يظل "الكسكسي" طبق الاحتفال الرئيسي، خاصة في منتصف رمضان وأيضا ليلة السابع والعشرين من الشهر الفضيل وهي المُصادفة لليلة القدر حسب المعتقد الشعبي في كثير من الدول الإسلامية. وفي هذه الليلة تحديدًا، يأخذ الطبق بُعدًا رمزيًا فيما يُعرف بـ"كسكسي الموتى"، حيث يُوزَّع كصدقة ترحّمًا على أرواح الراحلين.

إلى جانب كونه شعيرة دينية، يُعدّ شهر رمضان بامتياز "شهر اللِّمّة"، أي شهر الاجتماع حول مائدة واحدة، حيث تستحضر العائلات التونسية موروثًا ضاربًا في القدم، فتتحول الأزقة الهادئة في المدن العتيقة إلى فضاءات احتفالية تنبض بالحياة لا تعرف السكون.

اعلان اعلان

هذه العلاقة التي تربط التونسيين بشهر رمضان، سواء على الصعيد الروحي أو الغذائي، يختصرها الشاعر حسين الجزيري في القصيدة التي يقول فيها: "فَرِحَتُ بمقْدمه بطون الناس.. شهرٌ تحنّ لذكره أضراسي".

استعدادات تبدأ قبل رؤية الهلال

قبل أسابيع من ظهور هلال رمضان، تشهد الأسواق في تونس حركة نشطة، حيث تتسابق العائلات لاقتناء "عَوْلَة رمضان" (مونة رمضان) أو "القَضْيَة"، وهي مخزون من المواد الغذائية الأساسية والمستلزمات الخاصة بالشهر الكريم، يشمل التمر والزبيب والحبوب ومشتقات الحليب، إضافة إلى التوابل التي تمنح الأطباق نكهتها المميزة.

ويشير الباحث في التاريخ مهدي حسحوس، في حديثه مع يورونيوز إلى أن التحضيرات لا تقتصر على المواد الغذائية، بل تمتد إلى المطبخ ذاته، إذ يُعدّ تجديد مستلزمات المطبخ جزءًا من الطقوس الرمضانية، فتسعى ربات البيوت إلى اقتناء أوانٍ جديدة وأدوات تقديم أنيقة وأغطية موائد مزخرفة تضفي لمسة احتفالية على مائدتي الإفطار والسحور.

وبالنسبة إلى كثير من العائلات، يعكس هذا الاهتمام بالتفاصيل حرصًا على إضفاء طابع خاص على الشهر، يجمع بين البعد الديني ودفء الأجواء العائلية.

وحسب حسحوس، فإنه من بين المظاهر اللافتة أيضًا عادة "التقصدير" للأواني النحاسية. ففي زمن كان فيه الطبخ يعتمد على هذه الأواني، اعتاد الناس تغليفها بطبقة من القصدير لحمايتها ومنحها بريقًا متجددًا. وقد ارتبطت هذه الممارسة ارتباطًا وثيقًا برمضان، ولا تزال حاضرة لدى بعض كبار السن، خاصة في مدينة القيروان، حيث يتبدل إيقاع الحياة خلال الشهر الكريم، فتتناغم الأيام والليالي مع قدسيته وطقوسه اليومية.

ليلة "القرش": وداع الفطر بسحور دسم

يستقبل التونسيون شهر رمضان بما يُسمّى ليلة "القرش"، أي ليلة الشك وهي الليلة التي تسبق أول يوم في شهر الصوم. ويتسابق الناس لإعداد سحور دسم يمنحهم القوة لمواجهة نهار طويل، وتشمل الأطباق التقليدية "المدموجة" و"العصائد"، التي تختلف مكوناتها وطريقة تحضيرها حسب العادات الجهوية المتنوعة.

والمدموجة هي خليط غذائي يُحضَّر بدمج الحبوب المطحونة أو الفواكه الجافة والمكسّرات للحصول على مزيج مغذّ يُقدَّم كوجبة خفيفة أو مقوٍّ، ويختلف تركيبها بحسب المناطق والعادات. أما العصائد، فهي أطباق تُطهى من الدقيق أو السميد حتى تكتسب قوامًا كثيفًا، وتُزيَّن بالعسل أو المكسرات.

