الأسبوع:
2026-07-23@21:01:27 GMT

الأوقاف تحدد نص موضوع خطبة أول جمعة في رمضان 2026

تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT

الأوقاف تحدد نص موضوع خطبة أول جمعة في رمضان 2026

أعلنت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة المقبلة 20 فبراير 2026، الموافق 2 رمضان 1447هـ، وهي بعنوان «رمضان شهر الإرادة والكرم».

وأشارت الوزارة إلى أن الهدف من موضوع خطبة الجمعة، هو الحث على تحقيق مقاصد الصيام، بإصلاح النفس ومد يد العون للغير.

نص موضوع خطبة الجمعة المقبلة

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه، أما بعد

فإن رمضان شهرُ الإرادة، لأنَّه الميدان الذي يتعلَّم فيه الإنسان كيف ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على غيره، ففيه يُمسك الصائم عن شهواته المباحة قبل المحرَّمة، لا لشيءٍ إلا امتثالًا لأمر الله، وتصديقًا لمعنى العبودية الصادقة، فإذا قدر على ترك ما يشتهيه وهو قادرٌ عليه، دلَّ ذلك على أن زمام نفسه بيده لا بيد هواه.

إن الصوم ليس امتناعًا عن الطعام والشراب فحسب، بل هو تدريبٌ يوميٌّ على الصبر، ومجاهدةٌ للنفس، وتربيةٌ للإرادة، حتى يصبح المؤمن قويَّ العزيمة، ثابتَ المبدأ، لا تزلزله الرغبات ولا تستعبده العادات، ولهذا كان رمضان مدرسةً ربانيةً تُخرِّج رجالًا ونساءً يملكون أنفسهم، ويعرفون أن أعظم نصرٍ يحققه الإنسان هو نصره على شهواته، وإليك بيان طرف من ذلك.

قال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلصِّیَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فالتقوى ثمرة الصيام، وهي تعني ضبط النفس ومراقبة الله، وهذا هو جوهر الإرادة، والتقوى تولِّد في القلب يقينًا بالله، فمن اجتاز دورة الصيام بقلبٍ حاضر، وعزمٍ صادق، خرج منها وقد اشتدّ عوده، ورقّت روحه، وقويت إرادته، وارتقى في مدارج القرب، حتى يُكتب عند الله في زمرة الصائمين حقًّا.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ» [رواه البخاري].

قال ابن عبد البر: "وأمّا قولُهُ: «فإنِ امرُؤٌ قاتَلَهُ أو شاتمَهُ، فليَقُل: إنِّي صائمٌ»، ففيه قولانِ:

أحدُهُما: أنَّهُ يقولُ للذي يُرِيدُ مُشاتمَتهُ ومُقاتلتَهُ: إنِّي صائمٌ، وصَوْمِي يمنعُني من مُجاوبتِكَ، لأنِّي أصُونُ صَوْمِي عن الخَنا والزُّورِ من القَولِ، فبِهذا أُمِرتُ، ولولا ذلك لانتصرتُ لنفسِي بمِثلِ ما قُلتَ لي سواءً، ونحو ذلك.

والمعنى حِينئذٍ على هذا التَّأوِيلِ في الحديثِ، أنَّ الصّائمَ نُهِيَ عن مُقاتَلةِ من قاتَلهُ بلسانِهِ ومُشاتمتِهِ، وعليه صَوْنُ صومه عن ذلك، وبهذا وردَ الحديثُ.

والقولُ الثّاني: أنَّ الصّائمَ يقولُ في نفسِهِ لنَفسِهِ: إنِّي صائمٌ يا نَفْسي، فلا سبِيلَ إلى شِفاءِ غَيْظِكِ بالمُشاتمَةِ، ولا يُظهِرُ قولهُ: "إنِّي صائمٌ"، لما فيه من الرِّياءِ، واطَّلاع النّاسِ على عَمَلِهِ، لأنَّ الصَّومَ من العَملِ الذي لا يَظْهرُ، ولذلك يجزِي اللهُ الصّائمَ أجرَهُ بغيرِ حِسابٍ" [التمهيد].

رمضانُ شهرُ الإرادةِ الصادقة، ومدرسةُ العزيمةِ التي تُهذِّب النفس وتُروِّضها على الصبر الجميل، فيه يتعلَّم الإنسان كيف يقود شهوته ولا تقوده، وكيف يملك زمام رغباته فلا تستعبده، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم الشبابَ الذين لا يجدون مؤونة الزواج إلى الصوم، وجعله لهم وِجاءً يحفظ عليهم عفافهم، كما في الحديث المتفق عليه: «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»، فالصوم حصنٌ منيع، وسياجٌ واقٍ، يخفف غليان الشهوة، ويزرع في القلب سكينةً تُعين على الطهر والاستقامة.

