لن يحبونا.. فليخشونا.. معادلة بينيت التي تستر تاريخا من التطرف والدم
تاريخ النشر: 19th, February 2026 GMT
لم تكن الكلمة التي ألقاها رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، نفتالي بينيت، أمام مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية في القدس، مجرد قراءة سياسية للواقع الذي يعيشه الاحتلال، بل بدت وكأنها إعلان صريح عن انتقال العقيدة الإسرائيلية نحو مرحلة تعتمد كليا على الترهيب والقوة الغاشمة.
في مستهل كلمته، وجّه بينيت رسالة للجمهور، قائلا "أريد أن أشارككم حقيقة غير سارة، لكنني أريد أن أكون واضحا جدا بشأنها.
ومضى ليؤسس لما يمكن تسميته بـ"عقيدة الخوف" بديلا عن القبول الدولي، مضيفا "لذا علينا أن نبني الكثير من الأصول، حتى يحتاجوا إلينا كثيرا، لأنني توصلت إلى استنتاج واحد، إنهم لن يحبونا. الطموح بأن العالم سيحب إسرائيل لن يتحقق. ما نحتاجه هو أن يخشانا أعداؤنا، ويحترمنا أصدقاؤنا، ويحتاج إلينا الجميع.. لقد جربنا مسألة أحبونا لمدة 3000 عام تقريبا، ولم تنجح".
سجل حافل بالدم وتجريد الإنسانيةلا تبدو تصريحات بينيت الأخيرة نشازا عن مسيرته السياسية؛ فاستحضار مواقفه السابقة يكشف عن نمط متأصل يرتكز على التطرف وتغذية الكراهية وإلغاء إنسانية الفلسطينيين، حتى لو كانوا أطفالاً.
في عام 2013، أثارت صحيفة "هآرتس" ضجة واسعة عندما كشفت عن تصريح أدلى به بينيت -الذي كان يشغل حينها منصب وزير الاقتصاد- خلال اجتماع حكومي مغلق، حيث قال نصا "لقد قتلت الكثير من العرب في حياتي، ولا توجد مع ذلك أي مشكلة".
ورغم أن بينيت سارع لاحقا لنفي الصيغة الحرفية عبر منصة "إكس"،
مدعيا أنه كان يتحدث عن "الإرهابيين" فقط بقوله "أيها الكاذبون، لم أقل قط لقد قتلت الكثير من العرب، كنت أتحدث عن الإرهابيين ولا أعتذر عن ذلك"، فإن التسريبات الصحفية وشهادات الحاضرين في ذلك الوقت أكدت أن سياق الحديث كان عاما ولم يفرق بين مدني ومسلح، وهو ما ينسجم مع سجل مواقفه المتراكمة التي تلغي صفة البراءة عن الفلسطينيين بشكل جمعي.
هذا التوجه برز بشكل أكثر دموية خلال "مسيرات العودة" في غزة عام 2018. حينها، نشر بينيت صورا لفتية فلسطينيين وعلق عليها قائلا "إنهم ليسوا أطفالا في الثامنة. إنهم إرهابيون يحاولون قتل أطفالنا البالغين من العمر 8 سنوات. من جاء ليقتلك، بادِر بقتله".
والمفارقة هنا أن بينيت استند في ختام تغريدته إلى مقولة تلمودية شهيرة تُستخدم بكثرة في العقيدة العسكرية والأمنية الإسرائيلية لتبرير الضربات الاستباقية والقتل المباشر، وترجمتها الحرفية "من يأتي لقتلك، استيقظ مبكرا لقتله".
وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام ذاته (2018)، صرح بينيت بأنه لو كان وزيرا للدفاع لأمر بسياسة "إطلاق النار بقصد القتل" ضد الفلسطينيين الذين يحاولون عبور الحدود بين إسرائيل وغزة.
