في الأيام الماضية، انتشرت على منصات التواصل صور لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يقف على متن بارجة حربية إيرانية، مرفقة بادعاء يقول إن الزيارة تأتي في تقليد مباشر لظهور المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن، وإن المشهد يعكس ما وُصف بأنه "عقيدة إيرانية لمحاكاة التحركات الأميركية".

حصدت الصور تفاعلا واسعا، وتحولت إلى مادة للتأويل السياسي والمقارنات العسكرية، قبل أن يُطرح السؤال المهني: هل المشهد حديث فعلا؟ وهل يرتبط زمنيا بالزيارة الأميركية كما يُروّج أم أن الصورة أُعيد تأطيرها ضمن سردية سياسية جديدة؟

هنا تبرز أهمية البحث العكسي بوصفه أداة لتفكيك الروايات البصرية السريعة الانتشار. فبدلا من الاكتفاء بالانطباع الذي تتركه المقارنة بين الصورتين، يتيح البحث العكسي تتبع تاريخ نشر الصور، وتحديد أول ظهور لها، ومقارنة سياقها الزمني بالمشهد الأميركي الذي قيل إنها تحاكيه. بهذه الخطوة، ينتقل التحقق من مستوى التأويل السياسي إلى مستوى الفحص التقني، حيث تُختبر الادعاءات بالبيانات لا بالانطباعات.

ما هو البحث العكسي؟

البحث العكسي تقنية رقمية تتيح تتبع أصل الصور أو مقاطع الفيديو المتداولة عبر الإنترنت، من خلال مقارنتها بمحتوى سابق مؤرشف في محركات البحث وقواعد البيانات المفتوحة.

تعتمد هذه التقنية على تحليل الخصائص البصرية للصورة، مثل الأنماط اللونية والتفاصيل الهندسية والعناصر المميزة، لإنشاء ما يشبه بصمة رقمية تُقارن بملايين الصور المخزنة. وغالبا ما تكشف النتائج النسخ الأقدم أو المشابهة، مع تحديد تواريخ النشر الأولى والمواقع التي ظهرت فيها الصورة.

تقنية البحث العكسي تفيد في الوصول إلى نسخ قديمة من الوسائط المنشورة (يانديكس)

ولا يقتصر الأمر على معرفة ما إذا كانت الصورة قديمة، بل يمتد إلى إعادة بناء سياقها الزمني والمكاني، والتحقق مما إذا كانت قد عُدلت أو استُخدمت خارج سياقها الأصلي.

إعلان لماذا يُعد البحث العكسي أداة محورية في التحقق؟

غالبا لا تُفبرك المواد البصرية المضللة كليا، بل يُعاد تدويرها. تُستحضر صور من حروب سابقة أو كوارث طبيعية قديمة، وتُربط بأحداث جديدة لإثارة التعاطف أو الغضب أو دعم سردية معينة.

تتجلى أهمية البحث العكسي في عدة جوانب:

كشف إعادة استخدام صور قديمة وتقديمها بوصفها حديثة العثور على النسخة الأصلية قبل التعديل الرقمي رصد التلاعب الجزئي، مثل حذف شعارات أو أعلام أو لافتات حماية غرف الأخبار من الوقوع في فخ النشر المتسرع

في بيئة إعلامية تكافئ السرعة، يمنح البحث العكسي الصحفي أداة للتريث، ويعيد الاعتبار لقاعدة أساسية: لا تثق بالصورة قبل فحصها.

أداة إنفيد تفيد في البحث العكسي وتوفر وقت وجهد الصحفيين (إنفيد)أبرز أدوات البحث العكسي

تتنوع الأدوات المتاحة، ولكل منها خوارزمية فهرسة مختلفة، مما يعني أن النتائج قد تختلف من أداة إلى أخرى. لذلك يُنصح باستخدام أكثر من محرك بحث خلال عملية التحقق، ومن أبرز أدوات البحث في الصور:

Google Reverse Image Search Yandex Images TinEye Bing Visual Search Google Lens

أما فيما يتعلق بالفيديوهات، فيُستخدم امتداد "InVID-WeVerify"، الذي يتيح تقسيم الفيديو إلى إطارات ثابتة يمكن البحث عنها عكسيا، مما يساعد في تحديد تاريخ نشر المقطع الأصلي أو مصدره الأول.

المنهجية المهنية في استخدام البحث العكسي

لا يقتصر البحث العكسي على رفع صورة وانتظار النتائج، بل يبدأ بتحليل بصري أولي.

يفحص الصحفي التفاصيل الدقيقة، اللافتات، اللغة المستخدمة، طبيعة المباني، شكل الطرق، الطقس، الظلال، الملابس، وحتى التضاريس الظاهرة في الخلفية. وقد توفر هذه العناصر مؤشرات أولية عن المكان أو الفترة الزمنية.

