سواليف:
2026-07-23@22:44:22 GMT

أولويات البحث العلمي جزء أصيل من الاقتصاد الوطني

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

أولويات البحث العلمي جزء أصيل من الاقتصاد الوطني

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

في لحظة وطنية تتقاطع فيها المعرفة مع السيادة، والتنمية مع الكرامة، رعى سمو الأمير الحسن بن طلال إطلاق أولويات البحث العلمي في الأردن بوصفها مشروعًا حضاريًا يعيد الاعتبار للعقل المنتج، ويؤكد أن البحث ليس هامشًا في بنية الدولة، بل جزءٌ أصيل من الاقتصاد الوطني، ورافعةٌ لبناء نموذج تنموي يقوم على التكافؤ، والتكافل، والعدالة في الفرص، وصون كرامة الإنسان باعتبارها الغاية العليا لكل سياسات التحديث.

في كلمته، أعاد سموه التذكير بأن تأسيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا للعناية بالعلم والمعرفة ورعاية البحث العلمي. وأكد على ضرورة وجود مرجعية وطنية للمعرفة، ومنصة عقلانية لصناعة القرار القائم على الدليل، لا على الانطباع. وأشار إلى أن الجامعات العالمية لم تُبنَ سمعتها عبر التلقين، بل عبر “البحث الحقيقي الرصين الذي يُنير الحقيقة”، مستشهدًا بتقارير أعدّتها جامعـتا University of Cambridge وUniversity of Oxford حول واقع الطفولة في قطاع غزة، بوصفها نموذجًا لكيف يصنع العلم معرفةً أخلاقية تكشف الواقع وتحمي الإنسان.

مقالات ذات صلة إسرائيل تبتلع الضفة الغربية وتحوّل الدولة الفلسطينية إلى وهم 2026/02/17

وانطلاقًا من هذا المعنى، شدّد سموه على ضرورة توحيد مرجعيات دعم البحث العلمي والابتكار تحت مظلة وطنية واحدة، كي لا يتشتت الجهد، ولا يتبدد الأثر، وليكون الاستثمار المعرفي موجّهًا لخدمة الوطن والمواطن، في إطار محاور ثلاث: الكرامة الإنسانية، حقيقة حقوق الإنسان، والمستقبل… إلى أين؟ فالبحث، كما أكد، ليس خيارًا افتراضيًا، بل شرطًا موضوعيًا لعبور المرحلة الدقيقة التي نعيشها.

ينطلق هذا المشروع من رؤية ترى في المعرفة طاقة سيادية، وفي الابتكار مسارًا للتحرر من التبعية، وفي الإنسان جوهر العملية التنموية، لا أداةً فيها. فالأولويات البحثية هنا ليست قائمة موضوعات، بل تعبيرًا عن تعبئة وطنية شاملة تُعيد وصل الجامعة بالمجتمع، وتربط المختبر بالسوق، وتستنهض الطاقات الكامنة في الداخل والخارج، لتكون المعرفة جسرًا بين الأردنيين أينما كانوا، ومحركًا لإسهامهم في مشروع الدولة الحديثة.

ويأتي هذا المسار استجابة لدور تاريخي حمله الأردن عبر الهجرات المتعاقبة التي صاغت نسيجه الاجتماعي، ورسّخت فيه قيم الانفتاح، والعيش المشترك، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. ومن هذا العمق، يتشكّل البعد الإنمائي للأولويات البحثية بوصفه أداة لإدارة التنوع، وتعظيم القيمة المضافة، وبناء اقتصاد متكافل ومتوازن، يوزّع ثماره بعدالة، ويمنح الجميع فرصة المشاركة في الإنتاج لا الاكتفاء بالاستهلاك.

