النائب العام: وفد من النيابة زار تركيا للمشاركة في تحقيقات حادث طائرة الحداد
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
أفاد مكتب النائب العام بأنّ وفدًا من النيابة العامة زار تركيا في إطار التحقيقات الجارية بشأن حادث سقوط طائرة رئيس الأركان العامة للجيش المشير محمد الحداد ورفاقه.
وقالت النيابة إنها بدأت منذ 23 ديسمبر الماضي التحقيق في واقعة سقوط الطائرة التي كانت تقل أربعة ضباط وموظفًا برئاسة الأركان، عقب انتهائها من مهمة عمل، أثناء مغادرتها الأراضي التركية في رحلة متجهة إلى طرابلس.
وأشارت النيابة العامة إلى أنها فعّلت آليات التعاون الدولي، وطلبت من السلطات التركية المختصة تمكينها من المشاركة في إجراءات التحقيق أو ملاحظتها، والتواصل بشأنها، في إطار المساعدة القانونية المتبادلة.
تركيا تُوافق
وبيّنت النيابة العامة أن السلطات التركية وافقت على طلبها، وانتقل عضوان من اللجنة المكلفة بالتحقيق رفقة مدير شؤون مكتب النائب العام إلى تركيا، حيث التقوا مسؤولين في وزارة العدل التركية، ثم المدعي العام في أنقرة، وجرى التنسيق بشأن تنفيذ طلب المساعدة القانونية.
وفي 13 فبراير الجاري، قدّم رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إحاطة إلى رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي حول مستجدات التحقيقات في حادث تحطم طائرة المشير الحداد ورفاقه، وذلك خلال لقاء جمعهما بمقر المجلس في العاصمة طرابلس.
عطل كهربائي
وسبق أن أعلنت السلطات التركية أن عطلاً كهربائيًّا أدى إلى سقوط الطائرة، فيما عُثر على مسجل بيانات الرحلة (الصندوق الأسود) في حقول زراعية قرب موقع التحطم.
وفي الرابع من فبراير الجاري، كشف وزير النقل والبنية التحتية التركي أورال أوغلو أن التحقيقات الأولية لبيانات الصندوق الأسود أظهرت خروج مولدين كهربائيين في الطائرة عن الخدمة، وهو ما يُرجّح أن يكون سببًا رئيسًا في وقوع الحادث.
المصدر: مكتب النائب العام
تركياطائرة الحدادمكتب النائب العام Total 0 Shares Share 0 Tweet 0 Pin it 0
المصدر
المصدر: ليبيا الأحرار
كلمات دلالية: الاتحاد الأوروبي يوهان يونيسيف يونيسف يونغ بويز يونسيف تركيا طائرة الحداد مكتب النائب العام
إقرأ أيضاً:
حسام الحداد يكتب: من التنوير إلى التحريم.. كيف يفتح تضييق "الأنشطة الطلابية" أبواب التطرف؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في قلب الصراعات الثقافية المحتدمة داخل أروقة الجامعات المصرية، برزت واقعة إيقاف العرض المسرحي "الدحديرة" بكلية الحقوق بجامعة حلوان كحلقة في سلسلة من التوترات التي تشهدها المؤسسات التعليمية، حيث اصطدمت طموحات الشباب الإبداعية بتوجهات إدارية محافظة أعادت إحياء الجدل حول حدود الحريات الطلابية. هذه الأزمة لم تكن مجرد حادثة عارضة، بل جاءت لتكشف عن فجوة عميقة في إدارة الفضاء الجامعي، حيث باتت الأنشطة الثقافية -التي كانت تاريخياً متنفساً للوعي- رهينة لتفسيرات فردية تضع الفن والمسرح في قفص الاتهام، متجاهلة الدور التنويري الذي تضطلع به الجامعة كبيت للحرية والقانون.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تمر فيه جامعة حلوان، كغيرها من الجامعات، بمرحلة انتقالية تبحث فيها عن توازن دقيق بين الالتزام بالتقاليد الأكاديمية الصارمة وبين ضرورة تعزيز بيئة طلابية منفتحة وقادرة على التفكير النقدي. ففي ظل التقارير التي أشارت إلى إيقاف العرض المسرحي تحت ذرائع دينية، تصاعدت حالة من الغضب والاستياء ليس فقط بين طلاب الكلية الذين رأوا في هذا الإجراء تضييقاً على أحلامهم، بل امتدت التساؤلات لتصل إلى أساتذة ومثقفين تساءلوا عن مغزى تحويل "كلية الحقوق" من معقل للدفاع عن الحريات والحقوق إلى منبر للرقابة الأخلاقية والوصاية الفكرية التي تقوض استقلالية الإبداع.