بعد ذلك، تُستخدم عدة أدوات للبحث، وتُرتب النتائج زمنيا للعثور على أقدم نسخة منشورة. ثم تُقارن النسخ المختلفة بدقة لرصد أي حذف أو إضافة أو تعديل. وفي كثير من الحالات، يُستكمل ذلك ببحث نصي باستخدام كلمات مفتاحية مرتبطة بالحدث أو بالموقع المحتمل.

تقدم غوغل خدمة البحث العكسي عبر محركها الشهيركيف يكشف البحث العكسي الروايات المضللة؟ تتكرر أنماط معينة في التضليل البصري صورة من فيضانات أو زلزال قبل سنوات تُعاد نسبتها إلى كارثة جديدة مشهد احتجاج محدود يُقدم بوصفه انتفاضة واسعة صورة معدلة حُذف منها علم أو شعار لتغيير دلالتها السياسية

في كل هذه الحالات، يُمكّن البحث العكسي من تتبع السياق الأصلي، وكشف الفجوة بين الصورة والادعاء المرافق لها.

ومع ذلك، فإن العثور على نسخة أقدم لا يعني بالضرورة أن الصورة مزيفة، فقد تكون صحيحة لكنها استُخدمت خارج سياقها. وهنا يظهر الفرق بين التزييف وإعادة التأطير، وهما شكلان مختلفان من أشكال التضليل.

تحديات متزايدة

رغم فعاليته، يواجه البحث العكسي تحديات متصاعدة، أبرزها تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي، التي أصبحت تنتج صورا وفيديوهات عالية الواقعية لا أصل رقميا سابقا لها، مما يجعل العثور على نسخة أقدم أمرا غير ممكن.

كما يشكل انتشار المحتوى داخل منصات مغلقة أو مجموعات خاصة عائقا أمام أرشفة الصور وفهرستها. ويضاف إلى ذلك لجوء بعض الجهات إلى ضغط الصور أو اقتصاص أجزاء منها لتقليل فرص المطابقة.

إعلان

كل ذلك يعني أن البحث العكسي أصبح خطوة أولى في عملية التحقق، لا خطوة أخيرة.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات البحث العکسی

إقرأ أيضاً:

أكثر من 400 براءة اختراع تعزز مكانة جامعة الإمارات على الساحة البحثية العالمية

 

 

 

تواصل جامعة الإمارات العربية المتحدة، الجامعة الوطنية الأم، ترسيخ مكانتها بين الجامعات البحثية الرائدة عالميًا، حيث تجاوز نتاجها البحثي 400 براءة اختراع ممنوحة على مستوى العالم، في إنجاز تاريخي يعكس نضج منظومة الابتكار والبحث العلمي بالجامعة، ويتزامن مع احتفالها بمرور خمسين عامًا على تأسيسها، في محطة تؤكد نجاحها في تحويل المعرفة العلمية إلى ابتكارات وتقنيات ذات أثر اقتصادي ومجتمعي مستدام.

ويجسد هذا الإنجاز حصيلة خمسة عقود من الاستثمار في البحث العلمي والابتكار، استطاعت خلالها الجامعة بناء منظومة متكاملة تجمع بين التميز الأكاديمي والبحث التطبيقي ونقل التكنولوجيا، بما ساهم في إنتاج حلول علمية مبتكرة تخدم المجتمع، وتعزز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسخ مكانة دولة الإمارات على خارطة الابتكار العالمية.

وشهد نتاج الجامعة من براءات الاختراع نموًا متسارعًا منذ حصولها على أول براءة اختراع عام 2011، حيث تجاوز عدد البراءات 100 براءة في عام 2019، ثم 200 في عام 2021، و300 في عام 2025، وصولًا إلى أكثر من 400 براءة اختراع ممنوحة عالميًا خلال عام 2026.

ويعكس هذا النمو المتواصل التزام الجامعة بتعزيز منظومة البحث العلمي التطبيقي، وتحويل المخرجات البحثية إلى منتجات وتقنيات قابلة للتطبيق والتسويق، تسهم في مواجهة التحديات العالمية، وتدعم التنمية المستدامة، وتواكب متطلبات اقتصاد المستقبل القائم على المعرفة والابتكار.

و تؤكد شهادات براءات الاختراع المكانة العالمية التي وصلت إليها جامعة الإمارات في مجال البحث العلمي، إذ مُنحت الغالبية العظمى منها من مكتب الولايات المتحدة الأمريكية لبراءات الاختراع والعلامات التجارية (USPTO)، بما يعكس المستوى الرفيع لأبحاثها وقدرتها على المنافسة في أكثر أنظمة الملكية الفكرية تقدمًا في العالم.

وتوزعت البراءات الممنوحة بواقع 304 براءات اختراع في الولايات المتحدة الأمريكية، و18 في دولة الإمارات العربية المتحدة، و17 في اليابان، و15 من المكتب الأوروبي لبراءات الاختراع، و8 في أستراليا، إضافة إلى براءات أخرى في عدد من الدول والأسواق العالمية.

