البذور: محرك الأمن الغذائي المرن في عصر التحديات المناخية
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
د. سيف بن علي الخميسي
البذور أكثر من مجرد وسيلة لإكثار النباتات، إنها المدخل الحيوي الذي يحدد مصير المحصول، وحجر الزاوية في منظومة الأمن الغذائي العالمي. ففي كل بذرة تكمن إمكانية التكيف مع الظروف البيئية المتغيرة، ومقاومة الأمراض، وتحسين القيمة الغذائية، وزيادة الإنتاجية. ولهذا، فإن كفاءة وسلامة سلسلة إمداد البذور، من اختيار الأصول الوراثية وحتى وصولها إلى يد المزارع، هي مقياس لمدى صمود واستدامة النظم الزراعية.
يتناول المقال إحدى مدخلات الإنتاج المهمة، وهي البذور، بدءا من إنتاجها إلى تسويقها. كما يوضح أهميتها الحيوية في الأمن الغذائي والتنمية الزراعية، مستعرضا سلسلة مراحلها من إنتاج البذور (اختيار الأصول الوراثية، برامج التربية، الإكثار، مراقبة الجودة)، مرورا بعمليات المعالجة والتعبئة والتخزين، ووصولا إلى تسويق البذور محليا ودوليا، مع توضيح آليات ضمان الجودة والاعتماد (Seed Certification) المتبعة دوليا. ومناقشة التحديات اللاحيوية ذات العلاقة بإنتاج البذور مثل: تغير المناخ، تدهور الخصوبة، فقر الموارد الوراثية، محدودية تقنيات الإنتاج، وضعف أنظمة التسويق. ويقدم أمثلة عالمية ناجحة في تحسين سلاسل إمداد البذور، انتهاء بتوصيات عملية لتعزيز صناعة البذور وتحقيق تنافسيتها. إن التوافق بين مساهمة البذور المحسنة والحاجة المتوقعة لزيادة الإنتاج العالمي يؤكد أن تحقيق الاستدامة والنمو المطلوبين سيكون مستحيلا دون وضع تحسين وتوزيع البذور عالية الجودة في مركز أي استراتيجية زراعية. فالإنتاج الأفضل يبدأ حتما من بذور أفضل؛ حيث لا يمكن الحصول على محاصيل جيدة دون بذور عالية الجودة. وحيث إن التنوع الوراثي في البذور هو مفتاح صمود النظم الزراعية في مواجهة التحديات المناخية، فالأصناف المكيفة محليا أو المطورة حديثا يمكنها أن توفر خصائص تغذوية محسنة تتحمل الجفاف والملوحة وتتصدى للآفات والأمراض الجديدة.
التحدي المناخي ومراحل
إنتاج البذور والتربية المتقدمة
لقد أصبح التغير المناخي، بما يحمله من تقلبات مناخية متطرفة، المحرك الرئيسي لضرورة تطوير قطاع البذور. تخلق عوامل مثل ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار (ما بين الفيضانات والجفاف) والظواهر الجوية المتطرفة تحديات عميقة في كل مرحلة من مراحل السلسلة، بدءا من إنتاج البذور وصولا إلى إنتاجية المحاصيل. وتعد سلسلة مراحل إنتاج البذور من العمليات المعقدة التي تبدأ باختيار الأصول الوراثية المناسبة وتتضمن تقييم التنوع البيولوجي للنباتات وتحديد السمات المرغوبة، مثل مقاومة الجفاف أو ارتفاع المحصول، وتمر عبر تقنيات التربية المتقدمة لضمان الجودة الوراثية والفسيولوجية اللازمة لتحمل الإجهاد البيئي. وبالتالي فإن نجاح أي برنامج تربية يتسم بوجود قاعدة واسعة ومتنوعة من الأصول الوراثية. لا تقتصر هذه الأصول على السلالات التجارية فحسب، بل تشمل أيضا المعارف الموروثة لدى المزارعين من أصحاب الحيازات الصغيرة، التي وصفت بأنها «محركات عجلة التنمية الزراعية». هذه الأصول المحلية هي مخزون المقاومة الطبيعية والقدرة على التكيف مع البيئات الهامشية. بعد تطوير الصنف، يتم إكثار البذور الأساسية (Foundation Seed) ثم البذور المسجلة (Registered Seed) وصولا إلى البذور المعتمدة (Certified Seed ) في حقول معزولة وتحت إشراف دقيق لضمان نقائها الوراثي. ويعد النقاء الوراثي (Genetic Purity ) عاملا حاسما في هذه العملية؛ حيث أظهرت الدراسات أن فقدان النقاء الوراثي يمكن أن يحدث بسبب الخلط الميكانيكي أو التلقيح الخلطي غير المرغوب فيه، مما يؤثر سلبا على أداء المحصول النهائي. تشير الدراسات إلى أن الأصناف المتأقلمة محليا يمكن أن تصلح لتكون كائنات مرجعية (Reference Organisms) تستخدم في سياق تقييم المخاطر، على سبيل المثال عند تقييم الأشجار المحورة وراثيا، مما يؤكد القيمة العلمية لهذه الموارد غير المختارة تجاريا. وهناك خطر حقيقي يهدد بانقراض عدد من الموارد الوراثية للمحاصيل الغذائية الأساسية المحلية. وبالتالي فإن خسارة هذه الأصول الوراثية المتأقلمة تمثل خسارة دائمة لما يسمى «الذاكرة البيئية» للمنطقة، وتقوض قدرتها على التكيف مستقبلا.
