لجريدة عمان:
2026-07-23@22:26:27 GMT

هندسة العلاقات

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

يسرى بنت جابر المسكرية

يطل علينا شهر رمضان وهو حامل معه روحانيته ونفحاته، ليكون محطةً للتطهرِ الروحيِّ والقلبيِّ، فهو ليس مجرد إمساك عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب، بل هو مدرسة متكاملة تهدف إلى بناء الإنسان من الداخل، إذْ إنها تزكي نفسه، وتعيد صياغة علاقاته على أسس من الإيمان والمحبة، وفي قلب هذه المدرسة تبرز قيمتان عظيمتان: صلةُ الرحمِ والتسامحُ.

فصلة الرحم في الإسلام تعد أحد أهم ركائز بناء المجتمع المسلم المتين، فهي ليست مجرد عادات اجتماعية يجد فيها الإنسان إشباعًا لحاجة الانتماء لديه، أو يؤديها إرضاءً لغيره، بل هي عبادة وقربى يتقرب بها العبد لربه، وعلامة على الإيمان، فعنه ﷺ «ومن كان يؤمن بالله واليومِ الآخر فليصِل رحمه» [البخاري: 6138]، ومن عظمة صلة الرحم أن شقّ الله اسمها من اسمه، ففي الحديث القدسي: «قال الله: أنا الرَّحمن، وهي الرَّحِم، شققتُ لها اسمًا من اسمي، مَن وصلها وصلتُه، ومن قطعها بتتُّه» [أبوداود: 1694].

وصلة الرحم تزيد العمر والرزق بركة، فقد ورد عن النبي ﷺ «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَه» [البخاري:2067]، ومن فضائلها الكثيرة أنها سبب لصلة الله -تعالى- وإكرامه لعباده، فعن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي ﷺ أنه قال: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللهُ» [مسلم:2555].

ورمضان يُعدّ فرصةً ذهبيةً لإحياء هذه السنة العظيمة، فإنّ المسلمين يصُومون في وقت واحد ويفطرون في وقت واحد، وتجمعهم صلوات الفرائض والقيام، كما إنَّ موائدَ الإفطارِ العائليةِ تلمُّ شملَ الأسرِ، وتقرب بينهم، وينتهز بعض الصائمين الفرصة لزيارة أرحامه في نهار رمضان لاشتغالهم في الليل بالقيام، وحتى لا يكلّف أرحامه عناء إكرامه، وهذا ما رأيناه من مشايخ العلم. ومن الوسائل المعينة على الصلة: الاتصالاتُ الهاتفيةُ والرسائلُ في حالِ البعدِ عن التواصل المباشر.

ويؤمر المسلم بصلة أرحامه وإن هم قطعوه، ففي الحديث: «صِلْ مَنْ قَطَعكَ، وأَعْطِ مَنْ حَرمَك، وأَعْرِضْ عَمَّنْ ظَلَمك» [الترغيب: 2536]، وفيه أيضًا دعوة من خير المرسلين ﷺ للمسلم بأن يهذّب نفسه ويدفعها لتتبع أوامر الإسلام وإن لم توافق هوى نفسه، فالتسامح والعفو خلقُ الحبيب المصطفى عليه صلوات ربي وسلامه، فقد رسخه من خلال تعامله، فهذا أحد المواقف التي يرويها أَنَس بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ» [البخاري:3149]. وتعامله مع من آذوه وأخرجوه وحاربوه، ليأتي لهم فاتحًا منتصرًا فيعفو ويصفح بعد أن دانت له مكة، فآمن أهلها على أنفسهم وأموالهم، ففي الحديث: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ» [مسلم: 1780]، فيعلنها -عليه الصلاة والسلام- منهجًا إسلاميًا: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وعلى ذلك تربى الصحابة الكرام؛ فقد جسّد معاني الصِلة والصفح والمسامحةَ الصدّيقُ  عندما تراجع عن قطع الصدقة عن مسطحٍ لقذفِهِ أمَّ المؤمنين عائشةَ -رضي الله عنها- فور نزول الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: 22].

فالتسامح هو النور الذي يعمق صلة الأرحام ويقوي الروابط الاجتماعية، فكل إنسان يخطئ ويستحقُّ أن يُسامحَ ويعفوَ عنهِ، بل هو أقرب للتقوى، يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:237]، ويقول جلّ شأنه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:40]، وعن فضل العفو يقول النبي ﷺ: «وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ، إِلَّا عِزًّا» [مسلم:2588].