يقول الإمام ابن الهُمام -أحد فقهاء الحنفية- في فوائد الصوم: "شَرَعَهُ سُبْحَانَهُ لِفَوَائِدَ أَعْظَمُهَا: سُكُونَ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ، وَكَسْرَ سَوْرَتِهَا فِي الْفُضُولِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ مِنْ الْعَيْنِ وَاللِّسَانِ وَالْأُذُنِ وَالْفَرْجِ، فَإِنَّ بِهِ تَضْعُفُ حَرَكَتُهَا فِي مَحْسُوسَاتِهَا، وَلِذَا قِيلَ: إذَا جَاعَتْ النَّفْسُ شَبِعَتْ جَمِيعُ الْأَعْضَاءِ وَإِذَا شَبِعَتْ جَاعَتْ كُلُّهَا" [فتح القدير].

ورمضان يمنح المسلم فرصةً عمليةً لمجاهدة النفس التي وصفها القرآن بقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أُبَرِّئُ نَفۡسِیۤۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤۚ إِنَّ رَبِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [يوسف: ٥٣]، ففي هذا الشهر تُقيَّد الشهوات بسلاسل الإرادة، ويُدرَّب القلب على أن يقول "لا" حين تعصف الرغبات، وأن يختار رضا الله على نداء الهوى.

إنه شهرُ انتصارِ الإنسان على نفسه، وشهرُ تزكيةٍ تتجدَّد فيها العهود، فتسمو الروح، ويقوى العزم، ويخرج الصائم من مدرسته وقد تعلَّم أعظم دروس الحياة: أن من ملك نفسه ملك دنياه وآخرته.

يدع طعامه وشرابه من أجلي:

يقول تعالى في الحديث القدسي: «الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه البخاري]، وفي رواية أخرى: «يَدَعُ طَعَامَهُ وشَرابَهُ مِنْ أَجْلِي» [رواه أحمد]، عبارةٌ قصيرةُ الألفاظ، عظيمةُ المعاني، تفتح للقلب أبوابَ التأمل في سرِّ الصيام، وحقيقة الإرادة، وجوهر العبودية.

فالصائم حين تمتدُّ يده إلى الماء ثم يكفُّها، وحين تدعوه شهوةُ الطعام ثم يردعها، لا يفعل ذلك خوفَ رقيبٍ من البشر، ولا التزامًا بعادةٍ اجتماعية، وإنما يفعلُه لأن في قلبه يقينًا أن الله يراه، وهنا تتجلّى حقيقة الإرادة المهذَّبة، إرادةٌ لا يحكمها الجوع، ولا يقودها العطش، بل يوجِّهها الإيمان، إن النفس بطبعها ميّالةٌ إلى اللذة، فإذا استطاع الإنسان أن يقول لها: توقّفي -لا عجزًا بل طاعةً- فقد ارتقى من مرتبة الانقياد للشهوة إلى مرتبة السيادة عليها، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ [النازعات: ٤٠- ٤١]، فجعل الفوز الأبدي ثمرةً لنهي النفس، لأن تهذيب الإرادة هو الطريق إلى رضوان الله.

إن أعظم معركة يخوضها الإنسان هي معركته مع نفسه وهواه، يأتي رمضان ليقول لك: "أنت قادر".

إرادة الترك: إذا استطعت أن تترك الطعام والشراب الحلال بإرادتك طاعةً لله، فأنت أقدر على ترك الحرام والشبهات، فالصائم يمتلك "فرامل" قوية توقف شهواته عند حدود الله.

إرادة التغيير: كم من عادة سيئة (كالتدخين، الغيبة، ضياع الوقت،.. .) استعصت علينا طوال العام!، يأتي رمضان ليثبت لك أنك تملك الإرادة للتغيير، فمن صبر عن الماء البارد في ظهيرة حارة، قادر على أن يصبر عن المعصية.

ضبط الانفعالات: يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإن سَابَّه أَحَدُ أو قاتَلَهُ فليَقُل: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ»، هذه قمة الإرادة، أن تملك نفسك عند الغضب.

فحقيقة الإرادة في ميزان الإيمان ليست أن تفعل ما تشتهي، بل أن تملك نفسك حين تشتهي، ومن هنا كان الصوم مدرسةً ربانيةً تُعيد ترتيب الأولويات في القلب، حتى نتحقق بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَينَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾ [الحجرات: ١]، يقول الإمام القرطبي: "أي لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدي الله وقول رسوله وفعله فيما سبيله أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا، ومن قَدَّم قوله أو فعله على الرسول صلى الله عليه وسلم فقد قدمه على الله تعالى، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما يأمر عن أمر الله عز وجل" [الجامع لأحكام القرآن].

