للقضايا البائسة وجوه أخرى، وفي الديمقراطيات الراسخة، لا تختزل العدالة في حكم قضائي، ولا تختصر كذلك في نصوص قانونية جامدة، بل تقوم على منظومة متكاملة من الشفافية والمساءلة وتوازن السلطات، وحين تتعثر إحدى هذه الركائز، تتقدم أخرى لتعويض الخلل. 

 

في قضية جيفري إبستين، لم يكن القضاء هو من أعاد فتح الملف، بل الصحافة، وهنا تتجلى إحدى أهم ضمانات الدولة القانونية، في حرية الصحافة بوصفها خط الدفاع الأخير عن العدالة.

 

لم يكن السقوط الثاني لإبستين وأصدقائه نتيجة تحقيق أمني أوقضائي، بل بدأ بشك مهني راود صحفية عنيدة في صحيفة محلية بجنوب فلوريدا، فقط رفضت جولي ك. بروان قبول الرواية الرسمية التي أُغلقت بها القضية عام 2008، وقررت إعادة فحص ألاف الأوراق التي اعتبرها كثيرون ملفا منسيا.

 

وهكذا تحولت الشكوك الصحفية إلى تحقيق منهجي، ثم إلى قضية رأي عام أعادت ترتيب المشهد القانوني والسياسي بأكمله في الولايات المتحدة وخارجها.

 

لم تكن ميامي هيرالد بحجم مؤسسات كبيرة مثل واشنطن بوست او نيويورك تايمز لكنها امتلكت إرادة  مهنية واستقلال تحريري كافيين، فمن خلال تحقيق حمل عنوان Perversion of Justice، كشفت الصحيفة أربع حقائق أعادت تحريك العدالة بعد أحد عشر عاما من الجمود.

 

أولا، وجود اتفاق غير معلن بين الادعاء الفيدرالي في فلوريدا ومحامي إبستين، منح المتهم عقوبة مخففة بصورة استثنائية لا تنسجم مع جسامة الاتهامات.

ثانيا، عدم إخطار الضحايا رسميا بالصفقة، في مخالفة صريحة لحقوقهن القانونية.ثالثا، تأثير شبكة علاقات واسعة ساهمت في إدارة الملف بعيدا عن التدقيق الإعلامي، رابعا وجود تناقضات داخل الملف القضائي لم تفحص بالقدر الكافي، ما سمح بإغلاق القضية فعليا دون مساءلة حقيقية.

 

هذه الحقائق التي كشفت لا تدين فردا فحسب، بل تطرح سؤالا  أعمق كيف يمكن للمال والنفوذ أن يعيدا تشكيل مسار العدالة داخل أنظمة يفترض أنها تقوم على المساواة أمام القانون؟ هنا تحديدا دخلت حرية الصحافة كآلية تصحيح مؤسسية تعوض خلل العدالة التقليدية.

 

بدأت المجاهدة الصحفية براون تحقيقها عام 2017، واستمرت لثلاثة أعوام من العمل المتواصل، والنفس الطويل وتحدي المخاطر حتى اجبرت القضاء الفيدرالي علي  أُعادة فتح القضية عام 2019. ومع تصاعد الضغط العام، الذي تضمن نشر شهادات عشرات الضحايا، اضطر أكسندر كوستا، المدعي الفيدرالي المسؤول عن صفقة 2008، إلى الاستقالة من منصبه كوزير للعمل في إدارة Donald Trump وقتئذ.

 

 لم يكن هذا التطور مجرد انتصار شخصي لصحفية مجتهدة، بل دليلا على أن المساءلة تظل ممكنة حين يتوافر الضوء والمساحة.

 

الأهم من إعادة فتح القضية كان إعادة الاعتبار للضحايا اللواتي لم يمنحن حق المعرفة أو المشاركة في مسار العدالة الأول. فقد أظهرت التحقيقات أن عددا منهن لم يكن معروفا وقت الصفقة، وهو ما كشف خللا في كيفية إدارة الملف. وهنا يتجاوز الأمر حدود الخطأ الإجرائي إلى سؤال أخلاقي: هل كانت العدالة متاحة للجميع، أم كانت مشروطة بالقدرة والنفوذ؟

 

لا يدعي هذا المثال أن الصحافة أصلحت النظام برمته، لكنه يثبت أنها قادرة على كشف مواطن الخلل داخله. فالأنظمة التي تسمح بحرية التعبير تملك في داخلها آلية نقد ذاتي تمنع تحول النفوذ إلى حصانة دائمة. أما حين تقيد الصحافة، فإن الخلل يبقى مستترا، ويتحول القانون من أداة مساواة إلى أداة انتقائية.