والله -سبحانه- عفوٌّ يحب العفو كما ورد في حديث عائشة رضي الله عنها، والعفوُ والتسامح يزيل عن القلب أدران الحقد والضغينة، ولأن شهر رمضان هو شهر المغفرة والعتق من النار، وشهر ترقُّ فيه القلوب وتصفو النفوس، شهر يُعلّم الصبر وضبط الشهوات والتحكم في النّفس، فهو أنسب وقت للتسامح والعفو، ولحلِّ المشكلات العالقة بين النفوس، وكيف للإنسان أن يطلب عفو الله ورضوانه وهو يأبى أن يعفو ويسامح أخاه؟

وكذلك نرى الصائم عندما يمتنع عن شهواته في سبيل الله، يتعلم قوة الإرادة والتحكم في الانفعالات، وهو تدريب روحي يجعله أكثر قدرة على تجاوز الأخطاء، ونسيان الإساءات، وصفحِ القلب عمن أساء إليه، فينبغي للمسلم أن يتذكر ضعفه وأنه أيضًا يخطئ ويحتاج إلى من يصفح عنه إن أخطأ، فالتسامح ليس ضعفاً، بل هو قوة وعزةُ نفسٍ، فالعفو عند المقدرة من شيم كبار النفوس، ودليل على عظمة الروح ونضجها.

وفي رمضان ليلةُ القدرِ، العبادةُ فيها تعدلُ عبادةَ ألفِ شهرٍ، وهي التي تكون سلامًا، يقول جلّ شأنه: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر:5]، ليلة يطلب فيها المؤمن العفو من ربه. ومن مفاتيح قبول الدعاء ألا يكون للمؤمن خصومة بلا وجه حق، يقول النبي ﷺ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا» [مسلم: 2565]، فلا يُتصور لقلبٍ ممتلئٍ بالغلّ أن ينعم بالفوز والقبول في أفضل الليالي وأعظمها، فالتسامح هو مفتاح القلب لاستقبال رحمة الله ونفحات شهره.

كما أن التسامح يقوي روابط المجتمع ويعلي شأن الأمة، يقول الله تعالى محذّرًا من التنازع ومبيّنًا العاقبة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:46]، وإذا كان التدابر والتباغض منهيًّا عنه، فإن التقارب والبدء بالسلام يُؤجَرُ عليه المسلم، فوصف النبي ﷺ من يبدأ بالسلام بالخيرية، وبيّن فضل المصافحة لأنها سبب في التقريب بين المسلمين، يقول عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» [ابن ماجه: 3703].

فما أحرى بالمسلم أن يجمع بين صلة الرحم والتسامح وخاصة في رمضانَ شهرِ القربِ وسعة الصدر، وانشراح النفس؛ مما يخلق مجتمعًا متماسكًا ومتراحمًا؛ لأن صلة الأرحام تقطع دابر الخصومات قبل أن تبدأ، والتسامح يعالج ما قد يكون نشأ منها، فالعائلة التي تجتمع على مائدة الإفطار، هي فرصةٌ لتصفية النفوس، ومد الجسور، وإعلان العفو والصفح، فرُبّ كلمة اعتذار أو كلمة قبول الاعتذار -التي هي من شيم كبار النفوس، والتي تُقال في هذا الشهر- كان لها أثرٌ عميق، فهي تزيل ثقل الأحقاد عن القلوب، وتفتح صفحة جديدة من المودة والاحترام.

إن شهر رمضان هو دعوة متجددة لكل مسلم أن يراجع علاقاته مع الله ومع خلقه، فلنغتنم هذه الأيام المعدودة والليالي الفاضلة، ولنجعل من صلتنا لأرحامنا وتسامحنا مع إخواننا زادَنا في شهرٍ تتضاعف فيه الأجور، وشهرٍ لله فيه كل يوم عتقاء من النار.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: صلة الرحم النبی ﷺ

إقرأ أيضاً:

تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف

نشرت وزارة الأوقاف نص موضوع خطبة الجمعة اليوم الموافق 10 صفر ١٤٤٨هـ/ ٢٤ يوليو - ٢٠٢٦م والتي حددت موضوعها بعنوان: «الماء حياة ونماء».