إن هذه الواقعة، التي استدعت انتقادات حادة من شخصيات فنية ورموز ثقافية مرموقة مثل المخرج يسري نصر الله والسيناريست تامر حبيب، تفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات أمنية وأكاديمية حول الأمن القومي الثقافي في مصر. فالجامعة، وفقاً لما يراه المتابعون للواقعة، تظل خط الدفاع الأول ضد الأفكار المتطرفة، وأي تراجع عن دورها التنويري يترك خلفه "فراغاً فكرياً" قد تملؤه النزعات الإقصائية. ومن هنا، يضع هذا التقرير واقعة كلية الحقوق تحت مجهر البحث، مستعرضاً تداعيات هذا التصادم بين الإدارة والطلاب، ومحاولاً استشراف مستقبل النشاط الطلابي في ظل تحولات مجتمعية وفكرية متسارعة، مؤكداً أن الحوار هو السبيل الوحيد للحفاظ على الجامعة كمنارة للتعددية لا كساحة للمنع والتحريم.
مسرحية تحت مقصلة "التحريم"
في قلب الحرم الجامعي، كان فريق "الدحديرة" المسرحي يستعد للحظة الحصاد بعد شهور طويلة من البروفات المضنية والتجهيزات الفنية التي خاضوها بإمكانياتهم المحدودة. ساد الصمت والترقب في القاعة، واختلطت أنفاس الطلاب بعبق خشبة المسرح، حيث بذل الشباب جهوداً استثنائية وتكبدوا أعباءً مالية من مدخراتهم الشخصية ليخرج العرض في أبهى صورة. لكن، وفجأة، تحولت أجواء الحماس إلى ذهول تام، حين انقطع التيار الكهربائي وتوقفت أجهزة الصوت عن العمل وسط العرض، ليتضح لاحقاً أن ما حدث لم يكن عطلاً تقنياً طارئاً، بل قراراً إدارياً حاسماً ومباغتاً أُسدلت من خلاله الستائر قسراً قبل أن يكتمل المشهد الأخير، مخلفاً وراءه صدمة عميقة في نفوس الطلاب الذين وجدوا مجهودهم يتبخر في لحظات.
وعقب هذه الواقعة المفاجئة، اتضحت دوافع القرار التي صدمت الوسط الأكاديمي والطلابي على حد سواء. فقد تداولت شهادات طلابية متطابقة تصريحات نُسبت إلى عميدة الكلية، تبرر فيها هذا الإجراء الصارم بمرجعية فكرية تتبنى رؤية متشددة، حيث اعتبرت أن "التمثيل والمسرح عمل يتنافى مع ضوابط الدين"، مما جعل من المحتوى الفني الذي قدمه الطلاب هدفاً للمنع بدلاً من كونه وسيلة للتعبير الثقافي. هذه التصريحات لم تأتِ في سياق حوار أكاديمي، بل جاءت كقرار حاسم أغلقت به الأبواب أمام أي محاولة للنقاش، فارضة واقعاً جديداً يضع الأنشطة الفنية تحت مقصلة المنع الأخلاقي.
