سواليف:
2026-06-02@23:26:49 GMT

أولويات البحث العلمي جزء أصيل من الاقتصاد الوطني

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

أولويات البحث العلمي جزء أصيل من الاقتصاد الوطني

الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

في لحظة وطنية تتقاطع فيها المعرفة مع السيادة، والتنمية مع الكرامة، رعى سمو الأمير الحسن بن طلال إطلاق أولويات البحث العلمي في الأردن بوصفها مشروعًا حضاريًا يعيد الاعتبار للعقل المنتج، ويؤكد أن البحث ليس هامشًا في بنية الدولة، بل جزءٌ أصيل من الاقتصاد الوطني، ورافعةٌ لبناء نموذج تنموي يقوم على التكافؤ، والتكافل، والعدالة في الفرص، وصون كرامة الإنسان باعتبارها الغاية العليا لكل سياسات التحديث.

في كلمته، أعاد سموه التذكير بأن تأسيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا للعناية بالعلم والمعرفة ورعاية البحث العلمي. وأكد على ضرورة وجود مرجعية وطنية للمعرفة، ومنصة عقلانية لصناعة القرار القائم على الدليل، لا على الانطباع. وأشار إلى أن الجامعات العالمية لم تُبنَ سمعتها عبر التلقين، بل عبر “البحث الحقيقي الرصين الذي يُنير الحقيقة”، مستشهدًا بتقارير أعدّتها جامعـتا University of Cambridge وUniversity of Oxford حول واقع الطفولة في قطاع غزة، بوصفها نموذجًا لكيف يصنع العلم معرفةً أخلاقية تكشف الواقع وتحمي الإنسان.

مقالات ذات صلة إسرائيل تبتلع الضفة الغربية وتحوّل الدولة الفلسطينية إلى وهم 2026/02/17

وانطلاقًا من هذا المعنى، شدّد سموه على ضرورة توحيد مرجعيات دعم البحث العلمي والابتكار تحت مظلة وطنية واحدة، كي لا يتشتت الجهد، ولا يتبدد الأثر، وليكون الاستثمار المعرفي موجّهًا لخدمة الوطن والمواطن، في إطار محاور ثلاث: الكرامة الإنسانية، حقيقة حقوق الإنسان، والمستقبل… إلى أين؟ فالبحث، كما أكد، ليس خيارًا افتراضيًا، بل شرطًا موضوعيًا لعبور المرحلة الدقيقة التي نعيشها.

ينطلق هذا المشروع من رؤية ترى في المعرفة طاقة سيادية، وفي الابتكار مسارًا للتحرر من التبعية، وفي الإنسان جوهر العملية التنموية، لا أداةً فيها. فالأولويات البحثية هنا ليست قائمة موضوعات، بل تعبيرًا عن تعبئة وطنية شاملة تُعيد وصل الجامعة بالمجتمع، وتربط المختبر بالسوق، وتستنهض الطاقات الكامنة في الداخل والخارج، لتكون المعرفة جسرًا بين الأردنيين أينما كانوا، ومحركًا لإسهامهم في مشروع الدولة الحديثة.

ويأتي هذا المسار استجابة لدور تاريخي حمله الأردن عبر الهجرات المتعاقبة التي صاغت نسيجه الاجتماعي، ورسّخت فيه قيم الانفتاح، والعيش المشترك، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص. ومن هذا العمق، يتشكّل البعد الإنمائي للأولويات البحثية بوصفه أداة لإدارة التنوع، وتعظيم القيمة المضافة، وبناء اقتصاد متكافل ومتوازن، يوزّع ثماره بعدالة، ويمنح الجميع فرصة المشاركة في الإنتاج لا الاكتفاء بالاستهلاك.

لقد أُنجزت هذه الأولويات عبر منهجية تشاركية تستند إلى قراءة دقيقة للفجوات التنموية، ومواءمة واعية بين قدرات الجامعات واحتياجات القطاعات الحيوية، ومراجعة دقيقة لتجارب دول جعلت من البحث رافعة للنمو. وهي منهجية تنقلنا من منطق تمويل الأوراق إلى الاستثمار في المعرفة ذات العائد التنموي، وتضع الأثر الاقتصادي والاجتماعي في صميم القرار، بما يجعل من البحث أداة سياسات عامة لا نشاطًا أكاديميًا منعزلًا.ويمثّل مشروع الأولويات البحثية الوطنية سابقةً في تاريخ التخطيط العلمي في الأردن، إذ يُنجَز لأول مرة بهذه المنهجية التكاملية التي تربط البحث مباشرة بمحركات التحديث الاقتصادي الثمانية، مع إضافة محرك السياسة والأمن بوصفه شرطًا لاستدامة التنمية. وقد جرى مواءمته كذلك مع أهداف التنمية المستدامة ومع الخطة التنفيذية للحكومة للأعوام 2026–2029، ليغدو إطارًا وطنيًا موحّدًا يضمن أن تتحول المعرفة إلى قوة إنتاجية وسيادية ذات أثر ملموس على الاقتصاد والمجتمع.