لقد أُنجزت هذه الأولويات عبر منهجية تشاركية تستند إلى قراءة دقيقة للفجوات التنموية، ومواءمة واعية بين قدرات الجامعات واحتياجات القطاعات الحيوية، ومراجعة دقيقة لتجارب دول جعلت من البحث رافعة للنمو. وهي منهجية تنقلنا من منطق تمويل الأوراق إلى الاستثمار في المعرفة ذات العائد التنموي، وتضع الأثر الاقتصادي والاجتماعي في صميم القرار، بما يجعل من البحث أداة سياسات عامة لا نشاطًا أكاديميًا منعزلًا.ويمثّل مشروع الأولويات البحثية الوطنية سابقةً في تاريخ التخطيط العلمي في الأردن، إذ يُنجَز لأول مرة بهذه المنهجية التكاملية التي تربط البحث مباشرة بمحركات التحديث الاقتصادي الثمانية، مع إضافة محرك السياسة والأمن بوصفه شرطًا لاستدامة التنمية. وقد جرى مواءمته كذلك مع أهداف التنمية المستدامة ومع الخطة التنفيذية للحكومة للأعوام 2026–2029، ليغدو إطارًا وطنيًا موحّدًا يضمن أن تتحول المعرفة إلى قوة إنتاجية وسيادية ذات أثر ملموس على الاقتصاد والمجتمع.

وفي هذا السياق، أكّد سمو الأمير أن البحث العلمي والتنمية صنوان، وأن توفير المعلومات الدقيقة للمستثمرين، خصوصًا في مجالات المعادن النادرة واستدامة الموارد، شرط لبناء اقتصاد تنافسي قائم على الثقة والمعرفة. كما استشهد بمقولة الملك الحسين طيب الله ثراه: «الإنسان أغلى ما نملك»، ليؤكد أن جوهر التحديث ليس في البنية التحتية وحدها، بل في كرامة الإنسان وصون حقه في الحياة الكريمة.

ودعا سموه إلى إيجاد فهرس للحرمان المتعدد بوصفه أداة علمية لتشخيص الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وإلى تعريف مفهوم “الخلّائقية” باعتباره المفهوم الأعم للإنسانية وحقوق الإنسان والقدرة على تحويل الأزمات إلى حلول، عبر قراءة واقعية للمشكلات، تستند إلى أساس متين من الأدلة، لا إلى الافتراضات. فالسياسات، كما شدّد، يجب أن تُبنى على البيئة، والتنبؤ، والموارد المستدامة، والتخطيط السليم، لضمان تحقيق الأهداف.

وضرب سموه أمثلة تطبيقية من القطاعين الزراعي والصحي، حيث يصبح البحث العلمي أداة مباشرة لتحسين الإنتاج، وإدارة المياه، ومكافحة الأمراض، وتعزيز الأمن الغذائي والدوائي، مؤكدًا أن القرار الرشيد لا يُصنع إلا عبر حقائق واضحة مطلقة، وحوكمة سليمة قادرة على تجاوز المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة.

ويبرز في قلب هذا التحوّل الدور المرجعي والتنظيمي الذي ينهض به المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا بوصفه المظلّة الوطنية الحاضنة لمنظومة البحث والابتكار، والعقل المنظّم لمسارها، والقادر على تحويل الرؤية إلى سياسات، وربط الجامعات ومراكز البحوث بالقطاعين العام والخاص، وتكريس تمويل قائم على الأثر.

وفي انسجام مع مسار التحديث الاقتصادي، تُعاد صياغة دور البحث العلمي ليكون ذراعًا تنفيذية لبناء اقتصاد تنافسي قائم على الابتكار والقيمة المضافة، وليصبح الأردن وجهة إقليمية لمشاريع الشرق الخلّاقة، ومختبرًا مفتوحًا للحلول التي تجمع بين التقنية والقيم، وبين الريادة والمسؤولية الاجتماعية.

ولا يكتمل هذا المسار دون مخاطبة الأردنيين في الخارج بوصفهم رصيدًا وطنيًا من الخبرات والمعرفة والشراكات، ودعوتهم للمشاركة في منظومة الابتكار، ونقل الخبرات، وبناء الجسور مع الأسواق والمؤسسات العالمية.

وهكذا، لا يعود مشروع أولويات البحث العلمي وثيقة تنظيمية، بل رؤية حضارية تتجسّد في سياسات، وتتحول إلى اقتصاد، وتُترجم إلى مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والتكافل معًا، في وطن كان ولا يزال من أوائل الداعين إلى حقوق الإنسان، وحاملًا لرسالة كونية ترى في كرامة الإنسان أساس العمران، وفي العقل المنتج مفتاح المستقبل.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: أولویات البحث العلمی

إقرأ أيضاً:

من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟

توسع مصر نطاق البحث والاستكشاف عن النفط والغاز عبر خريطة تمتد من البحر المتوسط ودلتا النيل إلى شمال سيناء والصحراء الشرقية، في تحرك يستهدف تنويع مناطق العمل، وزيادة فرص الوصول إلى اكتشافات جديدة، ورفع كفاءة استغلال البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة.