لم تقف الأمور عند حدود الإلغاء القسري، بل اقترنت تلك التصريحات بنبرة "أبوية" فرضت نوعاً من الوصاية على مسارات الطلاب، حيث وجهت العميدة نصائح صارمة بضرورة انصراف الطلاب كلياً عن أي نشاط خارج إطار المنهج الأكاديمي. وقد أثار هذا التوجه استياءً واسعاً؛ إذ رأى فيه الطلاب محاولة لتقليص مساحتهم الإبداعية داخل كليات الحقوق، التي من المفترض أن تكون الحاضنة الأولى لمبادئ الحرية والعدالة والقانون. وبدلاً من أن تكون الجامعة ساحة لصقل المواهب وتنمية الشخصية الإبداعية، وجد الطلاب أنفسهم أمام "رقابة" غير متوقعة، أعادت طرح تساؤلات حادة حول حدود صلاحيات المسؤول الإداري في الجامعات، وحق الطالب في ممارسة التعبير الإبداعي بعيداً عن القيود الذاتية والتعسفية.
حسام الحداد يكتب: بين "الدحديرة" و"برشامة".. هل نُعيد إنتاج أسباب التطرف؟صدمة في الأوساط القانونية والفنية
لم تكن واقعة "كلية الحقوق" مجرد حادثة عابرة داخل أروقة الجامعة، بل تحولت إلى صدمة مدوية أحدثت ارتدادات واسعة في الأوساط الفنية والأكاديمية المصرية. فقد سادت حالة من الذهول والترقب بين النخب المثقفة التي رأت في هذا الإجراء مؤشراً مقلقاً على تراجع مساحات الحرية. وفي هذا السياق، لم يخفِ المخرج السينمائي الكبير يسري نصر الله قلقه البالغ من تداعيات هذه الواقعة، واصفاً إياها بأنها "ناقوس خطر" يدق في وجه المؤسسة التعليمية. وأكد نصر الله في تصريحاته أن جوهر الأزمة لا يتلخص في إيقاف عرض مسرحي فحسب، بل في طبيعة التوجه الفكري الذي يقف خلفه، مشيراً إلى أن صدور مثل هذه التصريحات من مسؤولة عن إعداد وتخريج أجيال من القانونيين يحمل دلالات خطيرة؛ إذ يُفترض في خريجي الحقوق أن يكونوا الحصن الأول للدفاع عن قيم الحرية والدستور وتنوع الأفكار في المجتمع.
وعمق المخرج يسري نصر الله من تحليله للواقعة، معتبراً أن تقييد الإبداع الطلابي داخل أسوار الجامعة هو "تراجع عن دور الجامعة كمنارة للتنوير". وحذر من أن محاصرة العقول في قوالب ضيقة، تحت ذريعة التحريم أو الوصاية الفكرية، يمثل تهديداً مباشراً لما وصفه بـ "الأمن القومي الثقافي". فمن وجهة نظره، فإن الفن ليس ترفاً، بل هو أداة لصقل الشخصية القانونية القادرة على التفكير النقدي والتحليل المنطقي. وأوضح نصر الله أن تقزيم الفكر في قوالب جامدة لا يخدم العملية التعليمية، بل يفرغها من محتواها الديمقراطي، ويحول قاعات الدرس من فضاءات رحبة للحوار إلى بيئات طاردة للتعددية، وهو أمر يضع مستقبل الأجيال القادمة من المشرعين والقضاة أمام تحديات فكرية وجودية.
من جانبه، انضم السيناريست تامر حبيب إلى قائمة المنتقدين للواقعة، معتبراً إياها "تضييقاً ممنهجاً" يتجاوز حدود الحادثة الفردية ليطال حق الشباب الأصيل في التعبير عن ذواتهم. وأشار حبيب في تعليقه على الموقف إلى أن الجامعة لطالما كانت -تاريخياً- المكان الأول والأكثر أهمية لممارسة الحق في التعبير واختبار حدود الإبداع، وما حدث في كلية الحقوق لا يعدو كونه "انتكاسة" لقيم الانفتاح والتنوير التي قامت عليها الجامعة المصرية العريقة طوال عقود. وأكد حبيب أن التضييق على الأنشطة الطلابية الفنية يغلق النوافذ أمام التفاعل الخلاق بين الطلاب، ويُجهز على حلم جيل يبحث عن مساحة للتعبير عن قضاياه المجتمعية والفردية من خلال المسرح والدراما، داعياً إلى ضرورة التصدي لهذه الممارسات التي تتنافى مع طبيعة المؤسسات التعليمية الحديثة.
