سلطان بن ناصر القاسمي

بينما كنت أحتسي الشاي في أحد المقاهي العامة المكتظّة بالشباب من الجنسين، شدّ انتباهي الجو الحواري بين بعضهم البعض، فبدأت أتساءل: هل فعلًا يتواجد هؤلاء الشباب في مثل هذه الأماكن العامة لتبادل الحوارات، والاستماع لبعضهم البعض، ومساعدة بعضهم في حلّ مشكلاتهم، أو تحفيز بعضهم لتحقيق أهدافهم؟

يقودني هذا التساؤل إلى طرح موضوعي اليوم، وهو أن الأبناء بحاجة ماسّة إلى الحوار الدافئ بين الأبناء والآباء، لا إلى توجيه الأوامر والانتقادات، بل إلى الاستماع، واحترام وتقدير ما يُطرح من قِبل الأبناء، وإعطاء المشورة المغلّفة بالحب والحنان، حتى تُتقبّل ويُعمل بها.

نعم، الأبناء لا يحتاجون المال أكثر من حاجتهم إلى من يستمع إليهم. ففي وقتنا الحاضر تختلف طرق تربية الأبناء وكيفية التعامل معهم عمّا كانت عليه سابقًا، كما تختلف باختلاف أعمارهم، خصوصًا في زمنٍ صار فيه الانشغال سمة من سمات الحياة؛ فالأب خارج المنزل للعمل، وكذلك بعض الأمهات، لتتّسع الفجوة شيئًا فشيئًا. كبرت الضغوط، وكثرت الاحتياجات، وظنّ بعض الوالدين أن تلبية الاحتياجات المادية كافية لصناعة أبناء أسوياء وسعداء، فيكدّون في العمل، ويضيّعون الكثير من أوقاتهم لتوفير المال وتأمين المأكل والملبس والتعليم، ثم يظنون أنهم أدّوا كامل واجبهم، بينما الحقيقة الأعمق تقول: بعض الأبناء لا يحتاجون مالًا، بل قلبًا يسمع.

كم من طفل يملك كل شيء، لكنه يفتقد حضنًا دافئًا، وأذنًا صادقة، ووقتًا خالصًا بلا هواتف ولا مقاطعة. وحين يجد الآباء أبناءهم في عزلة أو عدم ارتياح داخل المنزل، تلجأ الأسرة أحيانًا إلى البحث عن الحل في الذهاب إلى أماكن الألعاب أو المطاعم لتغيير الروتين، وهذا في حد ذاته نوع من التغيير، لا حلًّا جذريًا لمشكلة الأطفال. وكم من شاب يعيش ضيقًا داخليًا لا يُعبّر عنه، لأنه لم يجد من يصغي إليه دون حكم، أو توبيخ، أو استهزاء، فيجد في الأصدقاء ملاذًا له، وهنا قد تكون الكارثة إن كان هؤلاء الأصدقاء من غير الأسوياء في المجتمع، مما قد يقود الابن إلى سلوك طرق خاطئة تؤدي إلى أخطاء مجتمعية جسيمة.

نعم، عزيزي ربّ الأسرة، الاستماع ليس مجرّد سماع كلمات، بل هو احتواء، واهتمام، ومشاركة وجدانية. أن تنظر في عيني ابنك وهو يتحدث، أن تترك ما بيدك لأجله، أن تمنحه شعورًا بالأهمية، وأن تصدّقه حين يشتكي، حتى وإن بدت مشكلته بسيطة في نظرك؛ فالكبير في أعيننا قد يكون صغيرًا في عالمهم، والصغير عندنا قد يكون عظيمًا في قلوبهم.

عزيزي ربّ الأسرة، حين يجد الابن قلبًا يسمع، يشعر بالأمان، ويكبر داخله الاتزان، ويقوى لديه الانتماء. أمّا حين لا يجد سوى التوجيه الجاف والأوامر المتتابعة، فقد يملك المال كلّه، لكنه يفتقر إلى الطمأنينة، وقد يبحث عمّن يسمعه خارج بيته، حيث لا ضمان للسلامة ولا لحسن الاختيار.

عزيزي ربّ الأسرة، البيوت لا تُبنى بالجدران وحدها، بل بالقلوب القريبة المطمئنّة، والكلمات الدافئة، والجلسات الصادقة. وابنٌ يسمع له والداه خيرٌ من ابنٍ يُغدق عليه بالمال ويُترك وحيدًا مع مشاعره وتساؤلاته. لسنا مطالبين بأن نحلّ كل مشكلاتهم، بل أن نكون بجانبهم وهم يحاولون، أن نشاركهم حيرتهم، ونطمئن مخاوفهم، ونساند تعثّرهم، ونفرح بنجاحهم؛ فالاستماع في كثير من الأحيان هو الحل. فبعض الأبناء لا يحتاجون مالًا، بل قلبًا يسمع، واحتواءً لا ينقطع، وحضورًا لا يغيب.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