برامج التربية المقاومة للإجهاد:
الأساس الفسيولوجي والجزيئي للإنتاج
لم يعد تطوير الأصناف الجديدة يعتمد فقط على الانتخاب التقليدي، بل أصبح مرتكزا على الفهم العميق للعمليات الفسيولوجية والجزيئية للنبات. يهدف برنامج فسيولوجيا النبات (Plant Physiology) إلى دراسة كيفية عمل النبات في بيئته، ويستخدم هذا الفهم لإنشاء إجراءات الفرز المستخدمة في تحسين الأصناف. إن مقاومة الجفاف تبدأ بفهم ديناميكيات الماء داخل النبات
الفهم الجيد لخصائص النبات والكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية يعد من أهم العوامل التي تساعد على فهم العمليات المعقدة داخل البذور. على سبيل المثال، يعد فهم جهد الماء، بما في ذلك الضغط الأسموزي (Osmotic Potential) وضغط الامتلاء أو التورجر (Turgor Pressure)، أمرا بالغ الأهمية لتربية أصناف مقاومة للجفاف. ويعرف ضغط التورجر بأنه الضغط الهيدروستاتي الإيجابي داخل الخلايا، ويشير فهمه إلى قدرة النبات على الحفاظ على صلابة أنسجته ووظائفه الحيوية تحت ظروف نقص الماء. على المستوى الجزيئي، يتم تحديد مرونة النبات وقدرته على إعادة توجيه الطاقة للنجاة بدلا من النمو من خلال شبكات إشارات معقدة. ويتم تنشيط معقدات بروتين كيناز مثل SnRK1 وTOR التي تعمل بشكل متعاكس؛ حيث يُنشط بروتين (TOR) عادة في الظروف الغنية بالمغذيات لتعزيز النمو والتكاثر. أما بروتين (SnRK1) فينشط تحت ظروف الإجهاد (نقص الطاقة) ويعزز مسارات الدفاع والبقاء على قيد الحياة. يمثل التوازن بين هذين المسارين الآلية الجزيئية التي تحدد قدرة الصنف على الصمود. فإذا كان الصنف يركز كل موارده على النمو بتفعيل بروتين (TOR) فإنه ينهار سريعا تحت الإجهاد؛ أما الأصناف الأكثر مرونة فهي تلك التي يمكنها إعادة توجيه الموارد نحو الدفاع والبقاء بتفعيل بروتين (SnRK1). تشير نتائج بحثية متقدمة إلى أن آليات التعديل المذكورة يمكن أن تخفف من إجهاد الملح على محصول النبات، مما يسمح بالحفاظ على الإنتاجية في ظل مقاومة الأمراض والملوحة. توفر هذه النتائج أدوات دقيقة للتربية الحديثة لتطوير أصناف مستقرة مناخيا تحافظ على غلتها العالية حتى في البيئات المتغيرة.
الإكثار ومراقبة الجودة الميدانية
(Field Quality Control)
تعتمد جودة البذور النهائية بشكل حاسم على بيئة إنتاجها. يتطلب إنتاج بذور جيدة أن يتم في مناطق لديها ظروف بيئية مناسبة، ويفضل أن تكون قطع الأراضي قابلة للري لتقليل آثار الإجهاد الناجم عن الظروف غير الملائمة. كما يجب أن تكون المناطق المستخدمة لإنتاج الأصناف مستقرة وموحدة مناخيا لضمان عوائد ثابتة وجودة مستمرة، حتى تحت الظروف المناخية المختلفة. في مناطق الشرق الأوسط الجافة والمتقلبة، يؤثر الإجهاد المناخي سلبا ليس فقط على المحصول الغذائي، بل على جودة البذرة المنتجة نفسها (مما يؤدي إلى انخفاض معدلات الإنبات). لذلك، يجب على شركات البذور أن تستثمر في مناطق «مستقرة مناخيا» لإنتاج البذور الأم، حتى لو كانت بعيدة عن مناطق زراعة المحصول النهائي، لضمان النقاء الوراثي والفسيولوجي. بعد استنباط الصنف الجديد، تبدأ مرحلة الإكثار، وهي ببساطة تحويل كمية قليلة من البذور إلى إنتاج تجاري واسع. وهنا، كل خطوة محسوبة بدقة بحيث يتم عزل الحقول ومراقبة النقاوة والتأكد من أن البذور المنتَجة تحمل الصفات نفسها التي تم تطويرها في المختبر. تشير الدراسات إلى أن أي تلوث وراثي حتى لو كان بسيطا قد يفقد الصنف ميزاته، وهو ما يجعل هذه المرحلة من أدق مراحل الصناعة. ولأن البذور تتحكم في مصير المحاصيل وجودة الإنتاج، اتجهت العديد من الدول إلى اعتماد أنظمة رسمية دقيقة للفحص والاعتماد تضمن تداول بذور ذات إنبات مرتفع، ونقاوة وراثية عالية، وخلو من الأمراض، وامتثال كامل للمواصفات المعتمدة. وتوضح دراسات منشورة في مجلة Agricultural Systems أن وجود نظام اعتماد فعال يسهم في رفع ثقة المزارعين بالبذور المتداولة ويقلل خسائرهم في الحقول بصورة ملحوظة، غير أن المنطقة العربية لا تزال بحاجة إلى تعزيز قدرات مختبراتها وتحديث آليات الرقابة الحقلية لرفع جودة البذور المحلية وزيادة قدرتها على المنافسة في الأسواق.
سلسلة الإمداد: من المعالجة إلى الاعتماد
تعد مراحل ما بعد الحصاد بنفس أهمية مراحل التربية؛ حيث تحدد مدى جاهزية البذرة للاستخدام التجاري وسلامتها. وتتضمن معالجة البذور عمليات التنظيف والفرز والتجهيز لضمان أفضل حيوية وقوة لها، وتشمل أيضا استخدام التدابير الوقائية والعلاجية. تهدف المعالجة الحديثة (مثل تغليف البذور بمبيدات الفطريات، أو البكتيريا المفيدة، أو العناصر الغذائية الدقيقة) إلى حماية الجهد الوراثي والفسيولوجي الذي استُثمر في مراحل التربية. إنها خط الدفاع الأول للبذرة ضد مسببات الأمراض التي قد تتفاقم بفعل التغير المناخي. من منظور الكيمياء الزراعية، تولي الأبحاث المنشورة في المجلات العلمية أهمية قصوى لدراسة عمليات معالجة البذور وتأثيرها على المكونات الكيميائية وجودة الغذاء النهائي. فتقنيات المعالجة لا تركز فقط على زيادة معدل الإنبات الأولي، بل تمتد لتشمل ضمان سلامة الغذاء الناتج وجودته الغذائية (Nutritional Quality). ويعد التخزين السليم عنصرا حيويا للحفاظ على جودة البذور بعد إنتاجها. حيث تصنف البذور بشكل عام إلى صنفين أساسيين بناء على سلوك التخزين: البذور الأرثوذوكسية (Orthodox seeds) التي يمكن تجفيفها وتخزينها على المدى الطويل، و البذور العنيدة (Recalcitrant seeds) التي تتطلب رطوبة عالية ولا تتحمل التجفيف. ويحدد هذا التصنيف استراتيجيات الحفظ المتبعة. تعتمد جودة البذور وعمرها التخزيني على عوامل بيئية وبيولوجية؛ ومن أهمها الرطوبة النسبية المحيطة بالبذرة. إذ تؤدي الرطوبة النسبية العالية إلى زيادة محتوى الرطوبة داخل البذرة، مما يشجع على نمو العفن ونشاط الحشرات. يمثل وجود مختبرات تخزين عالمية شبكة أمان وراثية، تؤكد أن التخزين ليس مجرد عملية لوجستية، بل هو عملية علمية استراتيجية لدعم البحث والتطوير.
من ناحية أخرى فإن نظام ضمان الجودة والاعتماد (Seed Certification) هو العمود الفقري لثقة المزارعين وكفاءة السوق. وتعرف جودة البذور وصلاحيتها بأنها مقياس لكمية البذور المنتجة التي يمكن وضعها في السوق للتداول، وتتطلب اختبارات موثوقة لتقدير مدى حيويتها وقوتها. كما أن نظام الجودة الفعال هو شرط أساسي لتحقيق تأثيرات اقتصادية إيجابية. ويعد الاعتماد هو الضمان الوحيد للمزارع غير المتخصص بأن البذور التي يشتريها تتمتع بالنقاء الوراثي والمواصفات الفسيولوجية الموعودة. تتطلب كل مرحلة من مراحل سلسلة إمداد البذور متطلبات محددة لضمان الجودة والاعتماد. تبدأ المرحلة بالتربية واختيار الأصول، ويكون النشاط الرئيسي فيها هو تطوير الصنف النقي والمحافظة عليه، ومتطلب ضمان الجودة هنا هو إثبات التميز، الثبات، والتجانس (DUS).
تليها مرحلة الإكثار والإنتاج الميداني، من خلال زراعة البذور الأساسية والمعتمدة، مع ضرورة ضمان الظروف المناخية المستقرة، والري المناسب، والعزل الميداني للنقاء الوراثي. أما مرحلة المعالجة والتجهيز، فهي عبارة عن التنظيف، الفرز، والمعالجة الكيميائية/الحيوية. ويتطلب اختبار الحيوية والقوة (Vigor) في المختبر، وضمان نقاوة البذرة من الشوائب. وأخيراً، مرحلة التخزين والتوزيع، حيث يتم الحفظ على المدى القصير أو الطويل، ويعد التحكم الصارم في الرطوبة النسبية (أقل من 50%) والحرارة هو المتطلب الحاسم لضمان جودتها.
احتكار البذور: الوجه الآخر
لسيطرة الشركات العملاقة على الغذاء
تشكل السيطرة المتزايدة للشركات الكبرى على إنتاج البذور الهجينة واحدة من أبرز القضايا الزراعية إثارة للجدل في عصرنا الحالي، حيث يقف أنصار حقوق الملكية الفكرية في مواجهة تحذيرات المعارضين من مخاطر الاحتكار والهيمنة على أسواق الغذاء العالمية. من ناحية، يرى المؤيدون أن منح براءات الاختراع وحماية الأصناف النباتية للشركات يمثل حافزاً أساسياً لا غنى عنه للابتكار، حيث يستغرق تطوير أصناف البذور الجديدة ما بين 10 إلى 15 عاماً من البحث العلمي المتقدم والاستثمارات المالية الضخمة في مجالات التكنولوجيا الحيوية، وهو ما يجعل ضمان تحقيق عائد مالي معقول من هذه الاستثمارات شرطاً أساسياً لاستمرار الابتكار الذي ينعكس في النهاية على المزارعين من خلال زيادة الإنتاجية وتحسين جودة المحاصيل. في المقابل، يحذر المعارضون من تحول هذه الممارسات إلى شكل متقدم من الاحتكار الذي يهدد السيادة الغذائية للدول ويقوض استقلالية المزارعين. فقد أدت عمليات الاندماج والاستحواذ المتلاحقة إلى هيمنة عدد محدود من الشركات العملاقة على السوق العالمي للبذور، حيث تسيطر أربع شركات رئيسية - هي «بايير» و «كورتيفا» و «شيم تشاينا» و «ليماغرين» - على أكثر من 50% من هذا السوق الحيوي. وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تتحكم شركتان فقط في حوالي ثلثي مساحات الذرة وفول الصويا المزروعة، مما يخلق اختلالاً خطيراً في تنافسية السوق. وبينما يظل التوتر قائماً بين ضرورة تحفيز الابتكار من خلال حقوق الملكية الفكرية ومخاطر تركيز القوة السوقية، تبرز الحاجة إلى إيجاد نماذج توازن بين مصالح الشركات والمزارعين، مع الحفاظ على التنوع البيولوجي كتراث إنساني مشترك. وهذا يستدعي تطوير أطر تشريعية مرنة تشجع الابتكار دون إغفال الحقوق الأساسية للمزارعين والضرورات البيئية، في علاقة متوازنة تحقق الأمن الغذائي دون التضحية بالسيادة الغذائية للشعوب.
دراسات حالة عالمية
في سلاسل إمداد البذور المرنة
لتعزيز قطاع البذور في المنطقة، يجب الاستفادة من النماذج العالمية التي نجحت في بناء سلاسل إمداد بذور مرنة وقائمة على الجودة العلمية. إذ تعد هولندا، بالرغم من صغر مساحتها الزراعية، رائدة عالمياً في إنتاج وتصدير البذور. اعتمد نجاحها على تطبيق نظام صارم لاعتماد البذور يضمن النقاء الوراثي وجودة الصنف. هذا النظام أتاح للمنتجين بناء ثقة دولية في بذورهم، مما سهل عملية التصدير وحقق تأثيراً اقتصادياً إيجابياً. يعزز هذا النموذج فكرة أن الجودة التنظيمية (الاعتماد) هي أساس التنافسية العالمية، وليس بالضرورة الموارد المائية أو المساحة الزراعية الشاسعة. الهند تعد اليوم من أكبر الدول المنتجة والمصدرة للبذور في آسيا، لكن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة بل جاء من خلال رؤية واضحة قامت على الاستثمار في التربية النباتية الموجهة، ودعم البحث العلمي، وتمكين القطاع الخاص. طورت الهند أصنافاً عالية الإنتاج تتحمل الجفاف والآفات، وخاصة في محاصيل الأرز والقمح والبقوليات، مما ساهم في ثورتها الخضراء. كما اعتمدت الهند على شبكات تعاقدية مع مزارعين منتجين لبذور معتمدة، ونظام تتبع ورقابة صارم يقلل من الغش ويحافظ على ثقة السوق. وتعد التجربة الهندية ملهمة لأنها أظهرت كيف يمكن للدول ذات الموارد المحدودة أن تبني صناعة بذور قوية من خلال الاستثمار الذكي، وتكامل الأدوار بين الحكومة والمعاهد البحثية والقطاع الخاص والمزارعين.
في شرق أفريقيا - خصوصاً إثيوبيا وكينيا وتنزانيا - أدى ضعف جودة البذور في الماضي إلى تدني الإنتاجية. ومع مرور الوقت، أصبحت المنطقة مثالاً ناجحاً على التحول عبر تبني نموذج «منظومة البذور المتكاملة»، الذي يجمع بين التربية النباتية، إنتاج البذور المحسنة وشبكات التوزيع والتمكين المجتمعي. بدعم من تحالفات دولية مثل AGRA، انتقلت المنطقة إلى تطوير أصناف مقاومة للجفاف والآفات، وزيادة توافر البذور المحسنة بأسعار معقولة. كما تم إدخال شركات ناشئة محلية في إنتاج وتوزيع البذور، مما خلق فرصاً اقتصادية جديدة ورفع مستوى الاعتماد على البذور المعتمدة. وأصبحت التجربة ملهمة لأنها أثبتت أن الاستثمار في البذور ليس تقنياً فحسب، بل تنموي أيضاً، حيث أدى إلى زيادة الإنتاجية وتحسين دخل المزارعين وتعزيز الأمن الغذائي على نطاق واسع.
إنتاج البذور والتقاوي في سلطنة عمان
تكرس وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه جهوداً حثيثة لتطوير قطاع إنتاج البذور والتقاوي باعتباره العمود الفقري للأمن الغذائي المستدام، حيث تنطلق الاستراتيجية الوطنية من رؤية «عُمان 2040» لتعزيز توطين هذا القطاع من خلال برامج مكثفة لإكثار أصناف القمح العمانية المحسنة من خلال اختيار سلالات تتواءم مع البيئة المحلية. وتتكامل هذه الجهود مع إجراءات صارمة لضبط الجودة وتوزيع التقاوي بأسعار مدعومة للمزارعين، مع التركيز المتزايد في مختبرات الأمن الغذائي على استنباط بذور محاصيل الخضروات الأساسية كالبصل والبطاطس لتقليل الاعتماد على الاستيراد وضمان استمرارية سلاسل الإمداد. تعتمد سياسة البذور في سلطنة عمان على إطار قانوني وتنظيمي متطور يهدف إلى حماية الموارد الوراثية النباتية وضمان جودة الإنتاج الزراعي، حيث ينظم قانون البذور والتقاوي والشتلات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 42/2009 عمليات التداول والإنتاج والاستيراد مع حظر التعامل غير المرخص وإخضاع كافة مراحل الإنتاج للرقابة الفنية والتحليل المخبري، بينما يمنح قانون الزراعة الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 48/2006 الوزارة صلاحية تحديد الأصناف الموصى بها وضمان نقاوتها الوراثية مع تنظيم صارم للبذور المحورة وراثياً لضمان السلامة البيئية. وفي هذا السياق، تبرز مبادرات الوزارة الحالية لإنتاج البذور التقليدية عبر برنامج إكثار بذور القمح العماني المحسن مثل «وادي قريات» و «جبرين» الذي قفز إنتاجه ليصل لأكثر من 10,000 طن في الموسم الأخير 2025م، إضافة إلى إطلاق أول مشروع تجاري لزراعة السمسم العماني في عام 2025م، بالتوازي مع التوجه نحو إنتاج البذور المحسنة والهجينة لمحاصيل الخضروات الأساسية كالبصل والثوم والبطاطس ضمن مختبرات الأمن الغذائي لتقليل الاعتماد على الاستيراد، واستخدام تقنيات الزراعة الذكية في مزارع الخضر لإنتاج تقاوي عالية الجودة. وتتطلع سلطنة عمان مستقبلاً عبر خارطة طريق 2026 إلى توطين صناعة البذور من خلال إنشاء وحدات متكاملة للمعالجة والتعبئة المحلية، والاعتماد على التكنولوجيا الحيوية (AgriTech) لإنتاج بذور مقاومة للجفاف والملوحة، مع أتمتة نظام الاعتماد وتتبع سلاسل الإمداد عبر منصة «ثروات» الرقمية، سعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي من التقاوي بحلول عام 2030م وتحويل هذا القطاع إلى صناعة استراتيجية متكاملة تعزز السيادة الغذائية الوطنية.
توصيات عملية لتعزيز التنافسية والاستدامة
استناداً إلى تحليل سلسلة قيمة البذور والتحديات الإقليمية، يمكن تقديم عدد من التوصيات الاستراتيجية لتعزيز صناعة البذور وتحقيق تنافسيتها. ففي الجانب الفني والعلمي المرتبط بالبحث والتطوير، يبرز ضرورة الاستثمار في الفرز الفسيولوجي والجزيئي عبر تخصيص موارد كافية لتطبيق تقنيات التربية الجزيئية الحديثة، مثل استخدام الواسمات الجزيئية لتقليل مدة دورات التربية، مع التركيز على الصفات المرتبطة بمقاومة الإجهادات اللاأحيائية من خلال دعم الأبحاث التي تستهدف التحكم في المسارات الجزيئية الحيوية. نستطيع القول بأن تعزيز تنافسية صناعة البذور يتطلب اعتماد حزمة متكاملة من الإجراءات التي تبدأ بإنشاء منظومات وطنية متخصصة لإدارة الموارد الوراثية، وتوسيع برامج التربية النباتية القادرة على إنتاج أصناف تتكيف مع ضغوط التغير المناخي. ويعزز هذا التوجه من خلال بناء شراكات فاعلة بين الجامعات ومراكز البحوث وشركات البذور، بهدف ربط مخرجات البحث العلمي بالتطبيقات الحقلية المباشرة لضمان انتقال الابتكارات من المختبر إلى المزارع. كما أن تحديث التشريعات المنظمة لاعتماد البذور، بما يتوافق مع معايير الرابطة الدولية لاختبار البذور(ISTA) ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OECD) ، يعد خطوة ضرورية إلى جانب تطوير المختبرات الوطنية ورفع جاهزيتها لإجراء الفحوص المتقدمة التي تتطلبها صناعة البذور الحديثة. تثبت الحقائق العلمية والاقتصادية أن استثمار اليوم يحدد حصاد الغد، وأن البذرة هي الاستثمار الأكثر كفاءة في تحقيق الأمن الغذائي؛ إذ إن تحسينها يساهم بما يقارب 50% في زيادة العائد الزراعي. ومع تزايد حدة التحديات المناخية وتدهور الموارد الوراثية، يصبح تعزيز سلسلة قيمة البذور مسألة أمن قومي وازدهار اقتصادي. فمن خلال تضافر الجهد العلمي والسياسي والاقتصادي يمكن ضمان مرونة نظام البذور واستدامته، وتحويل التحديات المناخية إلى فرص للازدهار الزراعي. إن استثمار اليوم في بذور أفضل هو الضمان لحصاد مستدام في الغد.
د. سيف بن علي الخميسي، مدير مركز بحوث النخيل والانتاج النباتي، وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: التحدیات المناخیة الموارد الوراثیة الأصول الوراثیة البذور المحسنة الأمن الغذائی الاعتماد على إنتاج البذور ضمان الجودة من خلال
إقرأ أيضاً:
الثروة الحيوانية رافد للأمن الغذائي .. وخطط لرفع الإنتاج وتعزيز الاستدامةالتقلبات العالمية أثرت على أسعار الأعلاف وجهود متواصلة لتوسيع الإنتاج
م. خلفان الشرجي:
-المحافظة على السلالات المحلية وتحسينها ورفع القدرة التنافسية للمنتجات الحيوانية
- تأثر القطاع بالتقلبات العلمية والبحث عن مصادر محلية بديلة لإنتاج الأعلاف
ترتكز الاستراتيجية الوطنية لتنمية واستدامة الثروة الحيوانية في سلطنة عمان على تحقيق الأمن الغذائي ورفع نسب الاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية إلى ما لا يقل عن 75% من سلع السلة الغذائية الحيوانية، بما يعزز مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني ويرفع إسهامه في الناتج المحلي الإجمالي.
وقال المهندس خلفان بن مطر الشرجي، مدير عام الثروة الحيوانية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في حديث لـ (عمان)، أن قطاع الثروة الحيوانية يعد أحد الركائز الأساسية في منظومة الأمن الغذائي، حيث يشهد تطورا ويحظى باهتمام حكومي متواصل مدعوم بحزمة من السياسات والاستثمارات الاستراتيجية الهادفة إلى رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز الاستدامة.
وأوضح أن التوجه الحالي يركز على التحول بالقطاع من نمط تقليدي إلى قطاع إنتاجي واستثماري متكامل، عبر توسيع آفاق التعاون الإقليمي والدولي، وتنفيذ مشروعات نوعية تسهم في زيادة الإنتاج المحلي، إلى جانب التوسع في برامج الأمن الغذائي وتحقيق مستويات متقدمة من الاكتفاء الذاتي، لا سيما في مجالات اللحوم البيضاء والحمراء، ومنتجات الألبان والصناعات التحويلية المرتبطة بها.
وبين أن إجمالي حجم الثروة الحيوانية في سلطنة عُمان بلغ نحو 4 ملايين و112 ألفا و824 رأسا بنهاية عام 2025م، موزعة على عدة أنواع رئيسية، حيث تصدر قطاع الماعز القائمة بإجمالي 2 مليون و644 ألفا و549 رأسا، مشكلا ما نسبته 64.4% من إجمالي الثروة الحيوانية، تلاه الأغنام بعدد 704 آلاف و355 رأسا بنسبة 17%، ثم الأبقار بإجمالي 455 ألفا و928 رأسا بنسبة 11.1%، فيما بلغ عدد الإبل 307 آلاف و992 رأسا بنسبة 7.5%.
وفيما يتعلق بقطاع الدواجن، سجل إنتاج اللحوم البيضاء نحو 149.6 ألف طن خلال عام 2024م، في حين بلغ إنتاج البيض نحو 977 مليون بيضة، ما يعكس مساهمة هذا القطاع في دعم منظومة الأمن الغذائي وتلبية الطلب المحلي.
الاكتفاء الذاتي
وأضاف أن النسبة العامة للاكتفاء الذاتي من المنتجات الحيوانية في سلطنة عُمان نحو 87.3% خلال عام 2024م، مدفوعة بارتفاع معدلات الإنتاج المحلي في عدد من السلع الأساسية. وسجل الحليب الخام أعلى نسبة اكتفاء ذاتي بلغت 96%، يليه بيض المائدة بنسبة 95%، فيما بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم البيضاء 62%، واللحوم الحمراء 45%، ما يعكس استمرار الجهود المبذولة لتعزيز الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات في هذا القطاع الحيوي.
التقلبات العالمية
وأوضح مدير عام الثروة الحيوانية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه أن قطاع تربية الماشية في سلطنة عمان تأثر بالتقلبات العالمية من خلال ارتفاع أسعار الأعلاف، نظرا لاعتماد السوق المحلي على استيراد معظم مدخلات إنتاج الأعلاف المركزة، باستثناء نخالة القمح التي توفر من المطاحن المحلية، رغم أن القمح نفسه يستورد من الخارج، ما يجعل القطاع أكثر عرضة للمتغيرات الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسعار.
وفيما يتعلق بإنتاج الأعلاف محليا، يواجه القطاع عددا من التحديات، من أبرزها تملح التربة، وشح الموارد المائية، وارتفاع نسب الملوحة، وهي عوامل تؤثر في القدرة على التوسع في إنتاج الأعلاف الخشنة.
وتبذل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه جهودًا متواصلة لمعالجة هذه التحديات، من خلال البحث عن مصادر محلية بديلة لإنتاج الأعلاف، ودراسة إمكانية استخدام مياه الصرف الصحي المعالجة ثلاثيًا في زراعة الأعلاف، إلى جانب تشجيع الاستثمار في مجالات إنتاج وتصنيع الأعلاف، بما يسهم في تعزيز الأمن العلفي وتقليل الاعتماد على الواردات.
الاستراتيجية الوطنية
وأوضح المهندس خلفان الشرجي أن الاستراتيجية الوطنية لاستدامة الثروة الحيوانية تعتمد في تحقيق مستهدفاتها على عدد من المحاور الرئيسة، من أبرزها تحديث أنماط الإنتاج الحيواني التقليدي، والمحافظة على السلالات المحلية وتحسينها وتنميتها، إلى جانب رفع القدرة التنافسية للمنتجات الحيوانية في الأسواق المحلية والخارجية. كما تشمل تطوير سلاسل القيمة وتعزيز القيمة المضافة للمنتجات، وتشجيع الاستثمارات النوعية في القطاع، فضلا عن تعظيم الاستفادة الاقتصادية من شجرة اللبان العماني وتطوير الصناعات المرتبطة بها، بما يسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستدامة الاقتصادية ، مشيرا بأن الرؤية الاستراتيجية لوزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه في تطوير قطاع الثروة الحيوانية تنعكس من خلال استشراف الاحتياجات المستقبلية ووضع البرامج والخطط الكفيلة بتلبيتها، إلى جانب تهيئة بيئة استثمارية جاذبة عبر تحديد النطاقات الزراعية المناسبة، وإنشاء مدن متخصصة للثروة الحيوانية، ومنح الأراضي بنظام حق الانتفاع بوصفه أحد الحوافز المحفزة للاستثمار.