وفي هذا السياق، أكّد سمو الأمير أن البحث العلمي والتنمية صنوان، وأن توفير المعلومات الدقيقة للمستثمرين، خصوصًا في مجالات المعادن النادرة واستدامة الموارد، شرط لبناء اقتصاد تنافسي قائم على الثقة والمعرفة. كما استشهد بمقولة الملك الحسين طيب الله ثراه: «الإنسان أغلى ما نملك»، ليؤكد أن جوهر التحديث ليس في البنية التحتية وحدها، بل في كرامة الإنسان وصون حقه في الحياة الكريمة.

ودعا سموه إلى إيجاد فهرس للحرمان المتعدد بوصفه أداة علمية لتشخيص الواقع الاجتماعي والاقتصادي، وإلى تعريف مفهوم “الخلّائقية” باعتباره المفهوم الأعم للإنسانية وحقوق الإنسان والقدرة على تحويل الأزمات إلى حلول، عبر قراءة واقعية للمشكلات، تستند إلى أساس متين من الأدلة، لا إلى الافتراضات. فالسياسات، كما شدّد، يجب أن تُبنى على البيئة، والتنبؤ، والموارد المستدامة، والتخطيط السليم، لضمان تحقيق الأهداف.

وضرب سموه أمثلة تطبيقية من القطاعين الزراعي والصحي، حيث يصبح البحث العلمي أداة مباشرة لتحسين الإنتاج، وإدارة المياه، ومكافحة الأمراض، وتعزيز الأمن الغذائي والدوائي، مؤكدًا أن القرار الرشيد لا يُصنع إلا عبر حقائق واضحة مطلقة، وحوكمة سليمة قادرة على تجاوز المرحلة الدقيقة التي تمر بها المنطقة.

ويبرز في قلب هذا التحوّل الدور المرجعي والتنظيمي الذي ينهض به المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا بوصفه المظلّة الوطنية الحاضنة لمنظومة البحث والابتكار، والعقل المنظّم لمسارها، والقادر على تحويل الرؤية إلى سياسات، وربط الجامعات ومراكز البحوث بالقطاعين العام والخاص، وتكريس تمويل قائم على الأثر.

وفي انسجام مع مسار التحديث الاقتصادي، تُعاد صياغة دور البحث العلمي ليكون ذراعًا تنفيذية لبناء اقتصاد تنافسي قائم على الابتكار والقيمة المضافة، وليصبح الأردن وجهة إقليمية لمشاريع الشرق الخلّاقة، ومختبرًا مفتوحًا للحلول التي تجمع بين التقنية والقيم، وبين الريادة والمسؤولية الاجتماعية.

ولا يكتمل هذا المسار دون مخاطبة الأردنيين في الخارج بوصفهم رصيدًا وطنيًا من الخبرات والمعرفة والشراكات، ودعوتهم للمشاركة في منظومة الابتكار، ونقل الخبرات، وبناء الجسور مع الأسواق والمؤسسات العالمية.

وهكذا، لا يعود مشروع أولويات البحث العلمي وثيقة تنظيمية، بل رؤية حضارية تتجسّد في سياسات، وتتحول إلى اقتصاد، وتُترجم إلى مجتمع أكثر قدرة على الإنتاج والتكافل معًا، في وطن كان ولا يزال من أوائل الداعين إلى حقوق الإنسان، وحاملًا لرسالة كونية ترى في كرامة الإنسان أساس العمران، وفي العقل المنتج مفتاح المستقبل.

المصدر

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: أولویات البحث العلمی

إقرأ أيضاً:

بعد 80 عاما من الحيرة.. الذكاء الاصطناعي يكسر واحدة من أشهر ألغاز الرياضيات| ما القصة؟

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لتنفيذ المهام الحسابية أو تحليل البيانات، بل بدأ يقتحم أحد أكثر المجالات تعقيداً في التاريخ العلمي وهو عالم الرياضيات النظرية.

«جوجل» تطلق رسمياً نموذج الذكاء الاصطناعي «Gemini Spark Ultra» في أمريكاقمة أستانا.. قادة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي يناقشون الذكاء الاصطناعي والأسواق الرقميةبوتين: روسيا قادرة على تطوير ذكاء اصطناعي سيادي.. ونمتلك مزايا تنافسية بالطاقة والتقنياتنواة للذكاء الاصطناعي وصناعات دفاعية متطورة.. وزير الإنتاج الحربي يكشف ملامح خطة تحديث الأسلحة والمعداتهواوي تطلق وحدة تخزين خارقة بسعة 122 تيرابايت لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعيطوق ذكي مدعوم بالذكاء الاصطناعي لترجمة أصوات ومشاعر الحيوانات الأليفة

وفي إنجاز أثار دهشة الأوساط الأكاديمية، نجح أحد نماذج الذكاء الاصطناعي في حل مسألة رياضية استعصت على كبار العلماء لعقود طويلة، فيما وصفه خبراء بأنه نقطة تحول قد تعيد رسم حدود العلاقة بين الإنسان والآلة.

إنجاز غير مسبوق في عالم الرياضيات

شهدت قدرات الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من التعامل مع مسائل رياضية بسيطة إلى معالجة تحديات معقدة في مجالات متقدمة مثل الهندسة التوافقية ونظرية الأعداد الجبرية.

