لطالما ارتبط شهر رمضان في العالم العربي بارتفاع موسمي في الإنفاق، خصوصا على الغذاء والسلع الاستهلاكية والملابس.

غير أن التحولات الاقتصادية الأخيرة، وارتفاع معدلات التضخم في عدة دول عربية، أعادت صياغة النظرة إلى الشهر من موسم استهلاك مكثف إلى فرصة لإعادة ضبط السلوك المالي، وبناء قاعدة ادخارية يمكن توجيهها لاحقاً نحو الاستثمار.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بالصور.. دول عربية وإسلامية تحيي أولى ليالي رمضانlist 2 of 2نجوم "ثلاثية المطبخ السعودي".. قصة الكبسة والجريش والحنينيend of list

ويأتي هذا التحول في سياق أوسع يتمثل في تراجع القوة الشرائية في عدد من الاقتصادات العربية، وارتفاع كلفة التمويل والقروض الاستهلاك.

الإنفاق الموسمي تحت ضغط الأسعار

وتشير وكالة رويترز في تغطياتها إلى بيانات التضخم في دول عربية، بينها مصر والمغرب والأردن، وتقول إن أسعار الغذاء تمثل المكوّن الأكثر تقلباً في سلة المستهلك، وغالباً ما تتأثر بمواسم ارتفاع الطلب.

تضخم الإنفاق على الأغذية ضغط مباشر على ميزانيات الأسر متوسطة ومحدودة الدخل (الجزيرة)

وأوضحت رويترز في تقارير حول التضخم المصري خلال 2024 و2025 أن مكوّن الطعام والمشروبات كان المحرك الرئيسي للارتفاعات الشهرية في مؤشر الأسعار.

بدورها، تؤكد منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) في تقارير مؤشر أسعار الغذاء العالمي أن أسعار السلع الغذائية تبقى عرضة لتقلبات الأسواق الدولية، بما يشمل أسعار الحبوب والزيوت والسكر. وبما أن العديد من الدول العربية تعتمد على الاستيراد لتأمين هذه السلع، فإن أي ارتفاع عالمي ينعكس سريعاً على المستهلك المحلي، خصوصاً خلال فترات الطلب المرتفع مثل رمضان.

هذا الواقع يجعل إدارة الإنفاق خلال رمضان مسألة اقتصادية بحتة، لا مجرد خيار سلوكي، إذ إن الجمع بين ارتفاع الطلب والمخاطر السعرية يضغط مباشرة على ميزانيات الأسر متوسطة ومحدودة الدخل.

سلوك استهلاكي أكثر وعيا

في المقابل، تشير شركة يوغوف، المتخصصة في أبحاث السوق، في تقاريرها حول الشرق الأوسط، إلى أن نسبة متزايدة من المستهلكين باتت تقارن الأسعار وتبحث عن العروض، قبل اتخاذ قرار الشراء خلال موسم رمضان. ويعكس ذلك انتقالاً تدريجياً من الاستهلاك العاطفي إلى الاستهلاك المحسوب.

إعلان

كما أظهرت شركة "برايس ووترهاوس كوبرز" العالمية للاستشارات، في تقريرها حول "صوت المستهلك في الشرق الأوسط"، أن المستهلكين في المنطقة أصبحوا أكثر حساسية تجاه الأسعار، وأكثر ميلاً إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق، مع تركيز أكبر على الضروريات مقابل الكماليات.

ويُلاحظ كذلك توسّع استخدام التطبيقات الرقمية للمقارنة بين الأسعار، وهو ما يعزز شفافية السوق ويحد من المبالغة في الإنفاق، خاصة في السلع سريعة الاستهلاك.

الميزانية الرمضانية كأداة ضبط

ويوضح تقرير البنك الدولي حول آفاق الاقتصاد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن ارتفاع تكاليف المعيشة في السنوات الأخيرة دفع العديد من الأسر إلى إعادة النظر في أنماط الاستهلاك. وفي هذا السياق يصبح إعداد ميزانية رمضانية مفصلة خطوة وقائية لحماية الاستقرار المالي.

