بعض الأبناء لا يحتاجون مالًا.. بل قلبا يسمع
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
سلطان بن ناصر القاسمي
بينما كنت أحتسي الشاي في أحد المقاهي العامة المكتظّة بالشباب من الجنسين، شدّ انتباهي الجو الحواري بين بعضهم البعض، فبدأت أتساءل: هل فعلًا يتواجد هؤلاء الشباب في مثل هذه الأماكن العامة لتبادل الحوارات، والاستماع لبعضهم البعض، ومساعدة بعضهم في حلّ مشكلاتهم، أو تحفيز بعضهم لتحقيق أهدافهم؟
يقودني هذا التساؤل إلى طرح موضوعي اليوم، وهو أن الأبناء بحاجة ماسّة إلى الحوار الدافئ بين الأبناء والآباء، لا إلى توجيه الأوامر والانتقادات، بل إلى الاستماع، واحترام وتقدير ما يُطرح من قِبل الأبناء، وإعطاء المشورة المغلّفة بالحب والحنان، حتى تُتقبّل ويُعمل بها.
نعم، الأبناء لا يحتاجون المال أكثر من حاجتهم إلى من يستمع إليهم. ففي وقتنا الحاضر تختلف طرق تربية الأبناء وكيفية التعامل معهم عمّا كانت عليه سابقًا، كما تختلف باختلاف أعمارهم، خصوصًا في زمنٍ صار فيه الانشغال سمة من سمات الحياة؛ فالأب خارج المنزل للعمل، وكذلك بعض الأمهات، لتتّسع الفجوة شيئًا فشيئًا. كبرت الضغوط، وكثرت الاحتياجات، وظنّ بعض الوالدين أن تلبية الاحتياجات المادية كافية لصناعة أبناء أسوياء وسعداء، فيكدّون في العمل، ويضيّعون الكثير من أوقاتهم لتوفير المال وتأمين المأكل والملبس والتعليم، ثم يظنون أنهم أدّوا كامل واجبهم، بينما الحقيقة الأعمق تقول: بعض الأبناء لا يحتاجون مالًا، بل قلبًا يسمع.
كم من طفل يملك كل شيء، لكنه يفتقد حضنًا دافئًا، وأذنًا صادقة، ووقتًا خالصًا بلا هواتف ولا مقاطعة. وحين يجد الآباء أبناءهم في عزلة أو عدم ارتياح داخل المنزل، تلجأ الأسرة أحيانًا إلى البحث عن الحل في الذهاب إلى أماكن الألعاب أو المطاعم لتغيير الروتين، وهذا في حد ذاته نوع من التغيير، لا حلًّا جذريًا لمشكلة الأطفال. وكم من شاب يعيش ضيقًا داخليًا لا يُعبّر عنه، لأنه لم يجد من يصغي إليه دون حكم، أو توبيخ، أو استهزاء، فيجد في الأصدقاء ملاذًا له، وهنا قد تكون الكارثة إن كان هؤلاء الأصدقاء من غير الأسوياء في المجتمع، مما قد يقود الابن إلى سلوك طرق خاطئة تؤدي إلى أخطاء مجتمعية جسيمة.
نعم، عزيزي ربّ الأسرة، الاستماع ليس مجرّد سماع كلمات، بل هو احتواء، واهتمام، ومشاركة وجدانية. أن تنظر في عيني ابنك وهو يتحدث، أن تترك ما بيدك لأجله، أن تمنحه شعورًا بالأهمية، وأن تصدّقه حين يشتكي، حتى وإن بدت مشكلته بسيطة في نظرك؛ فالكبير في أعيننا قد يكون صغيرًا في عالمهم، والصغير عندنا قد يكون عظيمًا في قلوبهم.
عزيزي ربّ الأسرة، حين يجد الابن قلبًا يسمع، يشعر بالأمان، ويكبر داخله الاتزان، ويقوى لديه الانتماء. أمّا حين لا يجد سوى التوجيه الجاف والأوامر المتتابعة، فقد يملك المال كلّه، لكنه يفتقر إلى الطمأنينة، وقد يبحث عمّن يسمعه خارج بيته، حيث لا ضمان للسلامة ولا لحسن الاختيار.
عزيزي ربّ الأسرة، البيوت لا تُبنى بالجدران وحدها، بل بالقلوب القريبة المطمئنّة، والكلمات الدافئة، والجلسات الصادقة. وابنٌ يسمع له والداه خيرٌ من ابنٍ يُغدق عليه بالمال ويُترك وحيدًا مع مشاعره وتساؤلاته. لسنا مطالبين بأن نحلّ كل مشكلاتهم، بل أن نكون بجانبهم وهم يحاولون، أن نشاركهم حيرتهم، ونطمئن مخاوفهم، ونساند تعثّرهم، ونفرح بنجاحهم؛ فالاستماع في كثير من الأحيان هو الحل. فبعض الأبناء لا يحتاجون مالًا، بل قلبًا يسمع، واحتواءً لا ينقطع، وحضورًا لا يغيب.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
خبيرة أسرية : فرض شريك الحياة يزرع الندم ويهدد استقرار الزواج
أكدت المستشارة نيفين وجيه، المحامية والمتخصصة في الشأن الأسري، أن فرض الأهل لشريك الحياة على الأبناء قد يترك آثارًا نفسية عميقة، ويهدد استقرار الحياة الزوجية، موضحة أن كثيرًا من حالات الانفصال ترجع إلى شعور أحد الطرفين بأنه أُجبر على هذا الاختيار.
النصح والإرشاد والاستفادةوأضافت خلال حوارها في برنامج "خط أحمر" الذي يقدمه الإعلامي محمد موسى على قناة الحدث اليوم، أن دور الأسرة يجب أن يقتصر على النصح والإرشاد والاستفادة من خبراتهم، دون فرض القرار، لأن الزوج بعد الزواج يصبح مسؤولًا عن بيته ويتحمل نتائج اختياراته بنفسه.
وأشارت إلى أن الأبناء يحتاجون إلى الاستشارة والدعم من الوالدين، لكن دون وصاية أو تدخل في إدارة حياتهم، مؤكدة أن تحميل الأبناء مسؤولية قراراتهم يجعلهم أكثر قدرة على بناء أسرة مستقرة.
ولفتت إلى أن إجبار الابن أو الابنة على الزواج من شخص لا يرغب فيه قد يزرع داخله شعورًا دائمًا بالندم، وقد يظل يعتقد أن حياته كانت ستصبح أفضل لو اختار شريك حياته بنفسه.
وشددت على أهمية احترام الوالدين والحماة، باعتبار ذلك أحد أسس نجاح العلاقة الزوجية، مؤكدة في الوقت نفسه أن الاستقلال وتحمل المسؤولية منذ بداية الزواج يسهمان في بناء أسرة أكثر استقرارًا، وأن دور الأهل بعد الزواج يجب أن يكون استشاريًا وداعمًا، لا تدخليًا أو مسيطرًا.