المالكي: “تلك الرائحة”.. لا دكَـة عشائرية ولا فوبيا وطنية!
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
آخر تحديث: 18 فبراير 2026 - 10:44 ص بقلم: فخري كريم يحاول أنصار الانهيار الأخلاقي الذي انحدرت إليه السياسة العراقية والطغمة الحاكمة تدوير الأزمة المستدامة، بإظهار الموقف الوطني العراقي من إعادة الاعتبار للخراب والجريمة السياسية التي تعرض لها العراق في عهد السيد نوري المالكي، متمثلةً بترشيحه لوزارة خائبة ثالثة بدلاً من مقاضاته على ما ارتكب، كما لو أنها انحرافٌ في الوعي الوطني وانتقامٌ شخصي من رجل دولة مشهودٌ له بإنجازات لا تُقدَّر، من منطلق أيديولوجي أو لصراعٍ على السلطة مع التيار الإسلامي الشيعي تحديداً.
ويحاول هؤلاء “المالكيون”، المتلبسون بعباءة المالكي، خاطف الدعوة ومغتصب القانون، حصر الصراع بين فريقين يتقاتلان على غنائم “اغتيال الدولة” وثروات العراق ومصادرة السلطة داخل ما يسمى بـ”الإطار التنسيقي”، وهو ما يمكن معالجته كـ «دگة عشائرية» بين الفريقين، وليس كتعبير عن حلٍ للأزمة الخانقة عبر اجتثاثٍ لجذورها وتصفيةٍ لمظاهرها الطائفية المحاصصية، وما ارتبط بها من فسادٍ ونهبٍ وتمييز على الهوية وانتهاكٍ للحقوق والحريات وإخلالٍ بالتوازن الوطني وتفريغٍ لمضامين الدستور وتغييبٍ لحرمة القانون وانتهاكٍ للسيادة الوطنية وإطلاق عِنان الميليشيات وسلاحها المنفلت. بل وتخلٍ كلي عن الأسس التي شُيدت على أساسها العملية السياسية – فاقدة الشرعية – من التوافق بدل الديمقراطية، والتوازن بدل المواطنة الحرة المتساوية والمشاركة الديمقراطية، وقد دشن المالكي في عهديه نهاية الحقبة اليتيمة التي شهدت مرحلة ادعاء تكريس تلك “الأسس التوافقية” بصيحته المشهورة “ما ننطيها” وإعلان تسيده كمختار العصر وولي الدم! لم تكن الولاية الثانية للمالكي، ولو شكلياً، امتداداً وتعبيراً عن الثالوث الذي بُنيت عليه العملية السياسية: التوافق والتوازن والمشاركة السياسية، بل انتهاكاً لكل أسسها، وتخلياً عن تعهداته في تكريسها وتطويرها كما تُظهره التزاماته أمام الرئيس الراحل الطالباني «وكنت مشاركاً في لقاءاتهما» التي بُحثت وأُقرت فيها، ولا فيما أبرمه من اتفاقٍ خطي مع الرئيس البارزاني، أو فيما أعلن من توجهات برنامجية في اجتماع أربيل الذي اتُّفق فيه على بيعته لولاية ثانية، التي ظل بادي “الارتياب” تجاه الاتفاق عليه حتى اللحظة الأخيرة قبل خطاب الرئيس مسعود بارزاني الذي تضمن عقد جلسة البرلمان وما يتبعه من خطوات لانتخاب الرئاسات الثلاث، وهو ما كنت قد أكدت له أنه “سيمر”! سرعان ما بدت مظاهر العقوق والتخلي في سياسة المالكي وتدابيره ونهجه العام ضد الديمقراطية والحريات العامة واستكمال بناء الدولة وسوى ذلك من توجهات أُقرت في اجتماع أربيل، رغم أنها لم تكن سوى صياغاتٍ مخلة مُررت وثُبِّتت في الدستور في إطار التوافق! في تلك المرحلة كُلفت بزيارة طهران والتداول مع الحاج سليماني، وتابعتها تمهيداً لاجتماع أربيل الثاني وثنائه الخاص بسحب الثقة عن المالكي، ارتباطاً بما تبلور من نهجٍ متعارض مع كل ما جرى الاتفاق عليه، ليس بمعزلٍ عن جهدٍ إيراني تمثل في دور الراحل قاسم سليماني من خلال لقاءاته مع الأطراف الشيعية آنذاك «ولم تكن قد فرخت عشرات الأذرع والميليشيات الولائية المسلحة». في آخر لقاءٍ في هذا الإطار وعد سليماني بمعالجة كل ما تشكو منه الأطراف المعارضة لنهج المالكي، وكان هذا التعهد قد مرره الحاج أكثر من مرة، فرأيت أن أذكره بأن هذا الجهد لم يسفر عن نتيجة وصبر مختلف الأطراف بات ينفد، فما كان منه إلا التأكيد على أنه سيفي بوعده، وزاد على ذلك بأن عهد المالكي لن يتكرر، وأن فرصة حزب الدعوة قد استهلكها المالكي. وتتذكر هذا كله القيادات التي