ويقول الحافظ ابن كثير: "هذه آداب أدَّب الله بها عباده المؤمنين فيما يعامِلون به الرسول صلى الله عليه وسلم من التوقير والاحترام والتبجيل والإعظام،.. .أي: لا تسرعوا في الأشياء بين يديه، أي: قبله، بل كونوا تبعا له في جميع الأمور" [تفسير القرآن العظيم].

الصوم يعلمك الصبر على الخَلْق، وتحمُّل أذاهم، والعفو عن زلاتهم، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَخَالِطُ النَّاسَ، وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ، أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يُخَالِطُّ النَّاسَ، وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ» [رواه ابن ماجه]، ويقول تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [سورة الشورى: ٤٣]، قال الطاهر بن عاشور: "والعزم: عقد النية على العمل والثبات على ذلك، والوصف بالعزم مشعر بمدح الموصوف، لأن شأن الفضائل أن يكون عملها عسيرا على النفوس لأنها تعاكس الشهوات، ومن ثم وصف أفضل الرسل بأولي العزم" [التحرير والتنوير].

الصوم يربيك على الصبر على أقدار الله والرضا بها، واليقين بأن ما كتبه الله على العباد كائن لا محالة.

الصوم قد اشتمل على أنواع الصبر الثلاث: الصبر على الطاعة، والمعصية وعلى قدر الله المتمثل في الجوع والعطش، فعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، قَالَ: عَقَدَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي يَدِهِ أَوْ فِي يَدِي فَقَالَ: «.. ، وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ» [رواه أحمد].

ولذا كان حظ الذي يرخي لنفسه العنان، ويطلق لنظره وجوارحه اللجام فتتناول ما حرم الله، أنه ليس من صيامه إلا الجوع والعطش، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ» [رواه أحمد بسند حسن].

إذا كانت الإرادة تتجلّى في قدرة المؤمن على الامتناع عما يشتهي، فإن الكرم يتجلّى في قدرته على العطاء وهو يحبّ المال حبًّا جمًّا، فالصائم حين يمسك عن شهواته نهارًا، إنما يدرّب قلبه على الانقياد لأمر الله، فإذا جاء وقت البذل كان أقرب إلى السخاء، لأن النفس التي تعلّمت الإرادة، يسهُل عليها الإنفاق.

وقد كان سيد الكرماء محمد صلى الله عليه وسلم القدوة العليا في هذا الباب، فقد ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما قال: "كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ".

فاجتماع القرآن والصيام وقيام الليل يفتح أبواب الرحمة في قلبه، فيفيض جودًا وعطاءً، حتى شُبِّه بالريح المرسلة في سرعة بذله وسعته، قال حجة الإسلام الغزالي: "والمعنى في تخصيص رمضان بزيادة الجود وإكثار الصدقات تفريغ الصائمين والقائمين للعبادة بدفع حاجاتهم" [فتح العزيز بشرح الوجيز].

ويقول الإمام ابن الجوزي: "وَإِنَّمَا كثر جوده عَلَيْهِ السَّلَام فِي رَمَضَان لخمسة أَشْيَاء: أَحدهَا: أَنه شهر فَاضل، وثواب الصَّدَقَة يتضاعف فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعِبَادَات، وَالثَّانِي: أَنه شهر الصَّوْم، فإعطاء النَّاس إِعَانَة لَهُم على الْفطر والسحور، وَالثَّالِث: أَن إنعام الْحق يكثر فِيهِ، فَأحب الرَّسُول أَن يُوَافق ربه عز وَجل فِي الْكَرم، وَالرَّابِع: أَن كَثْرَة الْجُود كالشكر لترداد جِبْرِيل إِلَيْهِ فِي كل لَيْلَة، وَالْخَامِس: أَنه لما كَانَ يدارسه الْقُرْآن فِي كل لَيْلَة من رَمَضَان زَادَت معاينته الْآخِرَة، فَأخْرج مَا فِي يَدَيْهِ من الدُّنْيَا) [كشف المشكل من حديث الصحيحين].

ومن دلائل اقتران الإرادة بالكرم أن من استطاع أن يمسك يده عن الحرام، استطاع أن يبسطها بالحلال، فالصيام يذكّر الإنسان بجوع الفقراء، ويوقظ فيه حسّ المشاركة والرحمة، فلا يبقى الألم خبرًا يُسمع، بل تجربةً تُعاش، تدفع إلى التكافل والتراحم.

وجاء الحث الصريح على هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه الترمذي].

