الدبيبة يحذر من «كارثة مالية»: الإنفاق الموازي وراء تراجع الدينار
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
قال رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، إن البلاد تستقبل شهر رمضان في ظل أزمة اقتصادية «يشعر بها المواطن» عبر ارتفاع سعر الدولار وزيادة أسعار السلع، محمّلًا ما وصفه بـ«الإنفاق الموازي» خارج الميزانية المسؤولية الرئيسية عن تراجع العملة المحلية.
وأوضح الدبيبة أن محاولات مصرف ليبيا المركزي لمعالجة تراجع الدينار تبقى غير كافية «من دون معالجة أصل المشكلة»، مشيرًا إلى أن حجم الإنفاق الموازي تجاوز 303 مليارات دينار، وأُقرّ كدين عام.
تحذير من فجوة إنفاق «كارثية»
وحذّر رئيس الوزراء من أن صرف 70 مليار دينار كإنفاق موازٍ خلال عام 2025، في مقابل قدرة فعلية للدولة لا تتجاوز 10 مليارات دينار، «يمثل كارثة حقيقية»، موضحًا أن الفارق يتحول إلى سيولة تضغط على الدولار وترفع الأسعار والضرائب. وشدد على أن «الميزانية تعني توزيع المتاح وفق الأولويات، لا الصرف بلا قيود».
وأكد الدبيبة أن حكومته «لم تسجل درهمًا واحدًا كدين عام ولم تقترض من البنوك»، رغم أن القانون يتيح ذلك، لافتًا إلى أن البنوك في طرابلس تضم أكثر من 100 مليار دينار، وأن التجار يملكون أكثر من 100 مليار أخرى «لم تُمس».
اتفاق مالي ومنح المركزي صلاحية تحديد السقوف
وكشف عن التوصل إلى اتفاق مالي بين مجلسي النواب والدولة برعاية المصرف المركزي، يمنح الأخير حصريًا حق تحديد سقوف الإنفاق في باب التنمية وفق القدرة المالية للدولة. وطالب محافظ المصرف رسميًا بوقف الصرف التنموي على جميع الجهات عند عدم الالتزام بالاتفاق، مؤكدًا أن الصرف الشرعي في باب التنمية العام الماضي لم يتجاوز 10 مليارات دينار، وأن مشاريع الدولة تمر عبر ديوان المحاسبة وهيئة الرقابة وفق إجراءات قانونية.
كما تعهد ببذل الجهود لإنجاح الاتفاق المالي الموحد لعام 2026، مشيرًا إلى أن الالتزام به ووقف الصرف العشوائي «شرط أساسي للخروج من الأزمة».
أولوية الاستقرار النقدي قبل المشاريع الكبرى
وقال الدبيبة إن أولوية المواطن اليوم «عملة قوية وأسعار مستقرة قبل المشاريع الكبرى»، مضيفًا أن استمرار الصرف العشوائي «يمس قوت الناس ودواءهم وأكل عيشهم». وأشار إلى توقيع اتفاقيات تطوير كبرى في قطاع النفط مع شركات عالمية لزيادة الإيرادات، مؤكدًا أن الاقتصاد الليبي «يملك قدرات كبيرة تكفي الجميع».
تعديل وزاري وانتخابات شاملة
على الصعيد السياسي، أعلن رئيس الوزراء توجهًا لإجراء تعديل وزاري لسد الشواغر وضخ دماء جديدة، على أن يُعلن خلال اجتماع مجلس الوزراء المقبل. وجدد التزامه بإجراء انتخابات شاملة تنهي الأجسام الحالية وتجدد الشرعية عبر الشعب، داعيًا إلى قوانين انتخابية «عادلة وقابلة للتطبيق».
ووجه رسالة إلى أنصار النظام السابق، مؤكدًا أن الحكومة تعاملت بمسؤولية منذ اليوم الأول، وأطلقت سراح من سُجن ظلمًا أو أنهى مدة حكمه، وعملت على جبر الضرر ورد المظالم. وأضاف أن الدولة تعاملت بمسؤولية في تعقب الجناة وكشف ملابسات اغتيال سيف الإسلام القذافي، مع توفير بيئة آمنة لإقامة الجنازة والعزاء وفق القانون.
واختتم الدبيبة بتجديد تهنئته لليبيين بمناسبة شهر رمضان، معربًا عن أمله بأن يعيده الله على ليبيا «بالخير واليمن والبركات».