مأساة غرق الطفل يوسف.. الأسرة تطالب بالتحقيق وطبيب طوارئ يكشف كواليس صادمة

خرج الطفل يوسف حامد لقضاء يوم ترفيهي داخل حمام السباحة بشبين الكوم محافظة المنوفية برفقة شقيقه وأصدقائه، لكن الرحلة التي بدأت كغيرها من أيام العطلات انتهت بمأساة هزت الرأي العام بعد تعرضه للإصابة خلال تواجده بحمام السباحة، بعدما اصطدم رأسه بالأرض قبل سقوطه في المياه، ما أسفر عن إصابته بكسر في الجمجمة واضطراب في درجة الوعي، ووفاته متأثرًا بتداعيات الحادث، لتعود من جديد قضية غرق الأطفال داخل حمامات السباحة إلى واجهة النقاش.

وتتكرر حوادث الغرق بين الأطفال سنويًا رغم حملات التوعية وإجراءات السلامة المعلنة، حيث يتحول الإهمال أو التأخر في اكتشاف الغريق في بعض الأحيان إلى كارثة تنتهي بفقدان حياة طفل خلال دقائق معدودة.

غرق طالبة جامعية في نيل بني سويف لسبب صادم .. وتحرّك عاجل لفرق الإنقاذمصرع شخص وإصابة آخر في واقعة غرق بأحد شواطئ مرسى مطروح

 وتثير هذه الوقائع تساؤلات مستمرة حول أهمية الرقابة داخل المسابح، ودور المنقذين، وسرعة التعامل مع الحالات الطارئة.

أقارب الطفل يوسف: خرج لقضاء وقت ترفيهي انتهت الرحلة بوفاته

قال أحد أقارب الطفل يوسف حامد في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن الأسرة تلقت خبر تعرضه للغرق أثناء وجوده مع أصدقائه وأشقائه داخل حمام السباحة، موضحًا أن يوسف خرج مثل أي طفل لقضاء وقت ترفيهي قبل أن تتحول الرحلة إلى مأساة انتهت بوفاته.

وأضاف أن سيارة الإسعاف نقلت يوسف إلى مستشفى القصر العيني وهو في حالة حرجة للغاية، حيث كانت الفرق الطبية تحاول إنعاشه وإعادة النبض إلى قلبه، مؤكدًا أن الأطباء أبلغوا الأسرة منذ اللحظات الأولى بأن فرص نجاته كانت ضعيفة للغاية.

وأوضح أن يوسف ظل داخل العناية المركزة على أجهزة الإنعاش، بينما كانت الأسرة تتمسك بالأمل في تحسن حالته، رغم تأكيدات الأطباء بأن حالته الطبية شديدة الخطورة بسبب موت المخ فهو كان قد توفي إكلينيكيا بسبب تعرضه لنقص حاد في الأكسجين لفترة طويلة.

وأشار إلى أن الأسرة فوجئت بقيام إدارة النادي بنشر منشور عبر صفحاتها الرسمية يفيد باستقرار حالة الطفل وتحسنها، بل والإعلان عن إعادة تشغيل حمام السباحة واستقبال الأعضاء مجددًا، في الوقت الذي كان يوسف لا يزال يصارع الموت داخل المستشفى.

وتابع: “الأطباء كانوا يؤكدون لنا أن حالة يوسف حرجة للغاية، بينما كانت هناك منشورات تتحدث عن استقرار حالته، وهو ما أثار استياء الأسرة، خاصة بعد أن تلقينا صباح اليوم التالي خبر وفاته”.

وأكد أن الأسرة لديها تساؤلات عديدة بشأن إجراءات السلامة داخل حمام السباحة، وعلى رأسها مدى توافر المنقذين خلال أوقات الذروة، وعددهم الفعلي وقت وقوع الحادث، فضلًا عن حقيقة تعطل كاميرات المراقبة وعدم وجود تسجيلات توثق ما جرى.

وقال إن المعلومات التي وصلت للأسرة تشير إلى أن يوسف ظل فترة داخل المياه قبل اكتشاف غرقه، وهو ما اعتبرته الأسرة مؤشرًا على وجود قصور في المتابعة والرقابة داخل حمام السباحة.

وأضاف أن الأطفال الذين كانوا برفقة يوسف اعتقدوا في البداية أنه غادر المياه بمفرده، وظلوا يبحثون عنه خارج الحمام، متسائلًا: “أين كان المنقذ المسؤول عن متابعة الأطفال داخل حمام السباحة في تلك اللحظات؟”.

وشدد على أن الأسرة تقدمت بشكواها للجهات المختصة وتنتظر نتائج التحقيقات التي تباشرها النيابة العامة، مؤكدًا ثقتها الكاملة في القضاء المصري.

واختتم تصريحاته قائلًا: “لن نتنازل عن حق يوسف، وسنسلك جميع الطرق القانونية المشروعة حتى تظهر الحقيقة كاملة ويحاسب كل من يثبت تقصيره، ليس فقط من أجل يوسف، ولكن حتى لا تتكرر هذه المأساة مع طفل أخر".