ففي هذا توجيه نبويّ عظيم إلى صناعة مواسم العطاء في رمضان، إذ لا يقتصر الأجر على الصائم وحده، بل يمتدّ إلى من أعانه وواساه وأدخل السرور عليه، قال الماوردي: " يُخْتَارُ لِلنَّاسِ أَنْ يُكْثِرُوا مِنَ الْجُودِ وَالْإِفْضَالِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَبِالسَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ بَعْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شَهْرٌ شَرِيفٌ قَدِ اشْتَغَلَ النَّاسُ فِيهِ بِصَوْمِهِمْ عَنْ طَلَبِ مَكَاسِبِهِمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُوَسِّعَ فِيهِ عَلَى عِيَالِهِ وَيُحْسِنَ إِلَى ذَوِي أَرْحَامِهِ وَجِيرَانِهِ، لَا سِيَّمَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَمْكَنَهُ إِفْطَارُ صَائِمٍ أَنْ يُفَطِّرَهُ" [الحاوي الكبير].

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه "أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، أَسْلِمُوا! فَوَاللهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا" [رواه مسلم].

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «لَوْ أَنَّ لِيَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا سَرَّنِي أَنْ يَأْتِيَ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا شَيْءٌ أَرْصُدُهُ لِدَيْنِي» [رواه البيهقي في دلائل النبوة].

عن مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ رضي الله عنه: أَنَّهُ بَيْنَمَا يَسِيرُ هُوَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَهُ النَّاسُ، مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَهُ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ، حَتَّى اضْطَرُّوهُ -أي ألجؤوه- إِلَى سَمُرَةٍ -شجرة مزهرة- فَخَطِفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ -أي الشجر- نَعَمًا لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا، وَلَا كَذُوبًا، وَلَا جَبَانًا» [رواه البخاري].

قال تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢].

فرمضان ليس شهر عبادةٍ فرديةٍ فحسب، بل هو موسمٌ تتجلّى فيه معاني الأمة الواحدة، ويُبعث فيه خُلُقُ التكافل حيًّا نابضًا في القلوب والبيوت والمجتمعات، ففيه يلتقي الغني بالفقير على مائدة الشعور، ويجتمع القوي والضعيف تحت ظلال الرحمة، فيتحقق قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ﴾ [الحجرات: ١٠].

وقد كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يواسي المحتاج، ويُطعم الجائع، ويُشعر الضعيف أنه جزء من جسد الأمة لا يُترك ولا يُنسى، فالتكافل في رمضان ليس صدقة عابرة، بل هو روح تسري في المجتمع كله.

قال الملا علي القاري: "ومنها: كونه -أي شهر رمضان- موجبًا للرحمة والعطف على المساكين، فإنه لمّا ذاق ألم الجوع في بعض الأوقات ذكر من هذا حاله في عموم الساعات، فتسارع إلى الرقة عليه، والرحمة حقيقتها في حق الإنسان نوع ألم باطن فيسارع لدفعه عنه بالإحسان إليه، فينال بذلك ما عند الله من حسن الجزاء، ومنها: موافقة الفقراء بتحمل ما يتحملون أحيانًا وفي ذلك رفع حاله عند الله" [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح].

تتجلى مظاهر التكافل في رمضان في عدة جوانب، منها: إخراج زكاة المال، إذ يحرص كثير من المسلمين على إخراج زكاتهم في هذا الشهر المبارك.

ومنها: صدقة الفطر، وقد فرضها النبي صلى الله عليه وسلم طُهرةً للصائم وطُعمةً للمساكين، حتى لا يبقى في يوم العيد محتاجٌ.

ومنها: إفطار الصائمين، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» [رواه ابن حبان]، فكم من موائد تمتدّ في المساجد والطرقات، وكم من بيوتٍ تُفتح أبوابها لاستقبال عابر سبيل أو عاملٍ بعيدٍ عن أهله، فيتحول الإفطار إلى رسالة محبة وأخوّة، وتكون سببا لدخول الجنة، قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا»، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ لِلَّهِ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [رواه أحمد].

ومنها: الصدقات الجارية، وغير ذلك من ألوان العطاء التي تمثل تماسك المجتمع، وتراحمه وتعاطفه، استجابة لأمر الله وأمر رسول الله.

يتجلى في رمضان مظاهر إكرام المولى تبارك وتعالى لعباده المؤمنين، حيث تتضاعف الحسنات ويكثر الثواب، تتنزّل فيه الرحمات، وتُفتح فيه أبواب السماء، ويُغدق الله فيه على عباده من فضله ما لا يكون في غيره من الشهور، قال صلى الله عليه وسلم: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ: أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ» [رواه مسلم].