تعاني ليبيا من انقسام مؤسسي انعكس على إدارة المالية العامة، مع جدل مستمر حول بنود الإنفاق خارج الأطر المعتمدة وتأثيرها على الكتلة النقدية وسعر الصرف. ويأتي الاتفاق الأخير في محاولة لتوحيد السياسة المالية وضبط سقوف الإنفاق التنموي بما يتماشى مع الإيرادات، خصوصًا في ظل اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على عائدات النفط وتقلبات أسعاره. ويعد استقرار سعر الصرف وكبح التضخم أولوية اجتماعية مع تزايد الضغوط المعيشية، لا سيما قبيل المواسم ذات الحساسية الاستهلاكية المرتفعة مثل شهر رمضان.
المصدر
المصدر: عين ليبيا
كلمات دلالية: إلى أن
إقرأ أيضاً:
إسرائيل قلقه من جي دي فانس.. تحويل أفكاره لسياسات كارثة
قدمت تصريحات نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بشأن "إسرائيل" مادةً لنقاش واسع داخل الأوساط الإسرائيلية، وسط مخاوف من أن تعكس، في حال وصوله إلى البيت الأبيض مستقبلاً، توجهاً أمريكياً أكثر تحفظاً تجاه الالتزام التقليدي بدعم "إسرائيل"، في ظل تنامي التيار الانعزالي داخل الحزب الجمهوري والداعي إلى تقليص الانخراط الخارجي للولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، رأى المستشرق والباحث في شؤون الشرق الأوسط، الجنرال الإسرائيلي المتقاعد موشيه إلعاد، أن الجدل الذي أثارته تصريحات فانس خلال الأسابيع الأخيرة يرتبط بمحاولة استمالة التيار الانفصالي المتنامي داخل الحزب الجمهوري، والذي يدعو إلى خفض الإنفاق على الحلفاء وتوجيه الموارد لمعالجة الأزمات الداخلية الأمريكية. واعتبر أن هذا التوجه يمثل، من وجهة نظر أمريكية، خياراً سياسياً مشروعاً يعكس تحولات متزايدة في أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
وأوضح إلعاد، في مقال نشرته "القناة 12" الإسرائيلية، أن جزءاً من الرأي العام الأمريكي بات ينظر إلى إسرائيل باعتبارها حليفاً عادياً ضمن شبكة الحلفاء الأمريكيين، إلا أن التجربة التاريخية للعلاقات بين البلدين تشير، بحسب قوله، إلى أن العديد من الرؤساء دخلوا البيت الأبيض دون أن يضعوا إسرائيل في صدارة اهتماماتهم، بل إن بعضهم أبدى مواقف متحفظة تجاهها، قبل أن تتغير رؤيتهم عقب اطلاعهم على تقديرات البنتاغون ومداولات مجلس الأمن القومي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية الأمريكية.
وأضاف أن ما يحدث لا يعكس تحولاً أيديولوجياً بقدر ما يجسد انتقالاً من خطاب الحملات الانتخابية إلى متطلبات إدارة الدولة، مشيراً إلى أن المرشح الرئاسي يخاطب الناخبين بوعود انتخابية، بينما يجد الرئيس نفسه أمام مسؤولية تقييم انتشار القوات الأمريكية حول العالم، والتهديدات الأمنية، وتوازنات القوى الدولية، وهو ما يفرض عليه حسابات مختلفة.
ولفت الكاتب إلى أن تصريحات فانس تتعارض مع تقييمات عدد من كبار القادة العسكريين الأمريكيين، مستشهداً بتصريحات رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال تشارلز براون، الذي قال إن المعلومات الاستخباراتية الإسرائيلية تسهم في حماية الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط، كما استشهد برأي الجنرال ديفيد بترايوس، الذي وصف إسرائيل بأنها الشريك العسكري الأكثر كفاءة وموثوقية للولايات المتحدة في المنطقة، نظراً لقدرتها على تنفيذ عمليات مستقلة ضد التنظيمات المسلحة والدول المعادية، بما يخفف العبء عن القوات الأمريكية.