وفي أعقاب حادث الطفل يوسف، أوضح الدكتور محمد، طبيب الطوارئ، خطورة الإصابات الناتجة عن الغرق، والعوامل التي تحدد فرص نجاة المصاب، مؤكدًا أن الوقت يمثل العنصر الأهم في إنقاذ الحياة والحد من المضاعفات الخطيرة.

طبيب طوارئ يوضح خطورة الغرق بعد وفاة الطفل يوسف: الدقائق الأولى هي الفاصل بين الحياة والموت

قال الدكتور محمد، طبيب طوارىء ، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن حالات الغرق من أخطر الحالات التي تستقبلها أقسام الطوارئ، موضحًا أن العامل الحاسم في فرص نجاة المصاب هو سرعة انتشاله من المياه والبدء الفوري في عمليات الإنعاش القلبي الرئوي.

وأوضح الدكتور محمد، في تصريحات خاصة، أن بقاء المصاب تحت المياه لفترة طويلة يؤدي إلى نقص حاد في وصول الأكسجين إلى المخ والأعضاء الحيوية، وهو ما قد يتسبب في توقف القلب وحدوث مضاعفات بالغة الخطورة، حتى في حال استعادة النبض لاحقًا.

وأضاف أن بعض حالات الغرق تصل إلى المستشفى وهي في حالة حرجة للغاية، إذ يكون المريض قد تعرض لفترة من انقطاع الأكسجين أثرت على وظائف المخ والجهاز التنفسي، مشيرًا إلى أن الفرق الطبية تبذل أقصى جهدها من خلال الإنعاش والدعم التنفسي ووضع المريض على أجهزة الرعاية المركزة، إلا أن النتيجة النهائية ترتبط بدرجة الضرر الذي تعرض له الجسم قبل وصوله للمستشفى.

وأكد أن استنشاق أو ابتلاع كميات كبيرة من المياه قد يؤدي إلى مشكلات حادة بالرئتين وصعوبة شديدة في التنفس، فضلًا عن اضطرابات خطيرة في الدورة الدموية ووظائف الأعضاء المختلفة.

وأشار طبيب الطوارئ إلى أن الأطفال يعدون الأكثر عرضة لمخاطر الغرق، خاصة داخل حمامات السباحة المزدحمة، لافتًا إلى أن المتابعة المستمرة ووجود المنقذين المؤهلين يمثلان عنصرين أساسيين في الوقاية من مثل هذه الحوادث.

وشدد على أن ما يعرف بـ”الغرق الصامت” يعد من أكثر الأمور خطورة، حيث قد يتعرض الطفل للغرق دون أن يلفت الانتباه أو يطلق استغاثة واضحة، ما يجعل المراقبة الدائمة للأطفال داخل المياه أمرًا ضروريًا.

وأضاف أن الدقائق الأولى بعد وقوع الحادث تُعرف طبيًا بـ”الدقائق الذهبية”، لأنها تحدد إلى حد كبير فرص النجاة وتقلل احتمالات حدوث تلف دائم بالمخ نتيجة نقص الأكسجين.

واختتم الدكتور محمد تصريحاته بالتأكيد على أن الوقاية تظل الوسيلة الأهم لتجنب مثل هذه الحوادث، من خلال الالتزام بإجراءات السلامة داخل حمامات السباحة، والتأكد من توافر العدد الكافي من المنقذين المدربين، وسرعة التدخل فور ملاحظة أي حالة طارئة داخل المياه.

طباعة شارك حالات الغرق في حمامات السباحة حمامات السباحة غرق الطفل يوسف حامد غرق الأطفال الغرق الصامت

مقالات مشابهة

  • خبير تنمية بشرية: الأسرة السوية أساس بناء مجتمع قوي ومتوازن
  • هل يجوز شرعا؟.. الإفتاء توضح حكم تمييز أحد الأبناء بمساعدة مالية دون إخوته
  • بسبب لهو الأطفال | ضبط 16 شخصا تعدوا على بعضهم بالأسلحة النارية والبيضاء بأسوان
  • 7 يوليو.. نظر دعوى حبس أحمد عز لاتهامه بالامتناع عن سداد 570 ألف جنيه نفقة خادم
  • الخنبشي يفتتح خدمات الطوارئ العامة والتوليدية بمركز جامعة حضرموت لطب الأسرة على مدار الساعة
  • لـ 7 يوليو.. تأجيل دعوى حبس الفنان أحمد عز لعدم سداده أجر خادم لطفلي زينة
  • سيدات لـ«عاجل» في اليوم العالمي للوالدين: الوالدان صُنّاع الأجيال وأعظم أسباب النجاح والاستقرار
  • الطلاق في قانون الأسرة الجديد.. لمن منح المشرع سلطة إيقاعه؟
  • الأسرة تأخرت 15 ساعة.. تفاصيل واقعة وفاة الصغير ضحية الفول السوداني
  • مأساة غرق الطفل يوسف.. الأسرة تطالب بالتحقيق وطبيب طوارئ يكشف كواليس صادمة