قال القاضي عياض: "وقوله: «فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، قيل: يحتمل الحقيقة، وأن فتح أبواب الجنة وتغليق أبواب النار، علامة لدخول الشهر، وعظم قدره، وكذلك تصفيد الشياطين ليمتنعوا من أذى المؤمنين وإغوائهم فيه، وقيل يحتمل المجاز لكثرة الثواب والعفو.

وقد يكون فتح أبواب الجنة هنا: عبارة عما يفتح الله على عباده من الطاعات المشروعة فى هذا الشهر الذي ليست في غيره، من الصيام، والقيام، وفعل الخيرات، وأن ذلك أسباب لدخول الجنة، وأبواب لها، وكذلك تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين عبارة عمّا يكفُّه الصوم، والشغل بفعل الخير فى هذا الشهر، وعظم قدره فى القلوب، وما جاء فى النهى فيه عن أن يرفث، أو يجهل، والكف فيه عن المحارم والمعاصى، وأن الصوم مانع عن كثير من المباحات، فكيف بما وراء ذلك، ومكفر للسيئات" [إكمال المعلم].

وهو شهر الغفران، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَن رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [رواه البخاري].

وهو شهر العتق من النيران، قال صلى الله عليه وسلم: «وللهِ عُتَقَاءُ من النَّارِ، وَذلكَ كُلَّ ليْلةٍ» [رواه الترمذي].

وفيه ليلة القدر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَدراكَ مَا لَيلَةُ ٱلقَدرِ * لَيلَةُ ٱلقَدرِ خَير مِّن أَلفِ شَهر﴾ [سورة القدر: ١ -٢].

وقال صلى الله عليه وسلم: «وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» [رواه ابن ماجه].

وهو شهر مضاعفة الأجور، قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً، كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ» [فضائل رمضان لابن أبي الدنيا].

خطوات إجرائية لتحقيق معنى الإرادة والكرم:

أولًا: تفعيل مفهوم صيام الجوارح

صيام العين: غضّ البصر عن الحرام، وتقليل النظر إلى ما يلهي عن ذكر الله.

صيام الأذن: تجنّب سماع الغيبة واللغو، واستبدالها بقرآن أو علم نافع.

صيام اللسان: حفظه من الكذب والجدال والشكوى، وإشغاله بالذكر والدعاء.

صيام اليد: كفّها عن الأذى، وتوجيهها إلى الخير والعطاء.

صيام القدم: تجنّب السعي إلى مواطن المعصية، والحرص على المشي إلى الطاعة.

مراجعة يومية للجوارح: محاسبة مختصرة قبل النوم: هل صامت جوارحي حقًّا؟

ثانيًا: تحقيق تزكية النفس عمليًّا

استحضار قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس: ٧ -١٠].

تحديد عادة سلبية والعمل على تقليلها تدريجيًّا طوال الشهر.

الإكثار من الاستغفار والدعاء بطلب تزكية النفس.

ربط كل عبادة بنيّة الإصلاح الداخلي لا بمجرد الأداء الشكلي.

ثالثًا: الحرص على العطاء في رمضان

تفطير صائم ولو بقدر يسير.

تخصيص صدقة يومية أو أسبوعية ثابتة.

مساعدة محتاج في محيط الأسرة أو الجيران.

المشاركة في عمل تطوعي أو مبادرة خيرية خلال الشهر.

اقرأ أيضاًموعد أول صلاة تراويح في شهر رمضان 2026 وعدد الركعات

صلاة التراويح رمضان 1447 - 2026 في مصر.. متى تبدأ وعدد الركعات؟

«الإفتاء» تعلن خطتها الشاملة خلال شهر رمضان لنشر الوعي الديني

المصدر

المصدر: الأسبوع

كلمات دلالية: وزارة الأوقاف خطبة الجمعة موضوع خطبة الجمعة خطبة الجمعة المقبلة نص خطبة الجمعة المقبلة النبی صلى الله علیه وسلم قال صلى الله علیه وسلم ی صلى الله علیه وسلم رواه البخاری رضی الله عنه موضوع خطبة فتح أبواب قال تعالى هذا الشهر فی رمضان ى الله ع ر م ض ان النبی ص ول الله على ال فی هذا ی صائم على أن

إقرأ أيضاً:

الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة

أكدت وزارة الأوقاف، أن ثورة 23 يوليو شكَّلت نقطة تحول في بناء الدولة الوطنية، وتستمر مسيرتها اليوم عبر رؤية مصر ٢٠٣٠، التي ترتكز على بناء الإنسان، وتعزيز المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، ومكانة مصر الإقليمية والدولية.

وقالت وزارة الأوقاف، في بيان، إن لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م دور رئيسي ومحوري في إعادة بناء الجيش، حيث بدأت أولى الخطوات بكسر احتكار السلاح عام ١٩٥٥م، وذلك بعقد صفقة أسلحة مع تشيكوسلوفاكيا، ثم مع الاتحاد السوفيتي، وبدأت عملية تنظيم الجيش وتزويده بالأسلحة الحديثة، وشمل التطوير إنشاء وحدات حديثة خاصة، مثل وحدات المظلات، والصاعقة، وإدارة الحرب الكيميائية، وتحديث وسائل الاتصال، مع الارتقاء بمستوى التدريب، وإنشاء مدارس إعداد الفنيين العسكريين، والكلية الفنية العسكرية، والمدرسة الثانوية الجوية.

برلماني: كلمة الرئيس السيسي في ذكرى ثورة 23 يوليو تؤكد أن الجمهورية الجديدة امتداد حقيقي لمسيرة الاستقلال والبناءعلامة فارقة.. أستاذ تاريخ معاصر: ثورة 23 يوليو أسهمت في تحقيق العدالة الاجتماعية

كما تم إنشاء المصانع الحربية لمد القوات المسلحة بما تحتاجه من ذخائر، وساهمت هذه المصانع في الوفاء بقدر كبير من بعض أنواع الأسلحة والذخائر لمصر، وبعض الدول العربية والإفريقية، كما برز الاهتمام بنظم التدريب، وإرسال البعثات إلى الدول الرئيسة التي يتم استيراد السلاح منها، واتبعت مصر سياسة تدريب العسكريين العرب والأفارقة في المعاهد والكليات العسكرية المصرية، وتم أيضًا تدعيم الدور المدني للقوات المسلحة في تقديم خدمات وأنشطة مدنية.

إقامة جيش وطني قوي

وتابعت: وكان الهدف الخامس لثورة يوليو هو إقامة جيش وطني قوي، وفي سبيل ذلك حددت مهمة القوات المسلحة، وهي حماية الوطن ضد أي اعتداء خارجي، ودعم الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي وفقًا للثوابت الوطنية المصرية، وأن تتميز بالقدرة على الحركة السريعة وتمتلك الأسلحة الرادعة، وأن تساير التطور العلمي.

وقالت الوزارة، إن إقامة جيش وطني قوي وتجهيزه بأحدث الأسلحة، وحماية حدود الوطن لردع أي اعتداء خارجي، يتوافق مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الأوطان وإعداد أسباب القوة اللازمة لحمايتها، عن عقبة بن عامررضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» [صحيح مسلم: ( ١٩١٧)]، (الرَّمْيُ) في عصرنا الحالي يمثل سلاح الطيران، والمدفعية، والصواريخ، والأسلحة الرادعة الحديثة، تكرار النبي صلى الله عليه وسلم للكلمة يؤكد أن سلاح الردع عن بُعد هو أساس القوة في كل عصر بحسب تطوره العلمي.

وأضافت الأوقاف، أن إنشاء المصانع الحربية لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الذخائر والأسلحة يدخل تحت القاعدة الفقهية الشرعية المستمدة من مقاصد الشريعة: "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، ولما كانت حماية الوطن والدفاع عنه واجبًا شرعيًا فإن السعي إلى امتلاك القدرات الدفاعية الوطنية ينسجم مع مقاصد الشريعة في حفظ الأوطان وتحقيق القدرة على الدفاع عنها.

بالأعلام المصرية وهدايا الأطفال .. مطار القاهرة يحتفل بذكرى ثورة 23 يوليو مع المسافرينقيادي بمستقبل وطن : كلمة الرئيس في ذكرى ثورة 23 يوليو تؤكد أن مصر تواصل صناعة المستقبل

وذكرت أن الملكية الخاصة والمصلحة العامة: "قانون الإصلاح الزراعي" وأقرَّ الإسلامُ أنَّ لكلِّ شخصٍ الحقَّ في تحصيلِ الثروةِ والتملُّكِ؛ تلبيةً للدوافعِ التي فُطِرَ الناسُ عليها، طالما أنه يؤدّي واجباتِه الدينيةَ والاجتماعيةَ، وطالما أنه لا يحصِّلُ ثروته وأملاكه من خلالِ وسائلَ غيرِ أخلاقيةٍ؛ كالاتجارِ في السلعِ الضارّةِ؛ إذْ توجدُ قواعدُ فقهيةٌ تفرضُ ضوابطَ وقيودًا على الملكيةِ إذا ما امتدّتْ لإحداثِ أضرارٍ بالناسِ أو المجتمعِ (لا ضررَ ولا ضرارَ).