واستعرض إلعاد عدداً من المحطات التاريخية التي قال إنها تؤكد هذا النمط في السياسة الأمريكية، مشيراً إلى أن الرئيس ريتشارد نيكسون لم يمنح إسرائيل اهتماماً كبيراً خلال حملته الانتخابية عام 1968، كما كُشفت لاحقاً تصريحات مثيرة للجدل له تجاه اليهود، إلا أنه، ومع اندلاع حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973، أمر بإطلاق جسر جوي ضخم لتزويد إسرائيل بالأسلحة، انطلاقاً من قناعته بأن هزيمتها كانت ستُفسر كانتصار للاتحاد السوفيتي وتقويضاً للردع الأمريكي خلال الحرب الباردة، وليس بدافع التعاطف معها.
كما أشار إلى أن الرئيس جيمي كارتر، رغم تعقيد علاقته برئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، قاد جهوداً مكثفة لإنجاز اتفاقيات كامب ديفيد، انطلاقاً من اعتباره أن السلام بين مصر وإسرائيل يمثل مصلحة استراتيجية للولايات المتحدة. وأضاف أن الرئيس رونالد ريغان وسع التعاون العسكري والاستخباراتي مع إسرائيل بصورة غير مسبوقة، مع احتفاظه باستعداده لممارسة الضغوط عليها عندما رأى أن ذلك يخدم المصالح الأمريكية، وهي المرحلة التي ترسخ خلالها داخل المؤسسة الأمنية الأمريكية مفهوم اعتبار إسرائيل "أصلاً استراتيجياً".
وفيما يتعلق بالرئيس دونالد ترامب، اعتبر الكاتب أنه يجسد الفارق بين الخطاب الانتخابي والممارسة السياسية، إذ قدم نفسه خلال حملته الانتخابية عام 2016 باعتباره "محايداً" في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، لكنه بعد وصوله إلى الرئاسة اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها، واعترف بسيادتها على مرتفعات الجولان، كما رعى اتفاقيات التطبيع مع عدد من الدول العربية، معتبراً أن هذه الخطوات تعكس تغليب الاعتبارات الاستراتيجية على الخطاب الانتخابي.
وتناول المقال أيضاً تجربة الرئيس باراك أوباما، الذي واجه انتقادات إسرائيلية بسبب خلافاته مع حكومة بنيامين نتنياهو ومعارضته لسياسة الاستيطان، إلا أنه وقع أكبر اتفاقية مساعدات عسكرية في تاريخ العلاقات الثنائية، بقيمة 38 مليار دولار على مدى عشر سنوات، وهو ما اعتبره الكاتب دليلاً على تبني الإدارة الأمريكية لتقييم المؤسسة العسكرية التي تنظر إلى إسرائيل باعتبارها استثماراً استراتيجياً لا عبئاً مالياً.
كما استحضر الكاتب تصريحاً للرئيس جو بايدن يعود إلى عام 1986 عندما كان عضواً في مجلس الشيوخ، قال فيه: "لو لم تكن إسرائيل موجودة، لكان على الولايات المتحدة أن تخترعها لحماية مصالحها في المنطقة". واستشهد أيضاً بوصف وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ألكسندر هيغ لإسرائيل بأنها "أكبر حاملة طائرات أمريكية في العالم لا تغرق"، في إشارة إلى دورها كقاعدة متقدمة ومركز استخباراتي وقوة ردع إقليمية تخدم المصالح الأمريكية دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من القوات.
وخلص إلعاد إلى أن صعود التيار الانعزالي في الولايات المتحدة يستوجب التمييز بين الشعارات الانتخابية ومتطلبات الحكم، معتبراً أن الرؤساء قد يتعهدون خلال الحملات الانتخابية بتقليص الالتزامات الخارجية، لكنهم، بعد وصولهم إلى السلطة واطلاعهم على التقديرات الأمنية، ينتهون في الغالب إلى النتيجة ذاتها، وهي أن التحالف مع إسرائيل يستند إلى المصالح الاستراتيجية المشتركة، وليس إلى اعتبارات التعاطف أو الالتزام الأخلاقي، وهو ما يفسر استمرار هذا التحالف رغم تغير الإدارات والأزمات الإقليمية والتحولات الدولية.
وتعكس هذه القراءة، وفق المقال، حجم القلق الإسرائيلي من احتمال أن تتحول تصريحات جي دي فانس إلى سياسة عملية إذا وصل إلى الرئاسة، إذ لا يُتوقع أن ينقلب على التحالف مع إسرائيل أو يتخلى عنه بالكامل، لكنه قد يتبنى نهجاً أقل استعداداً لمنحها دعماً غير مشروط، وهو ما قد يفرض عليها ضغوطاً سياسية واستراتيجية أكبر في المرحلة المقبلة.