأكثر من ساعة، وقد تجدها مفتوحة وقد أخذت منها عديد الأغراض. ولن تجد من يستمع إليك أو ينصفك!

باختصار، هناك انهيار في كل شيء وتدهور في السلوكيات مريع، وهناك استهتار مجتمعي متصاعد بشيء اسمه القانون أو النظام أو الاحترام المتبادل. مؤلم جدا ومخجل أن يقال كل ما قيل هنا، وغيره كثير جدا، وهو وضع دعا مثلا أحد نشطاء التواصل الاجتماعي إلى إنشاء صفحة سمّاها “علاش هكّا” (لماذا هكذا؟!) ينشر فيها بجوّاله مقاطع مصوّرة ترصد العديد من مظاهر التسيّب وعدم التحضّر عساه بذلك يحرّك ضمائر أناس ومسؤولين يبدو وكأنهم طبّعوا جميعا مع هذا الانحلال المتواصل الذي قد لا يدركه مصدوما إلا من يزور تونس بعد غياب وبعد أن رأى نماذج راقية في أكثر من بلد عربي لم يكن من قبل أفضل منها.

لم تكن تونس من قبل بهذا المستوى أبدا، ولا معنى هنا لتبرئة أي كان فالكل مسؤول على جميع المستويات. لا ندري إن كان الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتدهور في البلاد يمكن أن يفسّر بعض هذه المظاهر؟ أو غياب الوعي والتنشئة التربوية السليمة في المدارس التي غابت لعقود بحيث بانت اليوم نتائجها الكارثية؟ أو هو الإحباط واللامبالاة وقد تحوّلا إلى غضب ونقمة على كل شيء؟ أو كل ذلك معا. أمر يحتاج فعلا إلى صرخة فزع أولا ثم البحث عن حلول سريعة ونافذة.

هناك للأسف الشديد تفكك مجتمعي وأزمة قيم أخلاقية لم تنشأ فجأة، بل هي نتيجة تراكمات سنوات طويلة. ومع ذلك فمسؤوليتها في نهاية المطاف تقع على القيادة السياسية الحالية التي لم تكن يوما نموذجا في احترام القانون أو فرض النظام وهي أبسط واجباتها وأكثرها بداهة، فقد انصرفت لتمكين نفسها ورمي معارضيها في السجون وإطلاق الاتهامات وأجواء الكراهية كل يوم، بلا رؤية أو مشاريع تشيع الأمل، تاركة البلاد والعباد يغرقون في مستنقع الله أعلم متى الخروج منه.

القدس العربي

المصدر

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه تونس الاقتصادي اقتصاد تونس حريات قيس سعيد سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة فی الغالب إن أنت

إقرأ أيضاً:

القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا

قالت القيادة المركزية الأمريكية، منذ قليل، أن الناقلة التي عطلتها قواتها كانت ترفع علم بوتسوانا ولم تمتثل للتوجيهات، موضحة أن إحدى طائراتهم عطلت الناقلة بصاروخ هيلفاير استهدف غرفة المحركات، وفقا للقاهرة الإخبارية.

عاجل.. سماع دوي انفجارات في منطقة جزيرة قشم بإيران وزير خارجية إيران يبحث مع نظيره السعودي آخر المسارات الدبلوماسية لخفض التوتر

إقرأ أيضا..رئيس لبنان: دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة

وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، اليوم الثلاثاء، إن إيران تناقش جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها، مُشددًا على أن الولايات المتحدة لن تسمح بأية طموحات نووية إيرانية.

واضاف روبيو - خلال الإدلاء بشهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ - أن هذا التطور يمثل فرصة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن إيران باتت الآن مستعدة للخوض في قضايا كانت تُعتبر من المحظورات قبل أشهر قليلة.

وأشار إلى أن الانقسامات الداخلية في الحكومة الإيرانية أبطأت العملية، حيث تستغرق الردود أياماً في كثير من الأحيان.

وأعرب روبيو عن أمله في إعادة فتح مضيق هرمز، وأن يتمكن الجانبان من التوجه نحو مفاوضات مركزة على قضايا محددة، بهدف التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين.

وقال روبيو إن هناك دلائل تشير إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي يشارك بشكل متزايد على مستوى ما في المفاوضات.

وأضاف أن الشرط الأول في المحادثات مع إيران هو فتحها لمضيق هرمز، مشيرًا إلى أن طهران لن تحصل على تخفيف للعقوبات لمجرد فتح مضيق هرمز، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مشروطاً.

فيما جاء الرئيس اللبناني، جوزيف عون، تأكيده أن دماء شهداء الجيش والقوى المسلحة اللبنانية لن تكون موضع مساومة مهما كانت الظروف أو المواقف، مشدداً على التزامه بحماية حقوق الشهداء وعائلاتهم وصون التضحيات التي قدموها دفاعاً عن لبنان.

هذا خلال استقبال الرئيس اللبناني، وفداً ضم ممثلين عن أهالي شهداء الجيش اللبناني في أحداث عبرا، حيث نقل أعضاء الوفد موقفهم من المداولات النيابية الجارية بشأن اقتراح قانون العفو وخفض العقوبات، معربين عن تخوفهم من إقرار أي نص قانوني يكون على حساب دماء الشهداء.


وأشاروا إلى أنهم أجروا اتصالات مع عدد من النواب ولاقوا تجاوباً من بعضهم، مؤكدين ثقتهم بأن الرئيس عون سيواصل الدفاع عن حقوق العسكريين الشهداء وفاءً لتضحياتهم.


وأوضح عون موقفه من الاقتراح المتداول، مشيراً إلى أنه ليس قانون عفو بالمعنى الفعلي، بل يندرج عملياً ضمن إطار خفض العقوبات. 

وشدد على أنه لن يوافق على أي صيغة قانونية تشمل مرتكبي جرائم قتل المدنيين أو العسكريين، مؤكداً أنه سيستخدم صلاحياته الدستورية في كل ما يتعلق بهذا الملف.

مقالات مشابهة

  • القيادة الأمريكية: الناقلة التي عطلتها قواتنا كانت ترفع علم بوتسوانا
  • كل ما تريد معرفته عن المجموعة السادسة في كأس العالم 2026
  • الحكم بسجن راشد الغنوشي 106 سنة ومدى الحياة في تونس
  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • وكالة الطاقة الذرية: هناك تغير جوهري في تقييم برنامج إيران النووي
  • برلماني: العلمين الجديدة أعادت رسم خريطة التنمية في مصر
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • وزير الخارجية الأميركي: هناك احتمال بأن تكون إيران وافقت على التفاوض بشأن جوانب من برنامجها النووي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض