في توقيتٍ يتقاطع فيه شهر رمضان المبارك مع زمن الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية، أطلقت وزارة الاقتصاد والتجارة في لبنان مبادرة "سوا بالصيام" في محاولة للتخفيف من الأعباء المعيشية المتزايدة على الأسر اللبنانية.

 تأتي هذه الخطوة في ظل أزمة اقتصادية مستمرة أضعفت القدرة الشرائية ورفعت أسعار الغذاء إلى مستويات غير مسبوقة، ما يجعل أي تدخل يحدّ من الأسعار موضع اهتمام واسع لدى المواطنين الذين يواجهون ضغوطاً معيشية يومية.



يعاني اللبنانيون منذ سنوات تداعيات الانهيار المالي وتراجع قيمة العملة الوطنية، الأمر الذي أدى إلى تضخم حاد في أسعار السلع الأساسية.
 ومع اعتماد لبنان بشكل كبير على الاستيراد لتأمين احتياجاته الغذائية، باتت الأسعار ترتبط مباشرة بتقلبات سعر الصرف وكلفة النقل والطاقة، فيما بقيت الأجور على حالها تقريباً، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية واتساع دائرة الفقر.
 ومع اقتراب المواسم الدينية، ترتفع معدلات الاستهلاك الغذائي، فتزداد الضغوط على ميزانيات الأسر، خصوصاً تلك ذات الدخل المحدود.

في هذا السياق، تأتي مبادرة "سوا بالصيام" كإجراء يهدف إلى تخفيف كلفة السلة الغذائية خلال فترة الصيام، عبر تخفيض أسعار مجموعة من السلع الأساسية الأكثر استهلاكاً، مثل الأرز والسكر والزيوت والحبوب والمعلبات ومشتقاتها.
وقد تم تنفيذ المبادرة بالتعاون مع نقابة أصحاب السوبرماركت والمستوردين والنقابات المعنية بالقطاع الغذائي، وتشمل عدداً كبيراً من المتاجر ونقاط البيع المنتشرة في مختلف المناطق اللبنانية، بما يهدف إلى ضمان وصول التخفيضات إلى أكبر شريحة ممكنة من المواطنين.

ويعكس هذا التعاون بين القطاعين العام والخاص محاولة لتقاسم المسؤولية في مواجهة الغلاء، خاصة في ظل محدودية قدرة الدولة المالية.
فنجاح المبادرة يعتمد على التزام التجار بتخفيض هوامش الربح خلال فترة محددة، مقابل الحفاظ على حركة السوق وتنشيط المبيعات، وهو ما قد يوفر توازناً نسبياً بين قدرة المستهلك والتكاليف التي يتحملها القطاع التجاري.

وفي حديثه عن المبادرة، أكد وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط أن هذه الخطوة تأتي ضمن التزام الوزارة حماية المستهلك والتخفيف من الضغوط المعيشية، مشدداً على أن الدولة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام الارتفاع غير المبرر للأسعار.
 وأوضح أن الهدف هو تأمين السلع الأساسية بأسعار مخفّضة خلال فترة الصيام وتعزيز الاستقرار الغذائي والاجتماعي في هذه المرحلة الدقيقة، لافتاً إلى أن الوزارة ستكثف الرقابة الميدانية لضمان التزام المتاجر بالتخفيضات المحددة، داعياً المواطنين إلى الإبلاغ عن أي مخالفات قد تُسجَّل في الأسواق.

وتعتزم وزارة الاقتصاد مواكبة المبادرة عبر تكثيف الجولات الرقابية لضمان الالتزام بالأسعار ومنع أي استغلال أو تلاعب، خاصة أن تجارب سابقة أظهرت تفاوتاً في تطبيق التخفيضات أو غياب وضوح الأسعار للمستهلكين. ويُنتظر أن يلعب جهاز حماية المستهلك دوراً محورياً في مراقبة التنفيذ، بما يعزز الثقة بين المستهلك والأسواق.

ولا تقتصر أهمية المبادرة على بعدها الاقتصادي، بل تحمل بعداً اجتماعياً واضحاً، إذ تعكس تسميتها "سوا بالصيام" رمزية التضامن بين اللبنانيين بمختلف طوائفهم خلال موسم ديني مشترك، في ظل أزمة معيشية تطال الجميع. وفي مجتمع تتآكل فيه الطبقة الوسطى وتتوسع فيه دائرة الفقر، يصبح تأمين الغذاء بأسعار مقبولة جزءاً من الأمن الاجتماعي والاستقرار اليومي للأسر.

ويرى خبراء اقتصاديون أن المبادرة قد تساهم في تخفيف الضغوط المعيشية خلال فترة محدودة، كما قد تنعكس إيجاباً على حركة الأسواق عبر زيادة الاستهلاك المنظم بدل التراجع الحاد في المبيعات.
إلا أن تأثيرها يبقى مرحلياً، نظراً لارتباط الأسعار بعوامل بنيوية مثل كلفة الاستيراد والطاقة، إضافة إلى ضعف الإنتاج المحلي واعتماد السوق على الخارج والوضع الأمني في البلد.

ورغم الترحيب بالمبادرة، يؤكد مراقبون أن أثرها الفعلي سيبقى محدوداً ما لم تترافق مع سياسات اقتصادية طويلة الأمد تعالج جذور الأزمة، من دعم الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية المحلية إلى تحسين سلاسل التوريد وضبط الأسواق بشكل دائم، لا موسمي.