وقد وضعَ الإسلامُ مبادئَ راسخةً لحمايةِ المجتمعِ، ومنعِ الضررِ، وتحقيقِ المصلحةِ العامةِ؛ فالضررُ بجميعِ أنواعِه منهيٌّ عنه في الإسلامِ، ويجبُ اتخاذُ التدابيرِ الوقائيةِ لمنعِ حدوثِه، وعلاجِ آثارِه إذا وقعَ، والإسلامُ لم يكتفِ بتحريمِ التصرفاتِ الضارّةِ، لكنه حرَّمَ التصرفاتِ المباحةَ أصلًا والتي تقترنُ بنيةِ الإضرارِ، وقد أقرَّ الإسلامُ الملكيةَ الخاصةَ، لكنه جعلَها مرتبطةً بالمسئوليةِ الاجتماعيةِ، وعدمِ الإضرارِ، وتحقيقِ المصلحةِ العامةِ.

وتابعت: ما زالت ثورة يوليو تشكل علامة بارزة في تاريخ الوطن، ونقطة تحول أساسية في مساره الوطني، بما قدمته من إنجازات مهمة، وما أحدثته من تحولات جذرية في جميع جوانب الحياة. مثلّت الثورة تحولًا اجتماعيًا مهمًا لصالح قطاعات واسعة من العمال والفلاحين، فقضت على الإقطاع، واتخذت مجموعة من السياسات الاقتصادية، من بينها التأميم، وإعادة تنظيم ملكية بعض القطاعات الاقتصادية، بهدف تحقيق أهدافها وبناء قاعدة صناعية وطنية.

وساعدت في إلغاء الفوارق الطبقية بين أبناء الشعب المصري، وأصبح الفقراء قضاة، وأساتذة جامعات، وسفراء، ووزراء، كما حررت الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وما زالت هذه الفترة الأساسية من تاريخ مصر الحديث مادةً أساسيةً في التاريخ العربي، ومرجعًا ثابتًا للحديث عن الدور الرائد للشعب المصري على مر العصور.

الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية

وأوضحت أن الاقتصاد المصري استطاع إتمام بناء السد العالي وتحقيق نهضة تنموية وصناعية شاملة تمثلت في بناء مجمع ألومنيوم نجع حمادي، والحفاظ على نمو اقتصادي، وتحقيق فائض في الميزان التجاري عام ١٩٦٩م، وتوفير منتجات محلية بالأسواق، إلى جانب زيادة الرقعة الزراعية وتوسيع ملكية صغار الفلاحين للأراضي، وتأسيس قاعدة صناعية كبيرة، فانعكست النهضة الاقتصادية في عهد الثورة على مستوى التعليم، بفضل مجانية التعليم في كل مراحل الدراسة.

ويمثل مسار الدولة المصرية الحديثة امتدادًا لفكرة بناء الدولة القادرة التي كانت أحد أهم أهداف ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م، حيث تواصل مصر اليوم جهودها في تعزيز مقومات الدولة الوطنية من خلال رؤية شاملة للتنمية ترتكز على بناء الإنسان المصري، وتطوير المؤسسات، وتحقيق التنمية المستدامة، ودعم الاقتصاد الوطني القائم على المعرفة والصناعة والتكنولوجيا.

فكما سعت الثورة إلى بناء قاعدة صناعية وتعليمية وتعزيز قدرات الدولة، تستكمل الدولة المصرية في الجمهورية الجديدة مسيرة التطوير عبر المشروعات القومية الكبرى، والتحول الصناعي، وتوسيع فرص الاستثمار، ورفع كفاءة البنية الأساسية، بما يحقق أهداف رؤية مصر ٢٠٣٠ في بناء دولة حديثة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيز مكانة مصر ودورها الحضاري.

تعزيز مكانة مصر الإقليمية والدولية

ومثلما كان لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م سياستها الداخلية، التي انعكست فيما قامت به من إجراءات وخطوات لتوطيد وبناء أركان الدولة المصرية الحديثة سياسيًا، واقتصاديًا، واجتماعيًا، وثقافيًا، وأمنيًا... إلخ، فقد كان لها أيضًا سياستها الخارجية الطموحة، التي ارتكزت على ما تمتلكه مصر من تاريخ حضاري، وموقع جغرافي متميز، جعلها دولة رائدة في محيطها العربي، والإقليمي، والدولي.

وهو ما أكد عليه الرئيس جمال عبد الناصر في كتابه (فلسفة الثورة) عام ١٩٥٤م، بإشارته إلى حتمية ومسئولية مصر كفاعل جوهري في نطاق ثلاث دوائر، وهي: الدائرة العربية، والإفريقية، والإسلامية.

