اختيار الوزراء وتعميق اللاجدوى
تاريخ النشر: 18th, February 2026 GMT
فى كل مرة يخرج فيها تشكيل حكومى جديد إلى النور، يعود السؤال القديم ليتردد من جديد فى بيوت المصريين، وعلى المصاطب، وفى المقاهى، وفى ردهات المصالح الحكومية: من يختار الوزراء فى مصر؟ وكيف يتم الاختيار؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل فى طياته قدرًا هائلًا من القلق والدهشة والمرارة، خاصة حين تتكرر الوقائع التى تهز ثقة الشارع فى آلية الاختيار، وتضع علامات استفهام كبرى حول معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة.
آخر هذه الوقائع وأكثرها إثارة للجدل، ما أثير حول تعيين وزيرة للثقافة متهمة بسرقة كتاب، وصدر ضدها حكم فى القضية، بينما لا تزال فصول النزاع القضائى مفتوحة.
والمفارقة الصادمة أن تتولى وزارة الثقافة -وهى الحارس الطبيعى لحقوق المبدعين، والمدافع الأول عن الملكية الفكرية- شخصية تحوم حولها شبهات التعدى على هذه الحقوق نفسها.
الأكثر إثارة أن تتردد روايات من مصادر موثوق بها تشير إلى أن كاتب ظل هو من كتب العمل محل النزاع، وأن أجزاء كبيرة منه منقولة أو مسروقة، بما يعنى أننا أمام مشهد بالغ العبثية: وزيرة متهمة بالسرقة، ومنافسة تدعى الملكية، وكاتب ظل يقال إنه لص بدوره، فى معركة عجيبة على كتاب مشكوك فى أصله، ليكتمل مشهد المهزلة الثقافية التى تلقى بظلالها الثقيلة على صورة الحكومة برمتها.
هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تأتى فى سياق سلسلة من الاختيارات المثيرة للجدل. ففى حكومة سابقة، تم اختيار وزير للتعليم دار حول مؤهله الدراسى جدل واسع لسنوات فى مشهد يجسد العبثية والعشوائية فى أبهى صورهما، ورغم ذلك استمر فى موقعه، بل وجُدِّدت الثقة به فى الحكومة التالية، فى تجاهل واضح لكل ما أُثير من تساؤلات مشروعة.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية:
هل أصبحت الشبهات أمرًا عاديًا فى معايير الاختيار؟
وهل تحوّل الجدل العام إلى ضجيج لا يُسمع، أو إلى رأى لا وزن له فى ميزان القرار؟
بحسب الدستور، يختار رئيس الوزراء أعضاء حكومته بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وفق اعتبارات الكفاءة والخبرة والنزاهة. لكن الواقع كثيرًا ما يوحى بأن معايير أخرى غير معلنة تتدخل فى عملية الاختيار منها علاقات، مصالح، توازنات، حسابات سياسية، وربما اعتبارات بعيدة تمامًا عن الكفاءة المهنية والسيرة الشخصية النزيهة.
وبالطبع لا ينتج إلا حكومة تضم وزراء يطاردهم الجدل منذ اليوم الأول، ويقضون معظم وقتهم فى الدفاع عن أنفسهم بدلًا من الانشغال بملفات وزاراتهم، فتضيع الطاقة والوقت، وتُهدر فرص الإصلاح الحقيقى.
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى واقعة بعينها، بل فى تآكل الثقة العامة.
حين يرى المواطن وزيرًا تحوم حوله شبهات علمية أو أخلاقية أو قانونية، فإن ذلك ينعكس فورًا على نظرته للدولة ومؤسساتها، ويعزز شعور الإحباط واللاجدوى، ويعمّق الفجوة بين الناس وصانع القرار.
الثقافة تحديدًا ليست وزارة خدمات عادية، بل هى عقل الأمة وضميرها ومرآتها الحضارية. وأى خلل فى قمتها يبعث برسالة سلبية مفادها أن القيم نفسها باتت محل مساومة.
لا بد من إعادة نظر جذرية فى آلية اختيار الوزراء، تقوم على الفحص الدقيق للسيرة الذاتية، والتدقيق العلمى والقانونى الشامل، ومراجعة علنية للتاريخ المهنى.