حسام الحداد يكتب: بين قناع "الثقافة" وأجندة "التمكين".. تغلغل تيار الإسلام السياسي في أروقة اتحاد الكُتّابسياق الأزمة: جدل بين التقاليد والحرية
تأتي هذه الواقعة لتجسد فصلاً جديداً في صراع محتدم داخل المؤسسات التعليمية المصرية، حيث تتصادم بشكل متزايد ثنائية "التقاليد الجامعية المحافظة" مع "مساحات الحرية الفردية والإبداعية". ويلاحظ مراقبون للشأن الجامعي أن هناك تياراً إدارياً متنامياً داخل بعض الكليات بدأ ينتهج تفسيرات متشددة للوائح والتقاليد الجامعية؛ حيث يتم توظيف هذه اللوائح كأداة للتحكم في الأنشطة الطلابية التي لا تتماشى مع رؤية ضيقة للعملية التعليمية. هذا التوجه لا يقف عند حدود التفسير الإداري، بل يستند إلى مرجعيات اجتماعية وفكرية تفرض وصاية أخلاقية ودينية على الأنشطة التي تخرج عن نطاق المحاضرات الأكاديمية الصرفة، مما يجعل الفضاء الجامعي ساحة لاستقطاب فكري حاد.
تاريخياً، لم تكن الجامعات المصرية مجرد قاعات للتحصيل العلمي، بل كانت على مدار عقود "الحاضنة الأولى" لأجيال من المبدعين المصريين الذين شكلوا وجدان الأمة؛ حيث كانت مسارح جامعات القاهرة، وعين شمس، وحلوان، بمثابة المختبرات التي تبلورت فيها المواهب الفنية والأدبية. إن إلغاء هذه المساحات أو تقليص دورها يمثل ضربة قاصمة لذاكرة مصر الثقافية. ويرى أساتذة في علم الاجتماع السياسي أن محاربة الفن داخل الجامعة لا تهدف فقط إلى التضييق على الأنشطة الترفيهية، بل هي محاولة ممنهجة لـ "تنميط" العقل الطلابي، وتقليص قدرة الطالب على التفكير النقدي والتحليلي الذي يُعد الفن والمسرح أحد أهم أدوات صقله وتنميته.
وفي قراءة أعمق للمخاطر المترتبة على هذه الممارسات، يحذر الخبراء من أن محاصرة الفكر ومنع الفنون داخل الحرم الجامعي تفتح أبواباً خطيرة نحو التطرف الفكري؛ إذ إن الجامعة حين تتخلى عن دورها في تعزيز قيم التسامح والتعددية عبر الثقافة والفنون، فإنها تترك فراغاً فكرياً يسهل ملؤه بأفكار إقصائية. إن خنق الأصوات المبدعة ومنع أشكال التعبير الفني يغذي البيئة الخصبة التي يتغذى عليها الفكر المتطرف، حيث يتم استبدال لغة الحوار والجمال بلغة التحريم والمنع، مما يخلق عقولاً مهيأة لتبني أفكار أحادية الجانب ترفض الآخر وتنبذ الاختلاف، وهو ما يمثل تهديداً غير مباشر للأمن الفكري والمجتمعي.
