يحكي الشيخُ الناصرُ المرموري:
أنه كان في زيارةٍ لدولة الكويت بصحبةِ الشيخ على يحيى معمر، التقى هناك بالمشرفِ على موسوعةِ الفقه الإسلامي على المذاهبِ الثمانية، العلامةَ مصطفى الزرقا، فطلب منهم مراجعَ ليكتب عن المذهب الإباضي، فتم إرسالُ كتبٍ من عمان والأقطار المغربيةِ، وبعد عامين زار الشيخُ المرموري فذهبَ ليطمئن أن الكتب وصلت.
فقال له المرموري: سابقا الناسُ لا تقرأ لنا، واليوم طالما أن هناك إنصافا، سنغرّقُ مكتباتكم بكتبنا.
ثم عاد المرموري وتفكّر كيف له أن يفعل ذلك.. ثم قابل السلطانَ قابوس، وحكى له ما صار له، فقال له لقد خصصنا وزارةً لذلك.. واجلس مع السيد فيصل بن علي، "يقول المرموري "وفعلا خطوا خطواتٍ جبّارةً في طباعة التراث" وكانت الكتبُ بعد طباعتها ترسل إلى هنا وهناك"...
فرحمة الله على أولئك الأفذاذ، الشيخِ المرموري والسيدِ فيصل بن علي والسلطانِ قابوس.
(2)
حين أرادَ الله سبحانه أن يخاطبَ الإنسانَ، اختار الحرفَ سفيرا فوق العادة، اختاره ليحملَ وحيَه وتوجيهه. ثم اختار "الكتابَ" معجزةً أخيرةً لخاتمِ أنبيائه. وحين أراد سبحانه أن يفتتحَ أولَ الوحي، كان الافتتاحُ ب"اقرأ"
ألم يخطرْ ببالكم لِمَ لم يقل: صلِ/ صم، زكِ/ أنفق...
لأن القراءةَ مفتاحُ الوعي، ومن الوعي يرتقي السعي، ومن السعي تبنى الحضارةُ وتتحقق الهويةُ. فكانت الآياتُ الخمسُ الأولُ من سورة العلق (اقرا باسم ربك الذي خلق) اقرأ لتعرفَ ربَك ودينك (خلق الإنسان من علق) اقرأ لتعرفَ نفسَك مواهبك وتنمّي ذاتك (اقرأ وربك الأكرم)اقرأ ليفتح الله لك باب المكرمات والكرامات، ليكرمك بما لا تتصور من المعارف والأفكار والأنوار والأسرار (الذي علّم بالقلم) اقرأ لتعرف الكتابة السامية النبيلة (علم الإنسان ما لم يعلم) اقرأ لتعلم ما لاتعلم، لتفهم ما يدور حولك من الظواهر والمظاهر والأفكار والأسرار.
(3)
يشبه هنري ميللر في كتابه "الكتب في حياتي" لقاءه بالكتب باللقاءات العظيمةِ والحميمية. أما الشاعرُ الأرجنتيني "البديع" خورخي لويس بورخيس فيقول "أنا الذي تخيَّلت دومًا الجنةَ على شكل.. مكتبة". وحين سئل فولتير عمن يسودُ الجنسَ البشري، قال الذين يعرفون كيف يقرؤون. ويقول الأديب "عباس محمود العقاد": "لستُ أهوى القراءةَ لأكتبَ، ولا أهوى القراءةَ لأزدادَ عُمرًا في تقديرِ الحساب، وإنما أهوى القراءةَ؛ لأنَّ عندي حياةً واحدةً، وحياةٌ واحدة لا تكفيني، والقراءةُ هي التي تُعطيني أكثرَ من حياة؛ لأنها تزيد هذه الحياةَ من ناحية العمق". ويقول الرئيسُ الأمريكي جيفرسون "الذين يقرؤون هم الأحرار، لأن القراءةَ تحريرٌ من الجهل والخرافة وهما ألد أعداء الحرية".
ونحن نعيش اليوم عالما تتقادم فيه المعارف بشكل سريعٍ سريع مذهل، وتشيخُ المعلوماتُ وتتجدد تباعا، ولذا لا بد من التعليمِ المستمر وتجديدِ المعرفة. كما أننا نعيشُ عالما يسيطرُ عليه اقتصاد المعرفةِ وليس اقتصاد المواد الخام، كما كان سابقا.