لكن المفاجأة الكبرى جاءت عندما تمكن نموذج تابع لشركة AI من حل لغز رياضي شهير يُعرف باسم "مسألة المسافة الواحدة"، وهي مسألة ظلت محط اهتمام علماء الرياضيات لما يقرب من 80 عاماً دون التوصل إلى حل نهائي لها.

دهشة بين كبار علماء الرياضيات

أثار هذا الإنجاز ردود فعل واسعة داخل المجتمع العلمي واعتبر عدد من الباحثين أن ما حدث يمثل أول نتيجة رياضية مهمة يتوصل إليها الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل بالكامل، دون تدخل بشري مباشر في عملية الاستدلال أو البرهنة.

ويرى متخصصون أن هذه الخطوة قد تمثل بداية مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي شريكاً حقيقياً للباحثين في اكتشاف النظريات الرياضية وتطويرها، بدلاً من الاكتفاء بدور المساعد التقني.

ما هي "مسألة المسافة الواحدة"؟

تعود جذور هذه المسألة إلى عام 1946 عندما طرحها عالم الرياضيات المجري الشهير بول إردوش، أحد أبرز العلماء في تاريخ الرياضيات.

وتقوم الفكرة ببساطة على التساؤل التالي إذا تم توزيع عدد كبير من النقاط على سطح مستوي، فما أكبر عدد ممكن من أزواج النقاط التي تفصل بينها مسافة تساوي وحدة واحدة فقط؟

واقترح إردوش آنذاك ترتيباً معيناً للنقاط يحقق عدداً كبيراً من هذه الأزواج، وافترض أن أي ترتيب آخر لن يتمكن من تحقيق نتائج أفضل بكثير.

الذكاء الاصطناعي ينقض فرضية عمرها عقود

بدلا من محاولة إثبات صحة الفرضية كما فعل معظم الباحثين عبر العقود الماضية، اتبع نموذج الذكاء الاصطناعي مساراً مختلفاً تماماً. 

فقد تمكن من العثور على ترتيب جديد للنقاط يحقق نتائج أفضل من الترتيب الذي اقترحه إردوش، ما يعني عملياً أن الفرضية الأصلية لم تكن صحيحة بالشكل الذي اعتُقد سابقاً.

هذا النهج غير التقليدي هو ما جعل الحل مثيراً للاهتمام، إذ كشف عن إمكانية الوصول إلى نتائج جديدة من خلال استكشاف مسارات فكرية لم تكن مطروقة من قبل.

مراجعات دقيقة للتأكد من صحة الحل

في البداية، لم يصدق الباحثون النتيجة التي توصل إليها النموذج، فخضع البرهان لسلسلة طويلة من عمليات المراجعة والتدقيق وتم الاستعانة بخبراء مستقلين، إلى جانب أدوات ذكاء اصطناعي أخرى للتحقق من صحة الاستنتاجات.

وبعد فحص مكثف، أكد المختصون أن البرهان يبدو سليماً من الناحية الرياضية، ما منح الإنجاز مصداقية كبيرة داخل الأوساط العلمية.

هل يبدأ عصر جديد في البحث العلمي؟

يُنظر إلى هذا التطور باعتباره مؤشراً على التحول الكبير الذي يشهده الذكاء الاصطناعي في مجالات البحث والاكتشاف العلمي فبعد أن كان دوره يقتصر على المساعدة في الحسابات والتحليل، أصبح قادراً على تقديم أفكار وحلول جديدة لمسائل استعصت على البشر لعقود.

ومع استمرار تطور هذه النماذج، يتوقع خبراء أن يشهد العالم خلال السنوات المقبلة مزيداً من الاكتشافات الرياضية والعلمية التي قد تحمل توقيع الذكاء الاصطناعي إلى جانب العلماء البشر.

طباعة شارك الذكاء الاصطناعي مجالات البحث والاكتشاف العلمي ai الرياضيات البحث العلمي

مقالات مشابهة

  • الكلمة التي فتحت البحار وأوقفت الحروب
  • ترامب: التقارير الإخبارية التي تزعم توقف التواصل بين إيران والولايات المتحدة قبل أيام قليلة كاذبة
  • سلطنة عُمان تحتفل باليوم العالمي للتجارب السريرية
  • ميداوي: 14 مادة جديدة لتنظيم البحث العلمي ورفع منح الدكتوراه من 40 إلى 70%
  • تحويلات قياسية للمصريين بالخارج.. نواب: 34.9 مليار دولار تعكس ثقة متزايدة في الاقتصاد الوطني
  • أفضل 7 تطبيقات احترافية لتنزيل الفيديو لهواتف سامسونج في 2026
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش
  • المؤتمر العلمي الدولي الثامن بجامعة العاصمة يناقش بناء شراكات مستدامة لدعم الاقتصاد الوطني
  • نائب: التعليم والبحث العلمي في صدارة أولويات الدولة المصرية
  • بعد 80 عاما من الحيرة.. الذكاء الاصطناعي يكسر واحدة من أشهر ألغاز الرياضيات| ما القصة؟