إن هذا المسار التشددي لا يمثل مجرد تضييق على حرية الطالب، بل هو استراتيجية إقصائية تهدد الاستقرار الوطني على المدى البعيد. فعندما يجد الشاب الجامعي نفسه محاصراً داخل سياج من المحرمات والممنوعات التي تتجاوز القانون، فإنه يفقد شعوره بالانتماء للمؤسسة التي كان يُفترض أن تصقله كفرد فاعل في مجتمع ديمقراطي. إن تغلغل هذا الفكر الإقصائي داخل المؤسسات التعليمية العليا يُعد مؤشراً على اختراق قيم التنوير التي قامت عليها الدولة المصرية الحديثة، مما يستوجب وقفة جادة لإعادة الاعتبار للفن والنشاط الطلابي كحصون أساسية في مواجهة الإرهاب والتطرف، وكأدوات جوهرية لتحصين العقول ضد أي استقطاب راديكالي.
حسام الحداد يكتب: من سيد قطب إلى خالد فهمي: تحولات الخطاب الحركي في "كأن القرآن يتنزل من جديد"مطالب بـ "رد الاعتبار" والحق في الإبداع
لم تتوقف ارتدادات الواقعة عند حدود الاستياء الطلابي العفوي، بل سرعان ما تحولت إلى حملة منظمة تطالب بفتح تحقيق رسمي شفاف ومستقل لكشف ملابسات قرار الإيقاف ومحاسبة المسؤولين عنه. وقد تصاعدت أصوات النشطاء الحقوقيين والكيانات الطلابية المستقلة، مشددة على أن تعطيل الأنشطة الثقافية بذرائع شخصية أو مرجعيات خارجة عن اللوائح الجامعية المعتمدة يعد مخالفة دستورية صريحة، وتجاوزاً صارخاً لصلاحيات الإدارة التي تفرض عليها لوائح الجامعات المصرية حماية وتنمية المواهب الطلابية لا قمعها. ويرى هؤلاء الحقوقيون أن سكوت المؤسسة التعليمية عن مثل هذا التصرف قد يُرسخ لسابقة خطيرة تهدد استقلال الفضاء الجامعي، وتُشجع المسؤولين على ممارسة "الوصاية الأخلاقية" بدلاً من أداء دورهم الأكاديمي والتربوي.
ويعكس صوت الطلاب المتضررين عمق المأساة التي تجاوزت الجانب المادي لتطال الجانب النفسي والوجداني؛ حيث يقول أحد الطلاب المشاركين في عرض "الدحديرة": "لقد تحملنا تكاليف الديكور والملابس والتجهيزات من قوتنا اليومي، ليس طلباً للشهرة أو التكسب، بل حباً في الفن وشغفاً بالتعبير. لم نكن نتخيل يوماً أن مبنى كلية الحقوق –وهو بيت القانون الذي ينهل منه الطلاب مبادئ العدالة والحرية– سيتحول إلى ساحة تُفرض فيها الوصاية الأحادية على إبداعنا". هذا الشعور بالظلم والإحباط يعزز القناعة لدى الطلاب بأن الإدارة قد تخلت عن دورها كـ "حاضنة للحرية"، مما يولد لديهم شعوراً بالاغتراب داخل مؤسستهم التعليمية، ويجعلهم أكثر عرضة للانعزال أو اليأس من إمكانية التغيير الإيجابي داخل الدولة.
الأخطر من ذلك، هو أن تغييب الفن وتجفيف منابع الإبداع في الجامعات يفتح الباب على مصراعيه أمام قوى التطرف والإرهاب؛ فالفن هو الحصن الدفاعي الأول ضد الأفكار الظلامية، وعندما يتم منع الطلاب من التعبير عن ذواتهم عبر المسرح والموسيقى، فإننا ننزع عنهم سلاحهم في مقاومة التشدد. إن هذا المناخ الطارد للفنون يخلق "فراغاً فكرياً" يستغله دعاة التشدد لغرس أفكارهم الإقصائية في عقول الشباب الذين شعروا بالرفض من مؤسساتهم الرسمية. فبدلاً من أن تكون الجامعة منارة تقاوم الإرهاب من خلال الفكر والفن والجمال، تتحول –بفعل مثل هذه القرارات– إلى بيئة طاردة للوسطية، مما يجعلها تربة خصبة لاستقطاب الشباب نحو الجماعات المتطرفة التي تقتات على الشعور بالاضطهاد وتهميش الحقوق الفردية.