المقارنة السعرية أداة رئيسية لترشيد الإنفاق خلال رمضان (الجزيرة-أرشيف)

ويشير خبراء اقتصاديون في تحليلات حول سلوك المستهلك في فترات التضخم إلى أن تقليل الهدر الغذائي وحده يمكن أن يحقق وفورات ملموسة خلال شهر واحد. كما أن تقسيم الإنفاق أسبوعياً، بدلاً من الإنفاق المكثف في بداية الشهر، يحد من الاستنزاف السريع للسيولة.

إضافة إلى ذلك، فإن الحد من الاعتماد على بطاقات الائتمان في المشتريات الرمضانية يقلل من تراكم الالتزامات التي تمتد آثارها إلى ما بعد الشهر.

ويمكن تلخيص أدوات الضبط المالي خلال رمضان في النقاط التالية:

إعداد ميزانية مسبقة تُقسم المصروفات إلى بنود واضحة (غذاء، ضيافة، ملابس، تبرعات). اعتماد مبدأ "الشراء وفق القائمة" لتفادي العروض التي تحفّز الإنفاق غير الضروري. تخصيص مبلغ ثابت للادخار يُحوَّل فوراً إلى حساب منفصل مع بداية الشهر. من الادخار إلى تراكم رأس المال الصغير

ويتمثل التحول الأهم في تحويل الوفر المحقق إلى ادخار فعلي، فعندما يتم تخصيص جزء من الدخل الشهري كمدخرات منفصلة خلال رمضان، يتحول الشهر إلى نقطة انطلاق لبناء احتياطي مالي.

ويشير البنك الدولي في تقاريره حول الشمول المالي في المنطقة العربية إلى أن الادخار المنتظم، حتى بمبالغ محدودة، يعزز القدرة على مواجهة الصدمات الاقتصادية، مثل فقدان الوظيفة أو ارتفاع مفاجئ في الأسعار، كما يسهم في تقليل الاعتماد على الاقتراض قصير الأجل.

وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية في الاقتصادات التي تشهد تقلبات في أسعار الصرف أو معدلات فائدة مرتفعة، حيث يصبح الاحتفاظ بهامش أمان نقدي عاملاً أساسياً في الاستقرار الأسري.

رمضان كمحطة مراجعة مالية سنوية

ويمثل رمضان أيضا فترة مراجعة سنوية للالتزامات المالية، فالكثير من الأسر تعيد تقييم ديونها، ومدخراتها، ونفقاتها الثابتة خلال هذه المرحلة.

تقليل الاعتماد على البطاقة البنكية خطوة لحماية الاستقرار المالي الأسري (الجزيرة)

وتشير تقارير رويترز حول السياسة النقدية العالمية إلى أن ارتفاع معدلات الفائدة خلال 2024 و2025 زاد من كلفة الاقتراض في عدة اقتصادات ناشئة، وهو ما يجعل تقليل الديون الاستهلاكية أولوية خلال المواسم ذات الإنفاق المرتفع.

وتشمل خطوات المراجعة المالية في هذه المرحلة عادة:

إعادة تقييم الديون قصيرة الأجل ومحاولة تسويتها أو تقليلها. مراجعة المصروفات الثابتة وإلغاء الخدمات غير الضرورية. إعادة توزيع المدخرات بين سيولة فورية وأدوات ادخارية ذات عائد. إعلان

هذه المراجعة الدورية يمكن أن تتحول إلى آلية منهجية لضبط الميزانية على مدار العام، وليس خلال رمضان فقط.

بوابة الاستثمار التدريجي

وعندما يصبح الادخار عادة متكررة، يمكن توجيه الفائض نحو أدوات استثمارية تدريجية. وتشير تحليلات البنك الدولي إلى أن توسيع قاعدة المستثمرين الأفراد في المنطقة يعتمد أساساً على رفع معدلات الادخار المنزلي.

وقد تشمل الخيارات حسابات التوفير، وشهادات الادخار، والصناديق الاستثمارية منخفضة المخاطر، أو حتى الادخار في أصول تحوطية مثل الذهب. والأهم هو الانتظام وليس حجم الاستثمار.