رئيس الهيئة العامة للبترول السابق لـ"24": تنوع مناطق الحفر ومرونة التعاقدات يعززان فرص جذب الاستثمارات

مدحت يوسف: الشركاء الأجانب لن يمولوا الحفر دون مؤشرات.. ونجاح خطة الـ101 بئر يُقاس بالاكتشافات والاحتياطيات لا بعدد الآبار

ووافق مجلس النواب المصري، الأربعاء، على 4 مشروعات قوانين مقدمة من الحكومة بشأن اتفاقيات للبحث عن البترول والغاز واستغلالهما، في خطوة تستهدف دعم خطط الدولة لزيادة الإنتاج، وجذب المزيد من الاستثمارات، وتعظيم الاستفادة من الثروات الطبيعية.

ويشمل القرار مناطق شرق الإسكندرية البحرية، وشمال طنطا الأرضية، ومنطقة الفيروز في شمال سيناء، إلى جانب إعادة إسناد منطقة حقل عسران بشمال عامر في الصحراء الشرقية.

أربع مناطق

تتضمن الاتفاقيات حداً أدنى من الاستثمارات يقترب من 53 مليون دولار، مع حفر ست آبار على الأقل، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية وإعادة معالجة بيانات سابقة في بعض مناطق الامتياز.

وتستحوذ منطقة شرق الإسكندرية البحرية على النصيب الأكبر من الالتزامات الاستثمارية، من خلال اتفاقية بين الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس" وشركة "كايرون إيجيبت دلتا ليمتد"، باستثمارات لا تقل عن 42.2 مليون دولار، وحفر ثلاث آبار استكشافية، فضلاً عن إعادة معالجة البيانات السيزمية المتاحة.

وفي شمال سيناء، تتضمن اتفاقية منطقة الفيروز استثمارات لا تقل عن 6.37 مليون دولار، لإجراء مسح سيزمي ثلاثي الأبعاد وإعادة معالجة البيانات القديمة، إلى جانب حفر بئر استكشافية.

وتشمل التحركات أيضاً بدء أعمال جديدة للبحث عن الغاز والزيت الخام في منطقة شمال طنطا بدلتا النيل، ومواصلة البحث والتنمية والإنتاج في حقل عسران بالصحراء الشرقية، بما يجمع بين استكشاف مناطق جديدة وزيادة الاستفادة من الحقول القائمة.

تنوع مؤسسي

يقول المهندس مدحت يوسف، الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن تنوع مناطق الاتفاقيات ليس توجهاً جديداً في حد ذاته، لكنه يعكس البناء المؤسسي الذي يتبعه قطاع البترول في توزيع مسؤوليات البحث والاستكشاف.

ويوضح يوسف لـ"24"، أن هذا النهج يبدأ منذ إنشاء الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية "إيجاس"، والشركة القابضة لجنوب الوادي، بهدف تحقيق التخصص المكاني والنوعي في اتفاقيات البحث والاستكشاف، وتخفيف العبء عن الهيئة العامة للبترول التي كانت مسؤولة قبل إنشاء الشركتين عن غالبية تلك الأنشطة.

ويضيف أن هذا التقسيم يسمح بدراسة العروض من خلال لجان متنوعة وذات اختصاصات مختلفة، بما يسرع عملية البت والإسناد إلى الشركات القادرة على الاستثمار وتمويل عمليات البحث والاستكشاف، التي تحتاج إلى محافظ تمويلية ضخمة.

مصر تؤمّن مستقبل الغاز بعقود استراتيجية بعيداً عن "السوق الفورية"https://t.co/pySnFcBlU2 pic.twitter.com/CvgklpZuYb

— 24.ae (@20fourMedia) July 23, 2026 خطة 101 بئر

وتستهدف مصر حفر 101 بئر استكشافية خلال 2026، ضمن برنامج أوسع يمتد حتى 2030 ويشمل مئات الآبار الجديدة، بهدف دعم الاحتياطيات وزيادة فرص إضافة إنتاج محلي جديد.