فالمنصب العام ليس تشريفًا، بل تكليف ومسؤولية، ومن يتصدر المشهد يجب أن يكون قدوة لا عبئًا.
إن واقعة تعيين وزيرة ثقافة متهمة بسرقة كتاب ليست مجرد زلة عابرة، بل جرس إنذار قوى يدق فى وجه منظومة الاختيار بأكملها، فإما أن نعيد الاعتبار لمعايير النزاهة والكفاءة، وإما أن نستسلم لمسلسل الفضائح المتكررة، وما يحمله من آثار مدمرة على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها وثقة مواطنيها.
هوامش
اختيار الوزراء وتعميق اللاجدوى
بقلم: خالد إدريس
فى كل مرة يخرج فيها تشكيل حكومى جديد إلى النور، يعود السؤال القديم ليتردد من جديد فى بيوت المصريين، وعلى المصاطب، وفى المقاهى، وفى ردهات المصالح الحكومية: من يختار الوزراء فى مصر؟ وكيف يتم الاختيار؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل فى طياته قدرًا هائلًا من القلق والدهشة والمرارة، خاصة حين تتكرر الوقائع التى تهز ثقة الشارع فى آلية الاختيار، وتضع علامات استفهام كبرى حول معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة.
آخر هذه الوقائع وأكثرها إثارة للجدل، ما أثير حول تعيين وزيرة للثقافة متهمة بسرقة كتاب، وصدر ضدها حكم فى القضية، بينما لا تزال فصول النزاع القضائى مفتوحة.
والمفارقة الصادمة أن تتولى وزارة الثقافة -وهى الحارس الطبيعى لحقوق المبدعين، والمدافع الأول عن الملكية الفكرية- شخصية تحوم حولها شبهات التعدى على هذه الحقوق نفسها.
الأكثر إثارة أن تتردد روايات من مصادر موثوق بها تشير إلى أن كاتب ظل هو من كتب العمل محل النزاع، وأن أجزاء كبيرة منه منقولة أو مسروقة، بما يعنى أننا أمام مشهد بالغ العبثية: وزيرة متهمة بالسرقة، ومنافسة تدعى الملكية، وكاتب ظل يقال إنه لص بدوره، فى معركة عجيبة على كتاب مشكوك فى أصله، ليكتمل مشهد المهزلة الثقافية التى تلقى بظلالها الثقيلة على صورة الحكومة برمتها.
هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تأتى فى سياق سلسلة من الاختيارات المثيرة للجدل. ففى حكومة سابقة، تم اختيار وزير للتعليم دار حول مؤهله الدراسى جدل واسع لسنوات فى مشهد يجسد العبثية والعشوائية فى أبهى صورهما، ورغم ذلك استمر فى موقعه، بل وجُدِّدت الثقة به فى الحكومة التالية، فى تجاهل واضح لكل ما أُثير من تساؤلات مشروعة.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية:
هل أصبحت الشبهات أمرًا عاديًا فى معايير الاختيار؟
وهل تحوّل الجدل العام إلى ضجيج لا يُسمع، أو إلى رأى لا وزن له فى ميزان القرار؟
بحسب الدستور، يختار رئيس الوزراء أعضاء حكومته بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وفق اعتبارات الكفاءة والخبرة والنزاهة. لكن الواقع كثيرًا ما يوحى بأن معايير أخرى غير معلنة تتدخل فى عملية الاختيار منها علاقات، مصالح، توازنات، حسابات سياسية، وربما اعتبارات بعيدة تمامًا عن الكفاءة المهنية والسيرة الشخصية النزيهة.
وبالطبع لا ينتج إلا حكومة تضم وزراء يطاردهم الجدل منذ اليوم الأول، ويقضون معظم وقتهم فى الدفاع عن أنفسهم بدلًا من الانشغال بملفات وزاراتهم، فتضيع الطاقة والوقت، وتُهدر فرص الإصلاح الحقيقى.
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى واقعة بعينها، بل فى تآكل الثقة العامة.