كانت تتشارك في هذا التوجه في التصدي لسياسات المالكي آنذاك، وتم إشعارها به مباشرة أو من خلال الرئيسين الطالباني والبارزاني. وفي أكثر من لقاءٍ آخر تطرق الحديث فيه إلى الأوضاع في العراق وما تريده الجمهورية الإسلامية في العراق ومن العراقيين، ستجد طريقها للنشر فيما يمكن أن تتضمنه مذكراتي إن رأيت فيها ما ينفع! لم يكن بعض من يجتمعون حول طاولة الإطار التنسيقي اليوم ممن يجلسون حول طاولة التحالف الشيعي يوم ذاك، بل إن اكثرهم جدد تسللوا من الأذرع أو الانقسامات في التصنيفات الشيعية التي لا يجمعها جامع، ولهذا لا ينفع أن يدعي البعض منهم خلاف ما مر من وقائع. وقد تنفع الإشارة إلى عشرات التأكيدات التي وردت على لسان السيد المالكي شخصياً في حوارات ولقاءات تلفزيونية وخطابات تُبث اليوم على أوسع نطاق، يدين فيها نفسه والقادة الآخرين، بل جميعهم دون استثناء، بالقول بأنهم ارتكبوا الخطايا بحق العراق والعراقيين، ولا يصلح أي أحد منهم للمشاركة في حكم البلاد! إن المالكي محقٌ في تشبثه بالعودة إلى الحكم، إذ يرى في نفسه «كل مؤهلات الحكم» مقارنة بأقرانه في الإطار التنسيقي، وربما يشاركني الرأي في أن الإطار نفسه فاقدٌ للشرعية، كما هو رأيه الذي جاء في حديث مسرب من تعريض واتهام للحشد وقادته بالنهب والفساد والتنمر وكل ما لم يتجرأ ناقدٌ للحشد ومطالبٌ بحله بقوله أو كتابته. إن طاولة الإطار التنسيقي عاريةٌ عن الشرعية، إذ يؤكد شرعية تمثيله للشيعة وإرادتهم، وبالتالي حقه في أن ينفرد بترسيخ من يتولى قيادة خرابتنا التي لم تعد لها أي أسس من توصيفات الدولة أو حتى شبه الدولة.وكمحاولة لتأكيد هذه الشرعية، لا مانع لأطرافه من التخلي عن ثوابته، ونقل سلاحه من كتف إلى كتف، تماشياً مع ما يسترضي أي طرفٍ مهيمن يحفظ له سلطته وتنمره على العراقيين. ويتمحور الصراع الذي يعتمد الممانعة والمقاومة والنصر المبين على الاستكبار العالمي، في هذه المرحلة، حول كيفية استرضاء ترامب من جهة، وما يستقوى به من شعاراتٍ تجردت من أي مضمون أو قيمة، ويبدو أنه بات يدور حول الأسلوب المناسب لإزاحة المالكي بأقل ما يحافظ على ماء وجوه تلطخت بخرائب العراق. وهي إذ تتدارك الخسارة لا تريد أن تتفهم أن الموقف من المالكي – وهو موقف وطني قبل أن يكون اشتراطاً خارجياً – لا يقتصر على رفض المالكي، وإنما على إنهاء تسلط منظومة يتجسد فيها كل ما انحدر إليه العراق من انهيار أخلاقي، ليس في السياسة ونظام الحكم بل كل ما يجسد قيم الحاكمين، نهجاً وسلوكاً وممارساتٍ ورذيلةً تفوح رائحتها حتى إنها أفسدت الهواء الذي نتنفس… أما الدگة العشائرية التي تدور حول طاولة الإطار التنسيقي، فهي تكاد أن تتحول إلى فوبيا وطنية حول كل ما يؤشر عليه أو يحمله أو يبشر به الإطار وأعمدته الرخوة المتهالكة! —— * العنوان مأخوذ عن رائعة صنع الله إبراهيم “تلك الرائحة”، التي جسدت انهيار المدينة العربية تحت وطأة الاستبداد، وما خلّفه من اغتراب وانكسار في الإنسان وعلاقته بالعالم من حوله.
المصدر
المصدر: شبكة اخبار العراق
كلمات دلالية: الإطار التنسیقی
إقرأ أيضاً:
من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
عباس الزدجالي
abbas@omanamana.com
كشفت التقارير المتزامنة التي نشرتها صحف ومؤسسات إعلامية دولية بارزة، من بينها هآرتس وفايننشال تايمز ورويترز وأكسيوس، عن مشهد غير مألوف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فبحسب هذه الروايات، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد فقط لتوسيع العمليات العسكرية في لبنان، بل كانت هناك خطط لضربات أكبر قد تطال بيروت نفسها، قبل أن يتدخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا في اللحظات الأخيرة لوقف التصعيد أو الحد منه.