Related تونس الأولى عربياً في الاكتئاب.. حين يصبح احتفال رأس السنة رفاهية "لمن استطاع إليها سبيلاً"منظمات حقوقية للبرلمان الأوروبي: تونس ليست "بلداً آمناً" ويجب رفض إدراجها في قائمة هذه الدولالمركز الثقافي التونسي في غرونوبل.. حيث تكبر الهوية الوطنية في الاغتراب على إيقاع الأناشيد والذكرياتالعفو الدولية تدين إعادة سيف الدين مخلوف إلى تونس وتطالب الجزائر بتوضيح الأساس القانوني

وتمثل هذه الليلة لحظة اجتماعية وثقافية. فيتحوّل الليل إلى فضاء عام حيّ، ما بين خشوع المصلّين في التراويح، وضجيج المقاهي التي تعج بالزوّار.

ويضيف حسحوس أن هذا الزخم الليلي ليس حديث العهد، بل له جذور تاريخية عميقة، حيث كان الناس يقصدون "الكافيشانطا"، أي المقاهي الغنائية، للقاء الأصدقاء والاستماع للأناشيد والتمتع بالأنشطة الثقافية، ومن أشهرها مقهى باب سويقة في العاصمة تونس الذي كان مركزًا للحياة الاجتماعية والفنية.

ويؤكد استمرار هذه العادات حتى اليوم قدرة المجتمع التونسي على الحفاظ على التراث الرمضاني، مع التكيّف مع متغيرات العصر، لتظل ليلة "القرش" رمزًا للفرح والتجمع، قبل أن تبدأ أيام الصيام الروحية.

"وذنين القاضي" و"كسكسي الموتى"

تنفرد المائدة الرمضانية بأطباق لا تحضر إلى البيوت إلا في هذا الشهر، حاملة معها ذاكرة جماعية. ومن أبرز هذه الأطباق حلوى "وذنين القاضي" (أذنا القاضي)، التي تحظى بمكانة خاصة لما تُضفيه من لمسة احتفالية، إذ تُقدَّم خلال الإفطارات والتجمعات العائلية باعتبارها رمزًا من رموز الضيافة الرمضانية.

يظل "الكسكسي" طبق الاحتفال الرئيسي، خاصة في منتصف رمضان وأيضا ليلة السابع والعشرين من الشهر الفضيل وهي المُصادفة لليلة القدر حسب المعتقد الشعبي في كثير من الدول الإسلامية. وفي هذه الليلة تحديدًا، يأخذ الطبق بُعدًا رمزيًا فيما يُعرف بـ"كسكسي الموتى"، حيث يُوزَّع كصدقة ترحّمًا على أرواح الراحلين.

ويجد التونسيون متعة خاصة في تنويع وتصنيف أطباقهم خلال رمضان، فهناك ما يُعرف بالمقبّلات أو "المفتّحات" الرمضانية، وهي أطباق خفيفة تُقدَّم في بداية الإفطار لتهيئة المعدة بعد ساعات الصيام، من بينها شربة الشعير، وهي حساء دافئ غني بالحبوب والتوابل، والبريك الذي يجمع بين القرمشة والحشوة الغنية، إلى جانب "السلاطة المشوية" و"أمّك حورية"، وهي أطباق خضار مطهية متبّلة.

أما الأطباق الرئيسية، فهي تمثل قلب المائدة وتُحضَّر بكميات أكبر لتشاركها العائلة. يتصدر الكسكسي هذه القائمة، بينما تعكس المقرونة والأرز الجربي تأثيرات محلية ومتوسطية في آن واحد.

بروتوكول "ختم الحديث"

من تقاليد التونسيين خلال شهر رمضان الميل القوي إلى فعل الخير ومساعدة الآخرين، سواء عبر التبرّعات المالية من غذاء وملابس وأغطية، أو من خلال تنظيم موائد الإفطار الجماعية التي تجمع العائلات والمحتاجين.

بالإضافة إلى ذلك يشير الباحث حسحوس إلى أن رمضان في تونس ارتبط تاريخيًا بقواعد صارمة تنظم الحياة الاجتماعية والدينية.