ولأن "العضو الذي لا نستخدمه يضمرُ" لذا نحتاج إلى القراءة لأننا بحاجةٍ إلى أدمغتنا.
وهناك أمر لطيف مرتبط بالقراءة إنه السعادة، تقول الأدبية الباحثة الكبيرة بنت الشاطئ: "إنني أتدواى بالقراءة"وهناك مثل غربي يقول: "إذا أردتَ أن تُسعد إنسانًا، فحبِّب إليه القراءة".
يقول ابن الأعرابي:
لَنَا جُلَسَاءُ مَا نَمَلُّ حَدِيثَهُمْ//أَلِبَّاءُ مَأْمُونُونُ غَيْبًا وَمَشْهَدَا
يُفِيدُونَنَا مِنْ عِلْمِهِمْ عِلْمَ مَا مَضَى//وَعَقْلًا وَتَأْدِيبًا وَرَأْيًا مُسَدَّدَا
بِلَا فِتْنَةٍ تُخْشَى وَلَا سُوءِ عِشْرَةٍ//وَلَا يُتَّقَى مِنْهُمْ لِسَانًا وَلَا يَدَا
فَإِنْ قُلْتَ أَمْوَاتٌ فَلَا أَنْتَ كَاذِبٌ//وَإِنْ قُلْتَ أَحْيَاءٌ فَلَسْتَ مُفَنَّدَا
ويقول المتنبي:
أعز مكانٍ في الدنا سرجُ سابح/وخيرُ جليس في الزمان كتابُ.
(4)
يروى أن العلامة محمد بن إبراهيم الكندي في إحدى الليالي الشاتية أشكلت عليه مسألة فقهية، فأخذ يبحث عنها وقد ناف عمره حينها عن السبعين، فأوقد نارا يصطلي بها طوال الليل حتى طلع الفجر عليه، فصلى وقرأ ما اعتاد عليه من تلاوة وأوراد ثم كرّ مرة أخرى لمطالعة المسألة التي أشكلت عليه فاستمر يوماً وليلةً لم يذق حلاوة النوم حتى وجد ضالته، وكانت لا تمنعه الأمراض ولا تحرمه تقلبات الأيام بحلوها ومرها عن العناية بوقته، وقد مكث قبل وفاته على فراش المرض سبعة عشر يوما لا يفتر عن العبادة والاستغفار، وقد مات وعلى جبينه كتاب الله سبحانه وتعالى.
ويُذكر عن العلاّمة جميل السعدي صاحب قاموس الشريعة أنه كان يعكف على نسخ كتابه قاموس الشريعة طوال الليل ويشعل قنديلا يستضيء به ويستمر على هذا الشأن حتى بعد صلاة الفجر وإلى طلوع الشمس ويُذكر أن مرة من المرات مرت عليه راعية فلمّا رأت ذلك المشهد عجبت منه واتهمته بالجنون إذ كيف يشعل قنديلا في وضح النهار، حتى إنه كتب كتابه قاموس الشريعة –وهو أكثر من تسعين جزءا- ثلاث مرات حتى انكفّت أصابعه.
ويحكى أن الإمام الخليلي في أثناء طلبه للعلم قام بعد صلاة العشاء ذات ليلة فقعد على سراج يقرأ فلما خرج الناس وقف أحدهم على رأسه فقال له الإمام : ماذا تريد ؟ فقال الرجل : أريد أن أطفئ السراج، قال الإمام: أريد أن أطالع قليلا ثم أكفيك إطفاءه، قال الرجل: فذهبت عنه ونمت في بيتي وكانت الليلة من ليالي الشتاء الطويلة، وقمت قبيل الفجر إلى المسجد لأذان الفجر، فلما دخلت وجدت الإمام كما هو وقت العشاء، فوقفت على رأسه قرآني وقال لي: قلت لك أنا أكفيك إطفاء السراج فاذهب، فقلت له : يا سيدي ذهبت فنمت في بيتي والآن جئت لصلاة الفجر، قال الإمام: سبحان الله ! ما شعرت بذهاب الليل، قال الرجل: فترك الكتاب.
(5)
التمثالُ بحاجةٍ إلى من يلمَسُه ليشعرَ بجمالِه، والقصيدةُ بحاجة إلى من يسمعُها ليعرفَ روحَها ويتذّوق موسيقاها، وكهفُ الذاكرة بحاجة إلى من يمسحُ عنه غبارَ الزمن، وهذا ما نقومُ به نحن الآن، حين نفركُ خاتمَ التاريخ والذاكرة، فيخرج "سفر الأسفار" ليأخذنا إلى تلك الأحبار التي انبثقت من محابر عمانية. تلك الأسفارِ العلمية واللوحاتِ الأدبية والمعارجِ الروحية. نرحلُ إلى ذاكرةِ الحبر ودفقِ أعلامه، رحلة مشحونة بالحياة والفكرة، مليئة بالآمال والتحديات.
نزورُ صفحات الكتب، نفتح مندوسَها العريق، فتسكرُنا روائحُ الحبر المعتّقة، وكنوزُه الفاتنة، وتتعرّى صفحاتُها ليحلّق الحبرُ بالفكر، ويمتزجُ العقلُ بالقلب، ليملأ هذا الفضاءَ الواسع. لنخرجَ دفائنَ تلك الأسفارِ من رحم التاريخ، نبرزُها، عفوا ليس لنا طاقةٌ بإبرازها، بل حسبنا أن نذكّرَ بها، أن نبرزَ مفاتنَها، لعل عريسا تتوقُ نفسه إليها.
مع هذه الكوكبةِ من عباقرة عمان، من علمائها، من أدبائها، من مؤرخيها، من مفكريها، هؤلاء الذين سكرت الأرضُ بخمرة علمهم المعتّقة وأدبهم البديع، وملأت الفضاء أنفاسُ حروفهم الزاكية، فلا أقل من لحظة تحية وذكرى وامتنان.
**
الكلمةُ في هذا البلدِ ليست طفلا بلا نسب، بل هي شجرةٌ أصلُها ثابت وفروعها في السماء، تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها.. إنها تراث فكري وعاطفي واجتماعي وإنساني.. تراثٌ يحمل نكهةَ عمان، وروحَ عمان، وعبق حاراتها وأزقتها، ومزاريبَ بيوتها القديمة، ورائحةَ سبلتها ومجالسها، وشجون أهلها، وفنون مبدعيها.
يحملُ شموخ نخلها الشامخ، وصفاء أفلاجها الدافقة، وأنفاسَ سوقها النابض حراكا وحركة.
المصدر
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: فقال له
إقرأ أيضاً:
هل يجوز تأخير صلاة الظهر عند شدة الحر؟.. داعية إسلامي يجيب
أكد الشيخ أحمد الطلحي، الداعية الإسلامي، أن الشريعة الإسلامية راعت أحوال الناس، خاصة في أوقات المشقة، موضحًا أن من مظاهر التيسير ما ورد بشأن التعامل مع شدة الحر، ومنها الإبراد بصلاة الظهر.
وأوضح الشيخ أحمد الطلحي، خلال تصريح له، أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إلى ذلك بقوله: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم»، وهو حديث رواه الإمامان البخاري ومسلم، مبينًا أن المقصود بالإبراد هو تأخير صلاة الظهر قليلًا عن وقت اشتداد حرارة الشمس.
التيسير على الناس ورفع الحرج عنهموأشار إلى أن هذا التوجيه النبوي يحمل معنيين أساسيين؛ الأول التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم في أداء العبادة، والثاني تذكير المؤمنين بالآخرة، حيث إن شدة الحر في الدنيا تُذكّر بحر جهنم.
وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن كذلك حقيقة ما يتعلق بالحر والبرد، حيث قال: «اشتكت النار إلى ربها فقالت: رب أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين؛ نفس في الشتاء ونفس في الصيف»، موضحًا أن أشد ما يشعر به الناس من حر في الصيف ومن برد في الشتاء هو من آثار ذلك.
ولفت إلى أن “الزمهرير” هو شدة البرد، كما أن شدة الحر في الصيف تمثل تذكيرًا عمليًا بما أعده الله، وهو ما يدعو الإنسان إلى التفكر والاعتبار.
وشدد الداعية الإسلامي على أن هذه التوجيهات النبوية تعكس روح الرحمة والتيسير في الإسلام، وتربط بين واقع الحياة اليومية والمعاني الإيمانية العميقة.