وقد ارتبطت الثورة في الأذهان بصورة الرئيس جمال عبد الناصر، الذي بات رمزًا لدعم حركات التحرر في مواجهة الاحتلال، واستمرت هذه الصورة حتى يومنا هذا، بعد مرور ما يقرب من سبعة عقود على قيام الثورة، وكانت الثورة بمثابة الركيزة الأساسية للدور الإقليمي الرائد لمصر على المستويين العربي والإفريقي، وهو الدور الذي استمرت آثاره الإيجابية حتى اليوم.

وبعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢م، عززت الثورة مفهوم السيادة الوطنية، والاستقلال في القرار المصري، بل صارت مصر صاحبة سيادة كاملة، وصاحبة مواقف مؤثرة في السياسة الدولية، حيث لعبت قيادة الثورة دورًا رائدًا مع يوغوسلافيا بقيادة الزعيم تيتو، ومع الهند بقيادة نهرو، في تأسيس حركة عدم الانحياز، مما جعل لها وزنًا ودورًا ملموسًا ومؤثرًا على المستوى العالمي.

فمنذ ثورة يوليو ١٩٥٢م، وطوال فترة حكمه، وضع الرئيس جمال عبد الناصر، لأول مرة، معالم واضحة للسياسة الخارجية لمصر، وبعد الثورة بدأت السياسة الخارجية المصرية تتجه نحو القومية العربية، ونحو إفريقيا، وساهمت في تأسيس حركة عدم الانحياز لدعم علاقات مصر الخارجية، وتبلورت دوائر اهتمام السياسة الخارجية المصرية في الدوائر العربية، والإفريقية، والإسلامية، علاوة على دائرة عدم الانحياز، بجانب إقامة علاقات متوازنة مع كافة دول العالم.

لم تكن ثورة يوليو مجرد حدث تاريخي، بل مثّلت لحظة وعيٍ شعبي وإرادة سياسية هدفت إلى تحقيق تحولات اجتماعية واقتصادية واسعة، وترسيخ مفهوم الدولة القوية، وهي المبادئ التي تستكملها مصر اليوم، بقيادة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، من خلال مشروعات قومية كبرى، وإصلاحات استراتيجية، تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.

ستظل ثورة يوليو مصدر إلهام للمصريين، ودليلًا على أن الشعوب التي تحافظ على ذاكرتها الوطنية، وتؤمن بها، قادرة على مواصلة البناء، وتحقيق الانتصار، مهما كانت التحديات.

واختتمت البيان، بأن ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م تظل محطةً بارزةً في تاريخ مصر الحديث، بما أحدثته من تحولات أسهمت في بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز دورها الوطني والإقليمي، وتواصل مصر اليوم مسيرة البناء والتنمية في إطار رؤية مصر ٢٠٣٠، من خلال دولة حديثة ترتكز على قوة المؤسسات، وبناء الإنسان، وتحقيق التنمية المستدامة، وتؤكد هذه المسيرة أن حب الأوطان، وحمايتها، وبناء مؤسساتها، ليس مجرد واجب سياسي وتنموي، بل هو دينٌ يدين به الفرد لرب العالمين، تترجمه الجمهورية الجديدة اليوم في أبهى صور فقه بناء الدول، وتحقيق مقاصد الشريعة.

طباعة شارك وزارة الأوقاف ذكرى ثورة 23 يوليو رؤية مصر 2030 بناء الجيش الجيش المصري الشعب المصري

مقالات مشابهة

  • توجيه وزاري مفاجئ بشأن خطبة الجمعة في السودان
  • ثروت : أنا ضد التنمر بكل أنواعه ولكن فيه اللي لازم نتنمر عليه
  • تعرف على موضوع خطبة الجمعة غدا بمساجد الأوقاف
  • الضرائب تحدد شروط استفادة صناع المحتوى و مزاولي التجارة الإلكترونية لحزمة التسهيلات الجديدة...تفاصيل
  • الأوقاف تحتفي بذكرى تسجيل أول أسطوانات للمصحف المرتل في التاريخ
  • الجيش الأوكراني يحصل على قائد جديد.. من هو الجنرال الذي يراهن عليه زيلينسكي؟
  • الأوقاف : ثورة يوليو لم تكن حدثًا عابرًا .. بل نقطة انطلاق لبناء الدولة المصرية الحديثة
  • ثراء جبيل : ابتعدت عن رمضان بسبب الأمومة و ضغوط استعادة الوزن بعد الولادة قاسية على النساء
  • محافظة القدس تحذر من أخطر اقتحام للأقصى لتكريس سيادة الاحتلال عليه
  • محكمة أمريكية تحدد موعد محاكمة «مادورو» وزوجته