في المحصلة يمكن أن يتحول رمضان، الذي كان يُنظر إليه تقليديا كموسم إنفاق استثنائي إلى محطة لإعادة ترتيب الأولويات المالية، وتقوية القاعدة الادخارية، وتمهيد الطريق لاستثمار مستدام.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رمضان 2026 خلال رمضان إلى أن

إقرأ أيضاً:

ارتفاع التضخم في منطقة اليورو يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة

تسارع التضخم في منطقة اليورو خلال الشهر الماضي بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة والخدمات، ما يعزز مبررات قيام البنك المركزي الأوروبي برفع طفيف لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر، وفقاً لبيانات يوروستات الصادرة الثلاثاء.

 

ارتفاع التضخم في منطقة اليورو يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة

 

وارتفعت أسعار المستهلكين في الدول الـ 21 التي تستخدم اليورو إلى 3.2% في مايو مقارنة بنحو 3.0% في الشهر السابق، وهو مستوى أعلى بكثير من مستهدف البنك المركزي الأوروبي البالغ 2%، لكنه جاء متوافقاً مع توقعات استطلاع، ويُعزى هذا الارتفاع إلى زيادة بلغت 10.9% في أسعار الطاقة وارتفاع بنسبة 3.5% في أسعار الخدمات.

 

وفي تطور من المرجح أن يثير قلق صناع السياسات، ارتفع أيضاً التضخم الأساسي - الذي يستثني أسعار الطاقة والأغذية الأكثر تقلباً - إلى 2.5% من 2.2% في أبريل، مدفوعاً بارتفاع أسعار الخدمات وزيادة طفيفة في أسعار السلع الصناعية.

 

تغيّر التوقعات قصيرة الأجل للسياسة النقدية

 

ورغم أن هذه البيانات تُراقَب عن كثب من قبل البنك المركزي الأوروبي، فمن غير المرجح أن تغيّر التوقعات قصيرة الأجل للسياسة النقدية، إذ أكد صناع القرار بالفعل أن ارتفاع التضخم يبرر الزيادة في تكاليف الاقتراض، بحسب الاسواق العربية.

 

وقد قامت الأسواق المالية بتسعير شبه كامل لرفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في 11 يونيو، مع توقع تنفيذ زيادتين إضافيتين خلال فصل الخريف، كما أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة قد ينتقل إلى بقية الاقتصاد، مما يؤدي إلى ضغوط تضخمية أكثر استدامة.

 

"المركزي" الأوروبي: حرب إيران ترفع توقعات التضخم في منطقة اليورو اقتصادي: اضطرابات هرمز تهدد بارتفاع التضخم وأسعار الغذاء والطاقة عالميًا معركة النمو الاقتصادى تصطدم بشبح التضخم ارتفاع التضخم يُلقي بظلاله على مسار السياسة النقدية الأمريكية المركزي الأوروبي يلوّح برفع الفائدة مجدداً وسط تصاعد أزمة إيران ومخاوف التضخم عضو بالشيوخ الباكستاني: التضخم والانتخابات يدفعان أمريكا نحو الحلول الدبلوماسية محلل سوق مال: استمرار الحرب يهدد الاقتصاد العالمي بتراجع النمو وارتفاع التضخم

 

مقالات مشابهة

  • وليد فاروق: ارتفاع أسعار الذهب والطاقة وسعر الصرف وراء زيادة تكاليف التصنيع
  • إبراهيم حسن: لن نفرط في فرصة كأس العالم 2026.. وهدفنا كتابة تاريخ جديد لمصر
  • خبيرة مجوهرات تكشف أسباب ارتفاع مصنعية الذهب رغم تراجع الأسعار
  • ارتفاع التضخم في منطقة اليورو يعزز مبررات رفع أسعار الفائدة
  • ارتفاع سعر الذهب في الإمارات اليوم الثلاثاء
  • هل يواجه العالم أخطر ركود تضخمي في تاريخه؟ خبير يُجيب
  • إبراهيم حسن : كأس العالم فرصة استثنائية للاعبينا .. ونستهدف كتابة تاريخ جديد للفراعنة
  • لا يمكن رؤيته بالعين المجردة.. ماذا تعرف عن أكبر شلال على الأرض؟
  • عدن: مطالبات بفرض رقابة على المطاعم مع ارتفاع الأسعار بشكل خيالي
  • رئيس مؤسسة النفط: سجلنا أعلى معدل لتوريد البنزين في تاريخ المؤسسة خلال مايو