وفي تلك المرحلة، كانت حصيلة هذه السياسات كارثية؛ إذ قتل الجنود الإسرائيليون ما لا يقل عن 217 متظاهرا، بينهم 48 طفلا، فيما أصيب 19109 فلسطينيين بينهم 4987 طفلا و864 سيدة، وفق مركز الميزان لحقوق الإنسان.
تدمير "أوسلو" وابتلاع الأرضإلى جانب عقيدته الأمنية المتطرفة، يُعرف بينيت بأنه أحد أشرس معارضي حق تقرير المصير للفلسطينيين، فقد صرح مرارا برفضه القاطع لإقامة دولة فلسطينية، مقترحا بدلا من ذلك أن تقوم إسرائيل بضم حوالي 60% من الضفة الغربية من جانب واحد (المناطق التي خضعت لسيطرة إسرائيلية كاملة بموجب اتفاقيات أوسلو المؤقتة).
في عام 2013، قال لمجلة نيويوركر "سأبذل كل ما في وسعي، إلى الأبد، لمحاربة تأسيس دولة فلسطينية في أرض إسرائيل"، وفي العام ذاته تفاخر بمشروع الضم قائلا "أنا أؤيد تطبيق السيادة الإسرائيلية على المنطقة التي يعيش فيها 400 ألف (مستوطن) و70 ألف عربي فقط"، ساخرا في الوقت نفسه من المفاوضات التي قادتها إدارة أوباما واصفا إياها بأنها "مجرد مزحة".
ولم يكتفِ بالتصريحات، بل وثّق رؤيته في مقال رأي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" عام 2014 بعنوان "بالنسبة لإسرائيل، حل الدولتين ليس حلا"، وفي يونيو/حزيران من نفس العام لخص إستراتيجيته بوضوح "أهم شيء في أرض إسرائيل هو البناء، البناء، البناء (المستوطنات)، مشكلتنا الرئيسية لا تزال تكمن في عدم رغبة قادة إسرائيل في القول بعبارة بسيطة إن أرض إسرائيل ملك لشعب إسرائيل".
وتكتمل دائرة التطرف لدى بينيت برؤيته للمقدسات الإسلامية، فهو يدعو صراحة إلى زيادة السيطرة اليهودية على مجمع المسجد الأقصى (الحرم القدسي الشريف)، والذي تطلق عليه إسرائيل اسم "جبل الهيكل".
وفي فبراير/شباط 2014، وقف بينيت أمام الجمهور ذاته الذي يخاطبه اليوم (مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الكبرى)، ليؤكد لهم أن إسرائيل تحاول ممارسة سيطرة أكبر على الحرم القدسي، كاشفا أنه اتخذ بالفعل تدابير "تؤثر في النهاية على الجانب الشرقي من القدس، وسيشمل ذلك جبل الهيكل".
وهم الردع والإفلات من العقابأثارت تصريحات بينيت في مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية بالقدس موجة من التفاعلات النقدية التي اعتبرت حديثه تكريسا لسياسة الحروب المفتوحة وإلغاء لأي أفق للسلام.
وفي هذا السياق، التقط المحلل السياسي يوسف منير الخلل المنطقي في هذه الإستراتيجية مسلطا الضوء على "وهم الردع"، حيث علق قائلا "تخيل حجم الوهم الذي يجعلك تعتقد أن الأمن سيتحقق من خلال جعل شعوب تفوقك عددا بمئات المرات تخشاك. هذه ليست سوى وصفة لحرب مستمرة، وتلك هي الرؤية الوحيدة التي يملكونها، حرب ودمار بلا نهاية".
إعلانومن زاوية التحليل النفسي والسياسي، قرأ الكاتب طارق كيني شوا التصريحات من منطلق عقدة الاضطهاد التي تبرر العنف، موضحا أنه "بعيدا عن مدى سخافة عجز الإسرائيليين عن إدراك سبب خَلقهم لكل هؤلاء الأعداء، فإن قناعتهم المضللة بأنه لا يوجد ما يمكنهم فعله لإرضاء العالم هي في الواقع ما يُغذي تماديهم العنيف وإفلاتهم من العقاب"، مشيرا إلى أنهم يعتقدون أنهم "يخوضون حربا مقدسة لا يفهمها أحد سواهم".