حين يرى المواطن وزيرًا تحوم حوله شبهات علمية أو أخلاقية أو قانونية، فإن ذلك ينعكس فورًا على نظرته للدولة ومؤسساتها، ويعزز شعور الإحباط واللاجدوى، ويعمّق الفجوة بين الناس وصانع القرار.
الثقافة تحديدًا ليست وزارة خدمات عادية، بل هى عقل الأمة وضميرها ومرآتها الحضارية. وأى خلل فى قمتها يبعث برسالة سلبية مفادها أن القيم نفسها باتت محل مساومة.
لا بد من إعادة نظر جذرية فى آلية اختيار الوزراء، تقوم على الفحص الدقيق للسيرة الذاتية، والتدقيق العلمى والقانونى الشامل، ومراجعة علنية للتاريخ المهنى.
فالمنصب العام ليس تشريفًا، بل تكليف ومسؤولية، ومن يتصدر المشهد يجب أن يكون قدوة لا عبئًا.
إن واقعة تعيين وزيرة ثقافة متهمة بسرقة كتاب ليست مجرد زلة عابرة، بل جرس إنذار قوى يدق فى وجه منظومة الاختيار بأكملها، فإما أن نعيد الاعتبار لمعايير النزاهة والكفاءة، وإما أن نستسلم لمسلسل الفضائح المتكررة، وما يحمله من آثار مدمرة على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها وثقة مواطنيها.
هوامش
اختيار الوزراء وتعميق اللاجدوى
بقلم: خالد إدريس
فى كل مرة يخرج فيها تشكيل حكومى جديد إلى النور، يعود السؤال القديم ليتردد من جديد فى بيوت المصريين، وعلى المصاطب، وفى المقاهى، وفى ردهات المصالح الحكومية: من يختار الوزراء فى مصر؟ وكيف يتم الاختيار؟
سؤال يبدو بسيطًا، لكنه يحمل فى طياته قدرًا هائلًا من القلق والدهشة والمرارة، خاصة حين تتكرر الوقائع التى تهز ثقة الشارع فى آلية الاختيار، وتضع علامات استفهام كبرى حول معايير الكفاءة والنزاهة والاستقامة.
آخر هذه الوقائع وأكثرها إثارة للجدل، ما أثير حول تعيين وزيرة للثقافة متهمة بسرقة كتاب، وصدر ضدها حكم فى القضية، بينما لا تزال فصول النزاع القضائى مفتوحة.
والمفارقة الصادمة أن تتولى وزارة الثقافة -وهى الحارس الطبيعى لحقوق المبدعين، والمدافع الأول عن الملكية الفكرية- شخصية تحوم حولها شبهات التعدى على هذه الحقوق نفسها.
الأكثر إثارة أن تتردد روايات من مصادر موثوق بها تشير إلى أن كاتب ظل هو من كتب العمل محل النزاع، وأن أجزاء كبيرة منه منقولة أو مسروقة، بما يعنى أننا أمام مشهد بالغ العبثية: وزيرة متهمة بالسرقة، ومنافسة تدعى الملكية، وكاتب ظل يقال إنه لص بدوره، فى معركة عجيبة على كتاب مشكوك فى أصله، ليكتمل مشهد المهزلة الثقافية التى تلقى بظلالها الثقيلة على صورة الحكومة برمتها.
هذه الواقعة ليست استثناءً، بل تأتى فى سياق سلسلة من الاختيارات المثيرة للجدل. ففى حكومة سابقة، تم اختيار وزير للتعليم دار حول مؤهله الدراسى جدل واسع لسنوات فى مشهد يجسد العبثية والعشوائية فى أبهى صورهما، ورغم ذلك استمر فى موقعه، بل وجُدِّدت الثقة به فى الحكومة التالية، فى تجاهل واضح لكل ما أُثير من تساؤلات مشروعة.
وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية:
هل أصبحت الشبهات أمرًا عاديًا فى معايير الاختيار؟
وهل تحوّل الجدل العام إلى ضجيج لا يُسمع، أو إلى رأى لا وزن له فى ميزان القرار؟
بحسب الدستور، يختار رئيس الوزراء أعضاء حكومته بالتشاور مع رئيس الجمهورية، وفق اعتبارات الكفاءة والخبرة والنزاهة. لكن الواقع كثيرًا ما يوحى بأن معايير أخرى غير معلنة تتدخل فى عملية الاختيار منها علاقات، مصالح، توازنات، حسابات سياسية، وربما اعتبارات بعيدة تمامًا عن الكفاءة المهنية والسيرة الشخصية النزيهة.