كما تعمل الوزارة على معالجة التحديات التي تواجه القطاع عبر تبني منهجيات حديثة، من بينها مختبرات الأمن الغذائي و"عيادات الحلحلة"، بما يسهم في تسريع الحلول ورفع كفاءة الأداء.
وفي إطار تعزيز استدامة الإنتاج الحيواني على المدى الطويل، تركز الجهود على استكمال حلقات الدورة الإنتاجية المتكاملة، لا سيما في قطاع الدواجن، من خلال إنشاء مزارع الجدود والأمهات، بما يعزز من قدرات الإنتاج المحلي ويحد من الاعتماد على الاستيراد.
توازن مستدام
وأضاف أن وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه تعمل على تحقيق توازن مستدام بين حماية الثروة الحيوانية وضمان استمرارية دخل المربين، من خلال حزمة من السياسات والإجراءات الداعمة للقطاع. وتشمل هذه الجهود توفير الخدمات البيطرية والإرشادية بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المنتجات الحيوانية، إلى جانب تبني سياسات تنظيمية تعزز تنافسية المنتج المحلي وتحميه من الممارسات غير العادلة في الأسواق.
كما تولي الوزارة اهتماما بتوسيع مظلة التأمين على الثروة الحيوانية، بهدف الحد من المخاطر التي قد يتعرض لها المربون، لا سيما المرتبطة بالأنواء المناخية والأوبئة، بما يعزز استقرار دخلهم ويدعم استدامة النشاط الإنتاجي، ويسهم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي للقطاع على المدى الطويل.
تحسين السلالات
وحول برامج تحسين السلالات قال المهندس الشرجي: تسهم البرامج بدور محوري في الحفاظ على الثروة الحيوانية وتعزيز إنتاج السلالات المحلية، من خلال جهود بحثية وتطبيقية يقودها مركز بحوث الإنتاج الحيواني، الذي يعمل على إنتاج سلالات نقية من الماشية المحلية، وتوصيفها مظهرا وإنتاجي ووراثيا، وتسجيلها عالميا باسم سلطنة عمان، بما يحفظ مواردها الوراثية ويعزز مكانتها.
وتحرص الوزارة على نشر هذه السلالات والحفاظ عليها عبر توفير قشات التلقيح الاصطناعي، وتوزيعها مجانا من خلال العيادات البيطرية المعتمدة في القطاع الخاص بعد تأهيلها لتقديم هذه الخدمة وفق المعايير المعتمدة. كما يتم توزيع الذكور المحسنة على المربين بشكل سنوي عبر دوائر الثروة الحيوانية في المحافظات، حيث بلغ إجمالي الرؤوس الموزعة خلال السنوات الأربع الماضية 657 رأسا، الأمر الذي يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين العوائد الاقتصادية للمربين.
التقنيات الحديثة
وحول جهود تطوير وتنظيم قطاع الثروة الحيوانية في سلطنة عُمان، قال الشرجي أن التقنيات الحديثة أسهمت بدور فاعل في تطوير وتنظيم القطاع، حيث تبنّت شركات إنتاج وتصنيع المنتجات الحيوانية أحدث الحلول التقنية في مجالات الألبان والدواجن والتصنيع الغذائي، ما انعكس في تحسين جودة المنتجات وتعزيز قدرتها التنافسية في الأسواق الإقليمية والدولية.
وفي جانب التنظيم والإدارة، جرى تطبيق تقنية الترقيم الإلكتروني للإبل، التي تستهدف إنشاء سجل رقمي متكامل لكل حيوان يتضمن بياناته وبيانات مالكه، حيث بلغ عدد الإبل المرقمة نحو 161 ألفا و878 رأسا حتى عام 2025م، بما يمثل نحو 53% من إجمالي أعداد الإبل في السلطنة. وتسهم هذه التقنية في توفير قاعدة بيانات دقيقة وشاملة حول أعداد الحيوانات وأنواعها وسلالاتها وتوزيعها الجغرافي، إلى جانب دعم إدارة القطعان وبرامج التحسين الوراثي ورفع الكفاءة الإنتاجية.
البرامج والمبادرات
تنفذ وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه حزمة من البرامج والمبادرات الهادفة إلى دعم المربين وتحسين أوضاعهم المعيشية والإنتاجية، انطلاقا من أهمية خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز الاستدامة الاقتصادية للقطاع. وفي هذا السياق، تسعى الوزارة إلى التخفيف من أثر ارتفاع أسعار الأعلاف، التي تمثل نحو 70% من إجمالي تكلفة الإنتاج الحيواني، من خلال برنامج دعم مدخلات الإنتاج لمصانع الأعلاف المركزة، بما يسهم في الحد من تقلبات الأسعار العالمية وضمان استقرار أسعار الأعلاف في السوق المحلي، وعدم تأثر المربين المستفيدين.
كما أطلقت الوزارة مبادرات لإيجاد بدائل مستدامة لإنتاج الأعلاف، من بينها إنتاج الأعلاف المائية مثل "الأزولا" و"الشعير المستنبت"، وذلك ضمن مبادرة دعم المزارعين، حيث يجري العمل على تقنين استخدامها عبر مركز بحوث الإنتاج الحيواني لإصدار التوصيات الفنية اللازمة، تمهيدا لتعميمها على المربين ورواد الأعمال الزراعية بالتعاون مع هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وفي إطار معالجة بعض التحديات البيئية المرتبطة بالقطاع، تدعم الوزارة مربي الإبل في محافظة ظفار بتوفير مكعبات الأملاح المعدنية، بما يسهم في الحد من ظاهرة تقشير الأشجار وتحسين التوازن الغذائي للحيوانات.