وتذهب بعض التقارير إلى أبعد من ذلك، متحدثة عن مكالمة غاضبة وغير مسبوقة بين ترامب ونتنياهو، استخدم خلالها الرئيس الأمريكي لغة حادة عكست حجم التوتر بين الرجلين. وبغض النظر عن دقة كل عبارة منسوبة إلى المكالمة أو مدى صحة التسريبات المتداولة، فإن تعدد المصادر وتطابق الخطوط العامة للرواية يشيران إلى وجود خلاف حقيقي حول مسار الحرب وحدودها، وليس مجرد اختلاف تكتيكي عابر.
اللافت في هذه التطورات أن ترامب لم يكن طوال السنوات الماضية معروفًا بممارسة ضغوط جدية على الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بل على العكس، ارتبط اسمه بأكثر المواقف الأمريكية دعمًا لإسرائيل. ولذلك فإن تدخله المفاجئ لوقف أو تأجيل عملية عسكرية واسعة يثير تساؤلات عديدة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التحول.
قد يكون أحد التفسيرات أن الإدارة الأمريكية بدأت تدرك أن استمرار التصعيد يهدد بتوسيع دائرة الحرب إلى مستوى يصعب احتواؤه. فبعد أشهر طويلة من القتال والدمار في غزة، والتوتر المتصاعد على الجبهة اللبنانية، والمواجهة المفتوحة مع إيران، باتت المنطقة أقرب إلى حافة انفجار إقليمي شامل. وفي مثل هذا السيناريو، لن تكون الكلفة مقتصرة على إسرائيل أو خصومها فقط، بل ستمتد إلى المصالح الأمريكية المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط، وإلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية.
كما أن واشنطن تُدرك أن صورتها الدولية تعرضت خلال الفترة الماضية إلى ضرر كبير نتيجة مشاهد الدمار وسقوط أعداد هائلة من الضحايا المدنيين؛ فالدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل أصبح موضع انتقاد متزايد حتى داخل الولايات المتحدة نفسها، وبين قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي. ومع اقتراب الاستحقاقات السياسية الداخلية، لا يمكن تجاهل أثر هذه التطورات على الحسابات الانتخابية والسياسية لأي إدارة أمريكية.
أما نتنياهو، فيبدو بدوره محاصرًا بين ضغوط متناقضة. فمن جهة يواجه مطالب متزايدة من اليمين المتطرف بمواصلة التصعيد وتوسيع العمليات العسكرية، ومن جهة أخرى يواجه انتقادات داخلية متصاعدة بسبب طول أمد الحرب وتكاليفها البشرية والاقتصادية والسياسية. ولذلك فإن أي تراجع أو قبول بوقف التصعيد قد يُفسَّر من قبل خصومه وحلفائه على حد سواء باعتباره رضوخًا للضغوط الأمريكية.
لكن ما تكشفه هذه الأزمة يتجاوز شخص ترامب أو نتنياهو؛ فهي تُذكِّر بحقيقة كثيرًا ما يجري تجاهلها في الخطاب السياسي والإعلامي، وهي أن العلاقة الأمريكية الإسرائيلية، مهما بدت وثيقة، ليست علاقة تطابق كامل في المصالح. فعندما تشعر واشنطن بأن سياسات تل أبيب تهدد أولوياتها الاستراتيجية الأوسع، فإنها لا تتردد في التدخل، ولو خلف الأبواب المغلقة، لإعادة رسم الحدود التي لا ينبغي تجاوزها.
وفي المقابل، تكشف الأحداث أيضًا حجم المأزق الذي وصلت إليه المنطقة بأسرها. فبعد شهور طويلة من الحروب والدمار وسقوط الضحايا في غزة ولبنان وإيران، لم يعد السؤال من انتصر ومن خسر في معركة هنا أو هناك، بل إلى أين يقود هذا المسار الجميع. فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها كثيرًا ما تنتهي بنتائج لم يتوقعها حتى الذين أشعلوها.
ولهذا فإن السؤال الأهم في نهاية المطاف ليس ما إذا كان ترامب قد أوقف هجومًا على بيروت، ولا ما إذا كان نتنياهو قد تراجع تحت الضغط الأمريكي، بل لماذا حدث ذلك الآن تحديدًا؟ هل كان الأمر تعبيرًا عن إدراك متأخر بأن المنطقة تقف على حافة انفجار شامل؟ أم أنه محاولة من واشنطن لإنقاذ نفسها من تداعيات سياسات ساهمت هي نفسها في صنعها؟ أم أن كلفة استمرار الحرب أصبحت ببساطة أعلى من قدرة الجميع على تحملها؟
ذلك هو السؤال الذي ستحدد إجابته ليس فقط مستقبل العلاقة بين ترامب ونتنياهو، بل ربما مستقبل الشرق الأوسط بأسره في السنوات المقبلة.