وتشمل براءات اختراع الجامعة مجالات علمية وتقنية ذات أولوية عالمية، من أبرزها الطاقة المتجددة، والاستدامة، والطب والعلوم الصحية، والهندسة الطبية الحيوية، والمواد المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، وتقنيات المياه، والحلول البيئية، إلى جانب مجموعة من التقنيات الناشئة التي تسهم في معالجة التحديات العالمية ودعم أهداف التنمية المستدامة.

وتصدرت كلية الهندسة، كليات الجامعة من حيث عدد براءات الاختراع، بما يعكس ريادتها في البحث العلمي التطبيقي والابتكار الهندسي، فيما يواصل الباحثون في مختلف الكليات العمل ضمن فرق بحثية متعددة التخصصات لتطوير حلول مبتكرة ذات قيمة علمية واقتصادية وفرص واعدة للتسويق التجاري.

وقال الدكتور رامي بيرم، النائب المشارك لشؤون البحث العلمي في الجامعة ، إن وصول جامعة الإمارات العربية المتحدة إلى أكثر من 400 براءة اختراع ممنوحة عالميًا يمثل إنجازًا بارزًا في مسيرتها البحثية والابتكارية، ويعكس التطور المستمر لمنظومة البحث العلمي والابتكار التي واصلت الجامعة تنميتها وتعزيزها على مدى خمسة عقود، إلى جانب نجاحها في تحويل المعرفة العلمية إلى حلول وتقنيات مبتكرة ذات أثر ملموس تسهم في دعم التنمية المستدامة والاقتصاد القائم على المعرفة.

وأكد أن هذا الإنجاز هو ثمرة الجهود المتواصلة والتفاني والإبداع الذي يقدمه أعضاء الهيئة التدريسية والباحثون والطلبة وفرق الابتكار في جامعة الإمارات، حيث تمثل كل براءة اختراع قصة نجاح تبدأ بفكرة علمية وتتطور إلى تقنية أو حل عملي يسهم في تحسين جودة الحياة، وتعزيز تنافسية القطاعات الحيوية، ودعم الاقتصاد المعرفي.

وأضاف أنه مع احتفال الجامعة بيوبيلها الذهبي، فإن الوصول إلى أكثر من 400 براءة اختراع يعكس التزام الجامعة المستمر بمواصلة الاستثمار في البحث العلمي، وتنمية بيئة الابتكار، وتسريع تحويل الاكتشافات العلمية إلى تطبيقات وتقنيات ذات أثر مستدام تخدم المجتمع وتعزز مكانة دولة الإمارات في منظومة الابتكار العالمية.

ويأتي هذا الإنجاز انسجامًا مع رؤية دولة الإمارات الرامية إلى بناء اقتصاد عالمي قائم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا المتقدمة، حيث تواصل جامعة الإمارات، من خلال تنمية محفظتها المتنامية من الملكية الفكرية، الإسهام في تحقيق مستهدفات رؤية “نحن الإمارات 2031″، والإستراتيجية الوطنية للابتكار المتقدم، ودعم أولويات الدولة في مجالات التصنيع المتقدم، والاستدامة، والرعاية الصحية، والذكاء الاصطناعي، والتنويع الاقتصادي.

ومع احتفالها بخمسين عامًا من الريادة الأكاديمية، تواصل جامعة الإمارات رسم ملامح مرحلة جديدة من مسيرتها العلمية، مستندة إلى منظومة بحثية عالمية، وشراكات إستراتيجية، وبيئة محفزة للابتكار وريادة الأعمال، بما يعزز قدرتها على إنتاج المعرفة، وتسريع نقل التكنولوجيا، وتمكين المبتكرين، وتطوير حلول علمية تسهم في ازدهار دولة الإمارات وخدمة الإنسانية، وترسخ مكانتها بوصفها جامعة المستقبل وصانعةً للمعرفة والابتكار. وام


مقالات مشابهة

  • ملك أحمد زاهر عن صورة المستشفى: قديمة.. وأنا الحمد لله بخير| فيديو خاص
  • أكثر من 400 براءة اختراع تعزز مكانة جامعة الإمارات على الساحة البحثية العالمية
  • الان نتائج توجيهي 2026 غزة.. رابط فحص نتائج الثانوية العامة توجيهي فلسطين 2026
  • مؤمن العقيلي : الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة .. لكنه لا يغني عن التفكير والتحقق
  • أداة تكشف الفيديو المُولّدً بالذكاء الاصطناعي بسرعة فائقة
  • صدور العدد السادس من مجلة بحوث الشريعة
  • عمرو أديب: قمة التضليل والتغييب.. ويعلق على تصريحات منسوبة إليه
  • فلسطين: آلية الاستعلام عن نتائج الثانوية العامة "توجيهي" 2026
  • دراسة: الاحتلال دمّر البنية التحتية بغزة لإنتاج بيئة موت مستدامة
  • بسبب الحرائق.. غلق الطريق الرابط بين بلديتي سيدي بوبكر و اولاد خالد في سعيدة