 

قضية إبستين لم تكن اختبارا لشخص واحد، بل اختبارا لقدرة المؤسسات على مراجعة ذاتها. والنتيجة، نعم يمكن لسلطة الكلمة أن تعيد التوازن. ولهذا فإن حرية الصحافة ليست مجرد قيمة نظرية، بل شرط عملي لاستمرار الدولة القانونية.

 

فالعدالة لا تموت فقط حين يغيب القضاء العادل، بل حين يغيب المناخ الذي يكشف الظلم. وحين تسكت الصحافة، تتحول العدالة من حقٍ عام موضوعي إلي صورة باهتة إنتقائية.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: ل العدالة في حكم العدالة حریة الصحافة لم یکن

إقرأ أيضاً:

روبيو: إيران تناقش ملفات نووية كانت ترفض التطرق إليها سابقًا

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن إيران بدأت مناقشة جوانب في ملفها النووي كانت ترفض التطرق إليها في السابق، في إشارة إلى ما وصفه بتحولات محدودة في موقف طهران خلال النقاشات الجارية بشأن البرنامج النووي.

وأوضح روبيو، في تصريحات صحفية، أن هذه التطورات تعكس درجة من الانفتاح النسبي على بحث قضايا أكثر حساسية في الملف النووي، مقارنة بالمراحل السابقة التي كانت تتسم بتعثر المفاوضات ورفض مناقشة بعض النقاط الخلافية.

وأكد وزير الخارجية الأمريكي أن واشنطن تتابع هذه التطورات عن كثب، مشددًا في الوقت نفسه على أن أي اتفاق محتمل يجب أن يضمن منع إيران من امتلاك سلاح نووي بشكل كامل، إلى جانب وضع آليات رقابة صارمة وشفافة على أنشطتها النووية.

وأشار إلى أن الموقف الأمريكي لا يزال ثابتًا تجاه ضرورة احتواء أي تصعيد نووي محتمل، والعمل مع الشركاء الدوليين لضمان التزام طهران بالمعايير الدولية الخاصة بالأنشطة النووية السلمية.

وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الجهود الدبلوماسية لإعادة إحياء مسارات التفاوض بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسط تباين في وجهات النظر بين الأطراف المعنية حول شروط الاتفاق وآليات التنفيذ والرقابة.

ويرى مراقبون أن أي تغيير في موقف إيران بشأن مناقشة بعض الجوانب الحساسة في برنامجها النووي قد يشكل مؤشرًا على إمكانية تحقيق تقدم محدود في المسار التفاوضي، رغم استمرار التحديات السياسية والفنية المعقدة التي تعرقل الوصول إلى اتفاق شامل.

كما تشير التقديرات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيدًا من الاتصالات غير المباشرة أو المشاورات الفنية بين الأطراف المعنية، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتقليل حدة الخلافات القائمة حول الملف النووي.

وفي المقابل، لا تزال هناك شكوك واسعة داخل الأوساط السياسية الدولية بشأن مدى التزام الأطراف بالتفاهمات المحتملة، خاصة في ظل التجارب السابقة التي شهدت تعثرًا أو انهيارًا في مسارات التفاوض.

وتبقى تطورات الملف النووي الإيراني من أبرز القضايا الأمنية والدبلوماسية على الساحة الدولية، نظرًا لتأثيرها المباشر على الاستقرار الإقليمي والعلاقات بين القوى الكبرى في العالم.

مقالات مشابهة

  • روبيو: فتح مضيق هرمز مجانا مقابل رفع الحصار عن إيران
  • روبيو: إيران تناقش ملفات نووية كانت ترفض التطرق إليها سابقًا
  • القضية الفلسطينية تتصدر لقاء السيسي ووفد مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية (فيديو)
  • وزير الأوقاف: حرية الاعتقاد مبدأ راسخ في الإسلام
  • العدالة قبل الأرباح.. كتاب جديد يعيد التفكير في معنى النجاح الاقتصادي
  • المعارضة التي لم تُقاوم: فنٌّ ميّت.. ودمٌ حيّ.. ونظامٌ يتوحّش