وقالت الوزارة أن  الهدف المراد توصيله: الوعي بأن المحافظة على المياه والموارد العامة مسئولية دينية ووطنية أما الخطبة الثانية: «الموارد ليست ملكا خاصا».

وشددت الوزارة على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة ووقتها المحدد لها.

خطبة الجمعة اليوم.. نائب رئيس جامعة الأزهر يكشف صور حق الطريق في الإسلامخلال خطبة الجمعة.. أمين البحوث الإسلامية: الشريعة جعلت القوة في نصرة الحق ورد المظالمالماءُ حياةٌ ونماء

الحمدُ للهِ الذي جعلَ منَ الماءِ كلَّ شيءٍ حيٍّ، ويسَّرَ بهِ أرزاقَ العبادِ في كلِّ وادٍ وحيٍّ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، منبعُ الجودِ والعطاءِ، ومُسدي نعمِ الأرضِ والسماءِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، كانَ أصدقَ الناسِ شكرًا للنعماءِ، وأحفظَهُم لمواردِ العيشِ والهناءِ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ الأبرارِ، صلاةً دائمةً ما انهمرَ غيثٌ وتدفقتْ أنهارٌ، أما بعدُ، فيا عبدَ اللهِ:

١- كنْ شاكرًا لربِّكَ على نعمةِ الماءِ فهي أصلُ الحياةِ، ومصدرُ النماءِ والبهجةِ الروحيةِ والبدنيةِ، فحقيقةُ بقائِكَ تقومُ على تدفقِ سرِّ الحياةِ الثمينِ، وتكتملُ بهِ عمارةُ الأرضِ للمستخلَفينَ، فطريقُ الشكرِ لخالقِكَ يحتاجُ إلى صيانةِ هذهِ المِنَّةِ العظيمةِ، التي بها قيامُ المخلوقاتِ، لتغدوَ قيمُ الترشيدِ والحفاظِ جزءًا من سلوكِكَ، وعنصرًا أساسيًّا في سموِّ شؤونِكَ، وتتبّعْ أثرَ الأنبياءِ في استشعارِ هذا العطاءِ المديدِ، فقد جعلَ اللهُ الماءَ آيةً كبرى للتثبيتِ والتأييدِ، فنجَّى نوحًا بماءٍ انهمرَ وفاضَ، وجعلَهُ لموسى رضيعًا وشابًّا طريقًا للنجاةِ والخلاصِ، ونصرَ بهِ الحبيبَ المصطفى ﷺ يومَ بدرٍ بالطهورِ والتثبيتِ، وكانَ سرُّ التفوقِ في معركةِ العاشرِ من رمضانَ، فأطلِقْ في مجالاتِ حياتِكَ نداءَ التدبرِ والامتنانِ، واجعلْ نيتَكَ صيانةَ هذا الفيضِ الربانيِّ منَ النقصانِ، لتسعدَ في دنياكَ وآخرتِكَ ببركةِ العيشِ الرغيدِ، تقديرًا لهذهِ النعمةِ العظيمةِ، في إطارِ قولِ اللهِ جلَّ وعلَا: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَاۤءِ كُلَّ شَیۡءٍ حَیٍّۚ أَفَلَا یُؤۡمِنُونَ﴾.