وبالطبع لا ينتج إلا حكومة تضم وزراء يطاردهم الجدل منذ اليوم الأول، ويقضون معظم وقتهم فى الدفاع عن أنفسهم بدلًا من الانشغال بملفات وزاراتهم، فتضيع الطاقة والوقت، وتُهدر فرص الإصلاح الحقيقى.
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى واقعة بعينها، بل فى تآكل الثقة العامة.
حين يرى المواطن وزيرًا تحوم حوله شبهات علمية أو أخلاقية أو قانونية، فإن ذلك ينعكس فورًا على نظرته للدولة ومؤسساتها، ويعزز شعور الإحباط واللاجدوى، ويعمّق الفجوة بين الناس وصانع القرار.
الثقافة تحديدًا ليست وزارة خدمات عادية، بل هى عقل الأمة وضميرها ومرآتها الحضارية. وأى خلل فى قمتها يبعث برسالة سلبية مفادها أن القيم نفسها باتت محل مساومة.
لا بد من إعادة نظر جذرية فى آلية اختيار الوزراء، تقوم على الفحص الدقيق للسيرة الذاتية، والتدقيق العلمى والقانونى الشامل، ومراجعة علنية للتاريخ المهنى.
فالمنصب العام ليس تشريفًا، بل تكليف ومسؤولية، ومن يتصدر المشهد يجب أن يكون قدوة لا عبئًا.
إن واقعة تعيين وزيرة ثقافة متهمة بسرقة كتاب ليست مجرد زلة عابرة، بل جرس إنذار قوى يدق فى وجه منظومة الاختيار بأكملها، فإما أن نعيد الاعتبار لمعايير النزاهة والكفاءة، وإما أن نستسلم لمسلسل الفضائح المتكررة، وما يحمله من آثار مدمرة على صورة الدولة وهيبة مؤسساتها وثقة مواطنيها.
[email protected]
المصدر
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: هوامش خالد إدريس اختیار الوزراء تعیین وزیرة على صورة فى آلیة
إقرأ أيضاً:
المستنسخات الأثرية في المملكة تستحضر عمق التاريخ في “كتاب كوالالمبور 2026”
عرضت هيئة التراث ضمن جناح المملكة بمعرض كوالالمبور الدولي للكتاب 2026 مجموعة من المستنسخات الأثرية النادرة، لتُقدّم للزوار تجربة معرفية تستحضر عمق التاريخ السعودي وتنوّع الحضارات التي ازدهرت على أرض الجزيرة العربية عبر آلاف السنين.
وتمثل المستنسخات نماذج مختارة من القطع التاريخية المكتشفة في عدد من مناطق المملكة، من بينها نقوش وكتابات حجرية وقطع منحوتة تعود إلى فترات زمنية مختلفة قبل الميلاد، تُجسد ما شهدته شبه الجزيرة العربية من حراك حضاري وثقافي وتجاري تاريخي.
وتأخذ المستنسخات الزوار في رحلة عبر محطات تاريخية متعددة، تشمل نماذج لكتابات ونقوش أثرية من مناطق المدينة المنورة وتبوك والحدود الشمالية، إلى جانب قطع حجرية مزخرفة تجسد الفنون والنقوش القديمة التي عُرفت بها الحضارات العربية المبكرة، مما يُبرز مكانة المملكة بوصفها ملتقىً للحضارات ومركزًا للطرق التجارية القديمة.
ويشمل الركن عرض فيلم وثائقي عن مدينة الفاو الأثرية يسلط الضوء على تاريخها ومكانتها الحضارية، إلى جانب شاشة رقمية تفاعلية تستعرض مواقع أثرية من مختلف مناطق المملكة.
ويحظى العرض بإقبال واسع من المهتمين بالتاريخ والتراث، في إطار الحضور السعودي الثقافي المكثف الذي تقوده هيئة الأدب والنشر والترجمة خلال أيام المعرض المتواصلة حتى السابع من يونيو الجاري.