ففي عهد "الباي" وهو حاكم تونس في العصر القديم، كان الحكام يأمرون بتزيين المآذن والزوايا ودور الأعيان والسرايات، مع إطلاق مدفع رمضان لتحديد موعد السحور والإفطار، وإحياء المواعظ الدينية في المساجد، في طقس روحاني يعكس أهمية الشهر في تنظيم الحياة اليومية.

ويضيف حسحوس أن من أبرز الطقوس الرسمية في ليلة السابع والعشرين، انتقالُ "الباي" من مقرّ إقامته في باردو بضاحية تونس إلى قلب العاصمة لمتابعة فعالية ختْم القرآن الكريم في جامع الزيتونة العريق.

وكان "الباي" يمرّ بين حشود المستقبلين، بينما يتسابق الأعيان لتقديم واجب الضيافة للحاكم. ويؤكد الباحث أن هذا التقليد لم يندثر مع التحوّل في النظام السياسي للدولة، بل استمر حتى في العهد الجمهوري، حيث حرص الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي على إحياء هذه الطقوس.

انتقل إلى اختصارات الوصول شارك محادثة

المصدر

المصدر: euronews

كلمات دلالية: إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل إيران غرينلاند رمضان صوم شهر رمضان ثقافة تونس إيران غرينلاند الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الحرب في أوكرانيا دونالد ترامب إسرائيل فرنسا إسبانيا الصحة حروب فلسطين علاج شهر رمضان خاصة فی

إقرأ أيضاً:

وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق يكشف كواليس ليلة اعتقاله لأحد وزراء مراكز القوى

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال اللواء فؤاد علام، الخبير الأمني، ووكيل جهاز أمن الدولة الأسبق، إن شخصيات مثل شمس بدران وزير الحربية في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كانت تحتاج إلى التعامل معها بصورة مختلفة.

ووصف اللواء فؤاد علام، خلال لقائه مع الإعلامي عمرو حافظ، ببرنامج "كل الكلام"، المذاع على قناة "الشمس"، شمس بدران بأنه رجل عسكري ويمتلك عقلية عسكرية، مشيرًا إلى أنه كان شخصًا عنيفًا جدًا، بحسب رؤيته.

وروى موقفًا من ذكرياته خلال تلك الفترة، قائلًا إنه كُلّف باعتقال أحد وزراء الشؤون القروية في بداية الثورة، موضحًا أنه تلقى تعليمات باعتقاله، ولذلك كان مضطرًا إلى تنفيذ الأمر واقتياده إلى المعتقل.

وأشار إلى أن الوزير كان من بين ما عُرف حينها بـ«مراكز القوى»، إلا أنه لم يتذكر بشكل قاطع أي شخصية كانت برفقته خلال الواقعة.

ولفت إلى أنه حاول التحدث مع الوزير أثناء اصطحابه من منزله إلى المعتقل، إلا أنه لم يحصل منه على أي حديث أو معلومات.

مقالات مشابهة

  • فرج عامر: بن رمضان ينتقل إلى الشمال القطري.. والأهلي لن يمانع بشرط
  • ‏الجيش الأميركي: بدأنا ليلة أخرى من الضربات ضد أهداف عسكرية إيرانية
  • وكيل جهاز أمن الدولة الأسبق يكشف كواليس ليلة اعتقاله لأحد وزراء مراكز القوى
  • مستشفى المحلة العام يستقبل عاملا عقب عقره من حمار
  • محافظ بورسعيد يستقبل 75 حالة إنسانية
  • ثراء جبيل : ابتعدت عن رمضان بسبب الأمومة و ضغوط استعادة الوزن بعد الولادة قاسية على النساء
  • رئيس الدولة يستقبل حاكم الفجيرة وولي عهده
  • ليلة جديدة من التصعيد.. ضربات أمريكية على إيران توقع قتيلين وتستهدف مواقع عدة
  • رئيس الدولة يستقبل حاكم الفجيرة ويبحثان شؤون الوطن والمواطنين
  • مصطفى كمال الدين: والدي وضع خطة تحرك المدفعية ليلة الثورة لتأمين مداخل السويس