وفي تفنيد عملي وتاريخي لادعاء بينيت بأن العالم لن يتقبل إسرائيل إلا بالخوف، استحضر الناشط في مجال السلام، جون ليندون، حقبة التسعينيات، مذكرا بأنه "خلال عملية أوسلو، اعترفت دول تمثل أكثر من 40% من سكان العالم بإسرائيل وأقامت معها علاقات دبلوماسية"، ومؤكدا أن تلك الدول "لم تفعل ذلك لأنها كانت تخشى إسرائيل، بل لأنها آمنت بأن إسرائيل تتجه أخيرا نحو السلام مع الفلسطينيين".
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات
إقرأ أيضاً:
الحصار بالحصار.. استهداف ناقلات النفط السعودية يؤكد سقوط رهان العدوان على إخضاع اليمن
دخلت المواجهة بين اليمن ونظام العدو السعودي مرحلة أكثر تأثيرًا وحسمًا، مع إعلان القوات المسلحة اليمنية تنفيذ عملية نوعية استهدفت سفينتين نفطيتين تابعتين للعدو السعودي، في إطار معادلة “الحصار بالحصار”، وتمثل هذه العملية تحولًا استراتيجيًا يؤكد أن استمرار الحصار والعدوان لن يبقى دون ثمن، وأن زمن استفراد النظام السعودي بالشعب اليمني قد ولى، بعدما فرضت القوات المسلحة معادلة ردع جديدة تنقل كلفة العدوان إلى عمق المصالح الاقتصادية للرياض، فالعملية لم تكن حدثًا عسكريًا عابرًا، بل رسالة سياسية واستراتيجية تؤكد أن اليمن، رغم سنوات العدوان والحصار، بات يمتلك زمام المبادرة، وأن كل يوم يستمر فيه الحصار سيقابله تصعيد نوعي يجعل العدو يدفع ثمن جرائمه.
يمانيون | أعده للنشر | طارق الحمامي
الحصار السعودي .. الجريمة التي صنعت معادلة الردع
على مدى سنوات، واصل النظام السعودي فرض حصار خانق على الشعب اليمني، مستهدفًا لقمة عيشه، ودواء مرضاه، وحقه في السفر والعلاج والتنقل، في واحدة من أكبر صور العقاب الجماعي التي عرفها العصر الحديث، هذا الحصار لم يكن مجرد إجراء سياسي، بل حربًا شاملة استهدفت الإنسان اليمني في حياته اليومية، وأدت إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية، وتعطيل المطارات والموانئ، وحرمان ملايين اليمنيين من أبسط حقوقهم، وأمام هذا التعنت، أصبح الرد بالمثل خيارًا مشروعًا في إطار الدفاع عن الشعب اليمني، لتولد معادلة “الحصار بالحصار” باعتبارها الرد الطبيعي على استمرار الجريمة السعودية.
استهداف النفط .. ضرب مركز القوة السعودية
تعتمد السعودية بصورة رئيسية على النفط بوصفه مصدر قوتها الاقتصادية والسياسية، ولذلك فإن استهداف السفن النفطية لا يمثل مجرد عملية عسكرية، بل ضربة مباشرة لأهم شريان تعتمد عليه الرياض في تمويل سياساتها وحروبها، وتؤكد العملية أن القوات المسلحة اليمنية أصبحت قادرة على الوصول إلى أهداف حساسة تمثل عصب الاقتصاد السعودي، وهو ما يعني أن استمرار العدوان سيجعل المصالح النفطية تحت ضغط دائم، وأن أمن الطاقة لم يعد بمنأى عن تداعيات الحرب التي أشعلها النظام السعودي على اليمن.