٢- تدبرْ حقيقةَ الأمانةِ الملقاةِ على عاتقِكَ في صيانةِ نعمةِ الماءِ، فالإسلامُ جعلَ الحفاظَ على هذهِ النعمةِ مسؤوليةً دينيةً ووطنيةً على كلِّ فردٍ في مجتمعِهِ، وهي عبادةٌ يتقربُ بها العبدُ إلى ربِّهِ، وواجبٌ وطنيٌّ يحمي بهِ مقدراتِ بلادِهِ وأمنَها القوميَّ، فتتبعْ سيرَ الصحبِ الأبرارِ في صونِ النعمِ، وتعلَّمْ فضلَ الاقتصادِ في العطايا، وانظرْ لعظيمِ الأجرِ في ميزانِ الرحمنِ، حينَ جعلَ اللهُ سقيَ المحتاجِ وإحياءَ النفوسِ سببًا لمغفرةِ الذنوبِ والآثامِ، وفي المقابلِ توعدَ منْ يهدرُ المياهَ أو يمنعُ فضلَها بالوعيدِ الشديدِ، فصيانةُ أمنِ وطنِكَ المائيِّ وحفظُ استقرارِهِ هو أبلغُ زادٍ للسالكينَ، وبها تتكاملُ الواجباتُ وتتحققُ المصلحةُ في الدارينِ، امتثالًا للهديِ النبويِّ الشريفِ، وتطبيقًا لمقاصدِ الشريعةِ الغرَّاءِ في حفظِ الأنفسِ والأوطانِ، حيثُ ضربَ النبيُّ ﷺ أروعَ مثلٍ للمسؤوليةِ الوطنيةِ والمجتمعيةِ في حمايةِ مقدراتِ الوطنِ فقالَ: «مَثَلُ القائِمِ على حُدودِ اللهِ والواقِعِ فيها كمَثَلِ قَومٍ استَهَموا على سَفينةٍ، فأصابَ بَعضُهم أعلاها وبَعضُهم أسفَلَها، فكان الذينَ في أسفَلِها إذا استَقَوا مِنَ الماءِ مَرُّوا على مَن فوقَهم، فقالوا: لو أنَّا خَرَقنا في نَصيبِنا خَرقًا ولم نُؤذِ مَن فوقَنا، فإن يَترُكوهم وما أرادوا هَلَكوا جَميعًا، وإن أخَذوا على أيديهم نَجَوا، ونَجَوا جَميعًا».

٣- احذر الإسرافَ والعبثَ بالمصادرِ المائيةِ، واجعلْ ترشيدَ الاستهلاكِ ديدنَكَ، واغرسْ هذهِ الثقافةَ في نفوسِ أبنائِكَ، وتجنب السلوكياتِ الخاطئةَ؛ فلا تترك الصنبورَ مفتوحًا دونَ استعمالٍ، وتجنب الإسرافَ في تنظيفِ السياراتِ، واحذرْ إهمالَ تسريباتِ الأنابيبِ وشبكاتِ المياهِ، كما يشتدُّ النهيُ والتحذيرُ منْ إلقاءِ القاذوراتِ في نهرِ النيلِ وما يتفرعُ منهُ، فإنَّ هذا جرمٌ كبيرٌ وأذًى عظيمٌ، واعلمْ أنَّ هدرَ المياهِ ليسَ مجردَ هدرٍ ماليٍّ، بلْ هو مخالفةٌ شرعيةٌ تحرمُكَ شكرَ المنعمِ، فأصلحْ سلوكَكَ اليوميَّ المائيَّ، لتسلكَ سبيلَ النجاةِ يومَ تُسألُ عنِ النعيمِ، مستمسكًا بهديِ نبيِّكَ ﷺ حينَ مرَّ بسعدٍ وهو يتوضأُ فقالَ: «ما هذا السرفُ؟ فقالَ: أفي الوضوءِ إسرافٌ؟ قالَ: نعمْ، وإنْ كنتَ على نهرٍ جارٍ».

٤- تذوقْ ثمراتِ الأمنِ المائيِّ المستدامِ، واغتنمْ بركاتِ الاستقرارِ والتنميةِ على الدوامِ، فإذا أحسنتَ إدارةَ المواردِ، وحميتَ الأنهارَ منَ التلوثِ والهلاكِ، سارتْ مركبُ الأوطانِ في أمنٍ ورخاءٍ، فيتعينُ عليكَ حينئذٍ صونُ الأواصرِ والبيئةِ بتركِ الاعتداءِ، والتخلقُ بخُلُقِ الاقتصادِ في الغسلِ والوضوءِ، واحذرِ الإسرافَ فإنَّهُ ممحقٌ للنعمِ والخيراتِ، وبسببِهِ يحلُّ الفقرُ، وتتبددُ الثرواتُ، فحافظْ على شبكاتِ المياهِ، واستعملْ وسائلَ الريِّ الحديثةَ بحكمةٍ وأناةٍ، وكنْ واعيًا مصلحًا باذلًا للخيرِ في سائرِ المجالاتِ، فبالأمنِ المائيِّ تُبنى الحضاراتُ على ضفافِ الأنهارِ، وتزولُ أسبابُ النزاعِ والاضطرارِ، فتلكَ نعمةٌربانيةٌ، ومِنَّةٌ رحمانيةٌ، قالَ سبحانهُ: ﴿قُلۡ أَرَءَیۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَاۤؤُكُمۡ غَوۡرࣰا فَمَن یَأۡتِیكُم بِمَاۤءࣲ مَّعِینِۭ﴾ .