وعلى صعيد تمكين الفئات المنتجة، تعمل الوزارة بالشراكة مع منظمات المجتمع المدني والمنظمات الدولية على تنفيذ مبادرات نوعية، من أبرزها مشروع تمكين النساء المنتجات عبر تعزيز سلسلة قيمة حليب الإبل ومشتقاته في ولاية رخيوت، وذلك من خلال شراكة ثلاثية تضم الوزارة ومنظمة "الجسر" ومنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، بهدف رفع القيمة المضافة للمنتجات المحلية، وزيادة دخل الأسر المنتجة، وخلق فرص عمل في الصناعات المرتبطة بحليب الإبل.
وتحرص الوزارة كذلك على مشاركة الكوادر الوطنية في الدورات وورش العمل التي تنظمها المنظمات الدولية والإقليمية المعنية بصحة الحيوان، مثل منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، إلى جانب تعزيز التعاون مع الجهات الحكومية ذات العلاقة عبر الندوات والبرامج المشتركة.
وفي جانب الإرشاد الحيواني، تنفذ الوزارة برنامج تدريبي سنوي لرفع كفاءة كوادر الإرشاد في مختلف المحافظات، إلى جانب تقديم برامج تدريبية مباشرة للمربين عبر الزيارات الميدانية والورش والندوات والمعارض المتخصصة. كما تشمل هذه الجهود تنظيم مهرجانات وفعاليات نوعية، من بينها مهرجان سناو مقصدنا للثروة الحيوانية بمحافظة شمال الشرقية، وتنفيذ برامج للإدارة المثلى للمخلفات الحيوانية وتعظيم الاستفادة الاقتصادية منها في محافظة الظاهرة، إضافة إلى لقاءات إرشادية تستهدف تعزيز الممارسات الإنتاجية والاقتصادية والصحية للمربين في عدد من ولايات السلطنة، بما يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحقيق الاستدامة للقطاع.
القيمة المضافة
تعمل وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه على تنفيذ خطط مستقبلية تستهدف رفع القيمة المضافة للمنتجات الحيوانية وتعزيز تنافسيتها في الأسواق المحلية والدولية، من خلال تبنّي برامج لإحلال الواردات وتوطين الإنتاج ضمن مستهدفات المليار الثاني، بما يسهم في تعظيم مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
وفي هذا الإطار، تسعى الوزارة عبر الجهات المختصة إلى توقيع بروتوكولات لتصدير المنتجات الحيوانية، بهدف فتح أسواق خارجية جديدة وتعزيز حضور المنتجات العُمانية في الأسواق الإقليمية والدولية. كما أطلقت عددا من المبادرات النوعية لرفع القيمة المضافة، من أبرزها مبادرة تعزيز صادرات قطاع الأمن الغذائي، ومبادرة استغلال الفاقد الزراعي والحيواني، والاستفادة من مخلفات المسالخ في دعم الصناعات التحويلية المرتبطة بها، بما يعزز كفاءة سلاسل القيمة ويخلق فرصًا اقتصادية إضافية للقطاع.
المشروع الوطني لتحصين
وأوضح الشرجي أن المشروع الوطني لتحصين الثروة الحيوانية يُعد أحد أبرز الركائز التي تستند إليها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الأمراض الوبائية، حيث يتم تنفيذ برنامج التحصين السنوي عبر (25) فريقًا ميدانيًا، إلى جانب تعزيزه بفرق إضافية من الكوادر البيطرية في العيادات الحكومية، بهدف رفع نسبة التغطية إلى نحو 70% من إجمالي الثروة الحيوانية.
ويستهدف المشروع السيطرة على الأمراض الوبائية والمعدية وخفض معدلات الإصابة بها تمهيدًا للقضاء على بعضها، إلى جانب الحد من انتقال الأمراض المشتركة بين الإنسان والحيوان، وضمان توفير منتجات حيوانية آمنة وعالية الجودة، فضلًا عن تقليل تكاليف العلاج وحماية البيئة المحلية من المخاطر الصحية. وتشمل قائمة الأمراض ذات الأولوية في برامج التحصين: الحمى القلاعية، وطاعون المجترات الصغيرة، وجدري الأغنام والماعز، وأمراض الكلوستريديا، والبستريلا، والتسمم الدموي، والبروسيلا، وداء الكلب، والتهاب الجلد العقدي، والسل الكاذب.
وبلغ إجمالي جرعات اللقاحات المقدمة ضمن البرنامج بنهاية عام 2025م نحو 5 ملايين و266 ألفا و756 جرعة، استهدفت حيوانات المزرعة الاقتصادية في مختلف محافظات السلطنة، فيما وصل عدد المربين المستفيدين من خدمات التحصين إلى أكثر من 41 ألف مربي.
وفيما يتعلق بالأمراض العابرة للحدود، تعتمد الوزارة على منظومة متكاملة تشمل الترصد الوبائي المستمر، وتفعيل نظم الإنذار المبكر، وتعزيز إجراءات الأمن الحيوي، إلى جانب التنسيق مع الجهات الإقليمية والدولية المختصة، بما يضمن سرعة الاستجابة والحد من انتشار هذه الأمراض.