ويرى يوسف أن الخطة قابلة للتنفيذ، أو يمكن تنفيذ أجزاء كبيرة منها، لكن الحكم على وتيرتها يحتاج إلى معرفة توزيع الآبار بين الحفر البري والبحري، وليس فقط توزيعها الجغرافي.

ويقول: "الحفر الأرضي لا يتطلب فترات زمنية طويلة، ويمكن تنفيذ عدد من الآبار خلال مدد قصيرة ومحددة، أما الآبار البحرية، سواء في المياه الضحلة أو العميقة، فتحتاج إلى فترات أطول واستثمارات أكبر".

المهندس مدحت يوسف نائب رئيس هيئة البترول الأسبق
 

ويشير إلى أن تكلفة إيجار الحفارات البحرية ترتفع بصورة كبيرة مقارنة بالحفر الأرضي، ولذلك فإن قراءة الخطة تحتاج إلى تحديد عدد الآبار البحرية والبرية، لأن كل نوع يرتبط بجدول زمني وتكلفة ومخاطر تشغيلية مختلفة، مضيفاً أن أهمية الخطة لا تقاس بعدد الآبار المستهدف حفرها فقط، وإنما بنتائج الحفر وحجم الاحتياطيات المؤكدة ومعدلات الإنتاج التي يمكن أن تضيفها الاكتشافات الجديدة.

ويلفت إلى أن تحمل الشركاء الأجانب جانباً كبيراً من مسؤولية تمويل عمليات الحفر يمثل مؤشراً على وجود توقعات فنية واعدة، لأن المستثمر لا يوجه أموالاً إلى منطقة جديدة من دون دراسات جيولوجية وسيزمية تمنحه قدراً مقبولاً من الثقة في احتمالات النجاح.

البيانات السيزمية

ويقول الرئيس السابق للهيئة العامة للبترول، إن "إعادة معالجة البيانات الجيولوجية والسيزمية التي سبق جمعها عن مناطق البحث تساعد المختصين على تحديد الأولويات، وتسهل سرعة اتخاذ قرارات الحفر". وتشمل بعض الاتفاقيات الجديدة إعادة معالجة بيانات سيزمية متاحة، إلى جانب تنفيذ مسوح سيزمية ثلاثية الأبعاد في مناطق البحث.

مرونة التعاقدات

ويقول يوسف إن "مرونة الاتفاقيات البترولية، بما يخدم مصالح الأطراف ويسهل التعامل مع المتغيرات، تساعد المستثمرين على تحقيق التوازن التعاقدي"، مضيفاً أن وضوح بنود الاتفاقيات وسهولة تفسيرها يسهمان في "تيسير عمل الشركات داخل مناطق البحث والاستكشاف".

مستحقات الشركاء

ويرى يوسف أن التزام قطاع البترول والدولة بسداد مستحقات الشركاء الأجانب، سواء المتعلقة بمصروفات البحث والاستكشاف والإنتاج أو بحصة الشريك الأجنبي، يعالج مشكلة استمرت لفترة طويلة في العلاقة بين الهيئة العامة للبترول والشركات الأجنبية.

ويوضح أن التزام مصر بسداد كامل المستحقات وفوائد التأخير، من دون اللجوء إلى القضاء، يمثل ضمانة لاستثمارات الشركاء الأجانب، ويدعم استمرارهم في تمويل أعمال البحث والاستكشاف.

مقالات مشابهة

  • أكثر من 400 براءة اختراع تعزز مكانة جامعة الإمارات على الساحة البحثية العالمية
  • بين الاستمرارية ومراجعة مسار حماس.. ما أولويات خليل الحية؟
  • من المتوسط إلى سيناء.. كيف توسع مصر خريطة التنقيب عن الطاقة؟
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • أداة تكشف الفيديو المُولّدً بالذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة
  • طب النوم.. علمٌ يحرس صحة الإنسان أثناء غفوته
  • الروبوتات البشرية تبدأ بمزاحمة الإنسان على الوظائف في مصانع العالم
  • جائزة الدكتور ساعد بن سعد العرابي الحارثي للتفوق العلمي تحتفي بالفائزين في دورتها الثانية والعشرين
  • صدور العدد السادس من مجلة بحوث الشريعة
  • المواصفات تقدّم ورقة علمية في المؤتمر العلمي للعسل الدوائي اليمني