العدوان هو من اختار التصعيد
تكشف العملية حقيقة طالما حاول الإعلام الغربي والسعودي تغييبها، وهي أن اليمن لم يبدأ الحرب، وإنما وجد نفسه مضطرًا للدفاع عن أرضه وشعبه في مواجهة عدوان وحصار مستمرين،
ولو اختار النظام السعودي إنهاء عدوانه ورفع حصاره، لما وصلت المواجهة إلى هذه المرحلة، غير أن سياسة الغرور والاستعلاء والإصرار على تجويع الشعب اليمني دفعت الأمور نحو تصعيد تتحمل الرياض كامل مسؤوليته، فمن يفرض الحصار لا يستطيع أن يطالب بالأمن لمصالحه، ومن يحرم شعبًا كاملًا من حقوقه الأساسية لا يمكنه أن يتوقع بقاء مصالحه الاقتصادية بمنأى عن الرد.
إرادة شعبية ترفض الاستسلام
تأتي هذه العمليات منسجمة مع المزاج الشعبي اليمني الرافض للخضوع، والمعبر عن حق الشعب في الدفاع عن نفسه بكل الوسائل الممكنة، لقد أثبت اليمنيون، طوال سنوات العدوان، أنهم شعب لا يقبل الإذلال، وأن الضغوط الاقتصادية والإنسانية لم تكسر إرادتهم، بل زادتهم إصرارًا على انتزاع حقوقهم، وتحويل معاناة الحصار إلى قوة ردع قادرة على فرض معادلات جديدة.
سقوط أوهام الردع السعودي
راهن النظام السعودي منذ بداية العدوان على أن الحصار سيؤدي إلى إخضاع اليمن وإجباره على الاستسلام، إلا أن الوقائع الميدانية أثبتت العكس تمامًا، فبدلًا من أن يضعف اليمن، نجحت قواته المسلحة في تطوير قدراتها، وتوسيع بنك أهدافها، والانتقال من الدفاع إلى فرض معادلات ردع متقدمة، جعلت المصالح الاقتصادية للعدو جزءًا من ميدان المواجهة، واليوم، يجد النظام السعودي نفسه أمام حقيقة واضحة؛ فكلما أصر على مواصلة الحصار، اتسعت دائرة الخسائر التي سيتحملها.
معادلة جديدة عنوانها، لا حصار بلا ثمن
تؤكد عملية استهداف السفينتين النفطيتين أن معادلة الردع اليمنية لم تعد مجرد شعارات، وإنما أصبحت واقعًا ميدانيًا يفرض نفسه بقوة، فالرسالة التي حملتها العملية واضحة وحاسمة،
استمرار الحصار يعني استمرار استهداف المصالح الاقتصادية، وأن أمن الملاحة المرتبط بالنفط لن يبقى معزولًا عن العدوان على اليمن، والقوة العسكرية اليمنية أصبحت قادرة على فرض وقائع جديدة تتجاوز الحسابات التقليدية، وكل خيارات التصعيد بيد اليمن ما دام الحصار مستمرًا.
ختاما ..
تكشف العملية الأخيرة أن معركة “الحصار بالحصار” دخلت مرحلة جديدة، عنوانها أن الشعب اليمني لن يبقى ضحية مفتوحة لسياسات التجويع والعقاب الجماعي، وأن زمن احتكار النظام السعودي لقرار التصعيد قد انتهى، فالوقائع تؤكد أن استمرار العدوان لن يحقق أهدافه، بل سيقود إلى مزيد من استنزاف المصالح السعودية، حتى يدرك النظام السعودي أن الطريق الوحيد لحماية أمنه واقتصاده يبدأ بوقف العدوان، ورفع الحصار، والاعتراف بأن إرادة الشعوب لا تُكسر، وأن اليمن، الذي صمد في وجه أعتى التحالفات، قادر على فرض معادلاته حتى انتزاع حقوقه المشروعة.