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ وكفى، وصلاةً وسلامًا على عبادِهِ الذينَ اصطفى، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، لهُ الملكُ ولهُ الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أما بعدُ:

فإن المواردَ العامةَ ليستْ ملكًا لكَ أو لغيرك، بلْ هيَ ملكٌ للجميع، فاجعلْ تعاملَكَ معَ المواردِ العامةِ صونًا لنعمةِ ربِّكَ، وانشرْ بذورَ الترشيدِ والنظامِ في حياتِكَ، فالمواردُ العامةُ ثروةُ الأوطانِ، وبها تنتفعُ المجتمعاتُ، فالمؤمنُ الحقُّ منْ يلزمُ الاقتصادَ في أوقاتِهِ وأحوالِهِ، وينضبطُ في استخدامِ الماءِ والطاقةِ والغذاءِ، فيتحولُ إلى عنصرٍ نافعٍ يحمي بيئتَهُ، ويصونُ نعمَ ربِّهِ، بالابتعادِ عنِ التبذيرِ والإسرافِ، والتحولِ إلى استخدامِ التقنياتِ الحديثةِ، فصُنْ بالوعيِ مواردَكَ، وحصِّنْ بالمسؤوليةِ حياتَكَ، تبنِ وطنًا قويًّا في مبادئِهِ، ناجحًا في اقتصادِهِ، مستقيمًا في أحوالِهِ، محافظًا على بيئتِهِ، مهتمًّا بنظافتِها، وقد أكدَ المصطفى ﷺ على أنَّ المواردَ حقٌّ مشتركٌ لا يجوزُ احتكارُهُ أو الانفرادُ به دونَ الخلقِ، فقالَ ﷺ: «الناسُ شركاءُ في ثلاثةٍ: الماءِ والكلإِ والنارِ».

كنْ حذرًا من تبديد تلك الموارد، وتجنب السلوكياتِ السيئةَ، كالإفراطِ في استهلاكِ الغذاءِ وإلقاءِ بقاياهُ في النفاياتِ، والعبثِ بالأوراقِ والأدواتِ المكتبيةِ والحكوميةِ، والإسرافِ في استخدامِ الوقودِ وحرقِ الطاقةِ بلا طائلٍ، فتلكَ سلوكياتٌ مفسدةٌ للنعمِ، ومبددةٌ للثرواتِ، وتأملْ كيفَ جعلَ الإسلامُ المواردَ أمانةً، لتكونَ نعمُ اللهِ وسيلةَ حياةٍ، فكنْ لينًا في توجيهِ أبنائِكَ، مصلحًا في مجتمعِكَ، وتلطفْ في نشرِ ثقافةِ الترشيدِ في المدارسِ والمؤسساتِ، فالمؤمنُ الواثقُ يعلمُ أنَّ حفظَ المواردِ يبني الحضاراتِ، ويحافظُ على الطاقاتِ، وبالانضباطِ تدومُ النعمة، وتعظمُ الفائدةُ، في إطارِ الاستمساكِ بقولِهِ جلَّ وعلا: ﴿وَلَا تُسۡرِفُوۤا۟ۚ إِنَّهُۥ لَا یُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِینَ﴾ .

طباعة شارك وزارة الأوقاف خطبة الجمعة صلاة الجمعة نعمة الماء الوعي

مقالات مشابهة

  • فؤاد علام عن صلاح نصر وشمس بدران: "ما قيل عن العلاقات النسائية كلام فارغ"
  • خبير أمن معلومات: ChatGPT قد يضعف التواصل الحقيقي بين الأزواج والأسر
  • كيف تُعيد الولايات المتحدة هندسة اقتصادها العسكري؟
  • تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف
  • حيدر الموسوي: العلاقات بين العراق وإيران تقوم على المصالح المشتركة
  • ثراء جبيل : ابتعدت عن رمضان بسبب الأمومة و ضغوط استعادة الوزن بعد الولادة قاسية على النساء
  • سلطة النقد تحذر من تداعيات خطيرة لقطع العلاقات المصرفية المراسلة
  • سفير الإمارات يقدم نسخة من أوراق اعتماده إلى وزارة الخارجية في جمهورية كوريا الشقيقة
  • فرنسا تمنح السفير الرويلي وسام “الاستحقاق الفرنسي من درجة قائد”
  • الباعور: نحرص على تعزيز العلاقات الأخوية مع السعودية