هل تراجع الجامعة دورها التنويري؟
إن ما شهدته كلية الحقوق بجامعة حلوان يتجاوز في أبعاده الدلالية مجرد إلغاء عرض مسرحي طلابي؛ فهو يمثل اختباراً وجودياً لمدى قدرة المؤسسات التعليمية المصرية على استيعاب التنوع الثقافي وحماية حرية التعبير في خضم تصاعد الضغوط الاجتماعية المحافظة. إن تحويل حرم الجامعة من ساحة للحوار الحر إلى ميدان للرقابة الصارمة يضع مستقبل "النموذج التنويري" للجامعة على المحك، ويطرح تساؤلات ملحة حول ما إذا كانت الإدارات الجامعية لا تزال تمتلك القدرة والرغبة في رعاية العقول المنفتحة، أم أنها بدأت تستسلم لتيارات الجمود التي تسعى لتقزيم الفضاء الأكاديمي.
إن النتائج المترتبة على هذه الواقعة قد تكون وخيمة إذا ما تُركت دون معالجة جذرية؛ ففي حال غياب حوار جاد وشفاف بين إدارة الجامعة والطلاب، أو تعطل تدخل وزارة التعليم العالي لضمان سيادة القانون وحماية حرية الأنشطة الطلابية، فإننا سنكون أمام حالة من "الاحتقان الصامت" داخل الأروقة الجامعية. هذا الاحتقان لا يعني فقط هجر الطلاب للأنشطة الثقافية واكتفاءهم بالتحصيل الأكاديمي الجاف، بل يعني تحول الجامعة من منارة للإشعاع الفكري إلى مؤسسة تعليمية جوفاء، تفتقر إلى الروح التفاعلية التي تميز الطالب الجامعي وتجعله فرداً فاعلاً ومبدعاً في محيطه.
والأخطر من ذلك هو الأثر طويل المدى لهذه الممارسات في مواجهة الإرهاب؛ فمثل هذه الحوادث التي تقمع التعبير الفني وتفرض وصاية فكرية تفتح الباب على مصراعيه أمام التطرف. إن تجفيف منابع الفن والجمال في الجامعات يخلق بيئة مواتية لنمو الفكر الظلامي، حيث يتم سحب البساط من تحت أرجل الاعتدال والتنوع، ليجد الشباب أنفسهم في مواجهة "فراغ فكري" قد يسهل استغلاله من قبل التنظيمات الراديكالية. إن منع المسرح والفن تحت ذريعة "التحريم" يمثل في جوهره تقويضاً لأدوات الدفاع الوطني ضد الإرهاب، فالفن هو الحصن الذي يُحصن عقول الشباب ضد الاستقطاب، وغيابه يعني تسليماً مجانياً للميدان الفكري لصالح قوى التشدد.
في الختام، يظل السؤال معلقاً بانتظار إجابة رسمية حاسمة: هل سنشهد إجراءً إدارياً يُعيد للطلاب اعتبارهم ويؤكد على استقلالية الإبداع كجزء لا يتجزأ من العملية التعليمية؟ أم أن "الستائر" التي أُسدلت قسراً على مسرح كلية الحقوق ستصبح هي القاعدة الجديدة، والنموذج المعتمد في التعامل مع طموحات جيل يبحث عن التغيير من خلال الفن؟ إن الإجابة على هذا التساؤل لن ترسم فقط مستقبل النشاط الطلابي، بل ستحدد هوية الجامعة المصرية في العقد القادم، ما بين جامعة تنبض بالحياة والتنوير، أو مؤسسة منغلقة توفر أرضية خصبة لكل ما نخشاه من تطرف وتراجع فكري.