تمثل مبادرة "سوا بالصيام" استجابة مباشرة لحاجة ملحّة في لحظة اقتصادية واجتماعية حساسة، إذ تمنح الأسر هامشاً من القدرة على تلبية احتياجاتها الغذائية خلال فترة الصيام. لكنها في الوقت نفسه تذكّر بأن الحلول الظرفية، مهما كانت ضرورية، لا يمكن أن تحل محل الإصلاحات الهيكلية المطلوبة لإعادة التوازن إلى الاقتصاد اللبناني.
 وفي ظل واقع معيشي قاسٍ، والاجراءات الضريبية الجديدة، تبقى هذه المبادرات متنفساً مرحلياً ورسالة تضامن تعكس محاولة رسمية للتخفيف من وطأة الأزمة، وتؤكد أن التعاون بين الدولة والقطاع الخاص يمكن أن يصنع فارقاً ملموساً في حياة المواطنين، ولو مؤقتاً.
  المصدر: خاص لبنان24 مواضيع ذات صلة مع بداية رمضان والصوم الكبير.. حملة رقابية موسعة Lebanon 24 مع بداية رمضان والصوم الكبير.. حملة رقابية موسعة 20/02/2026 09:31:28 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 الحريري تهنئ اللبنانيين بحلول شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير Lebanon 24 الحريري تهنئ اللبنانيين بحلول شهر رمضان المبارك وزمن الصوم الكبير 20/02/2026 09:31:28 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 المجلس العام الماروني هنأ ببداية الصوم عند المسيحيين وحلول رمضان Lebanon 24 المجلس العام الماروني هنأ ببداية الصوم عند المسيحيين وحلول رمضان 20/02/2026 09:31:28 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 بري مهنئاً بحلول شهر رمضان وبداية الصوم الكبير: نتطلع بأمل أن يكون هذا التلاقي المبارك تلاق دائم ويومي Lebanon 24 بري مهنئاً بحلول شهر رمضان وبداية الصوم الكبير: نتطلع بأمل أن يكون هذا التلاقي المبارك تلاق دائم ويومي 20/02/2026 09:31:28 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 لبنان خاص إقتصاد مقالات لبنان24 وزارة الاقتصاد وزير الاقتصاد اللبنانية المسيحية مسيحية التزام مسيحي تابع قد يعجبك أيضاً بعبدا اصل الخلاف Lebanon 24 بعبدا اصل الخلاف 02:15 | 2026-02-20 20/02/2026 02:15:00 Lebanon 24 Lebanon 24 جعجع يفتتح السباق النيابي رسميا.. "القوات" تجدّد لستريدا جعجع وجوزف إسحق Lebanon 24 جعجع يفتتح السباق النيابي رسميا.. "القوات" تجدّد لستريدا جعجع وجوزف إسحق 02:14 | 2026-02-20 20/02/2026 02:14:07 Lebanon 24 Lebanon 24 ارتفاع مستمر في أسعار المحروقات.. إليكم الجدول الجديد Lebanon 24 ارتفاع مستمر في أسعار المحروقات.. إليكم الجدول الجديد 02:08 | 2026-02-20 20/02/2026 02:08:07 Lebanon 24 Lebanon 24 نشاط للصليب الأحمر في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية Lebanon 24 نشاط للصليب الأحمر في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية 02:03 | 2026-02-20 20/02/2026 02:03:25 Lebanon 24 Lebanon 24 هل يكفي عديد الجيش لكل هذه المهمات؟ Lebanon 24 هل يكفي عديد الجيش لكل هذه المهمات؟ 02:00 | 2026-02-20 20/02/2026 02:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 الأكثر قراءة الليرة اللبنانيّة القديمة... هكذا تُباع بالدولار Lebanon 24 الليرة اللبنانيّة القديمة... هكذا تُباع بالدولار 13:24 | 2026-02-19 19/02/2026 01:24:06 Lebanon 24 Lebanon 24 من هو الخاسر الاكبر من عودة الحريري؟ Lebanon 24 من هو الخاسر الاكبر من عودة الحريري؟ 05:00 | 2026-02-19 19/02/2026 05:00:00 Lebanon 24 Lebanon 24 رحل بصمت.. وفاة فنان قدير اشتهر بدور رجل العصابات (صورة) Lebanon 24 رحل بصمت.. وفاة فنان قدير اشتهر بدور رجل العصابات (صورة) 04:01 | 2026-02-19 19/02/2026 04:01:37 Lebanon 24 Lebanon 24 الحرارة ستتخطى معدلاتها.. ولكن استعدوا لمنخفض جوي آتٍ من تركيا في هذا الموعد Lebanon 24 الحرارة ستتخطى معدلاتها.. ولكن استعدوا لمنخفض جوي آتٍ من تركيا في هذا الموعد 05:12 | 2026-02-19 19/02/2026 05:12:25 Lebanon 24 Lebanon 24 حادثة مروّعة داخل مصعد... هكذا فقط طفلٌ حياته Lebanon 24 حادثة مروّعة داخل مصعد... هكذا فقط طفلٌ حياته 12:53 | 2026-02-19 19/02/2026 12:53:33 Lebanon 24 Lebanon 24 أخبارنا عبر بريدك الالكتروني بريد إلكتروني غير صالح إشترك عن الكاتب مهدي ياغي - Mahdi Yaghi أيضاً في لبنان 02:15 | 2026-02-20 بعبدا اصل الخلاف 02:14 | 2026-02-20 جعجع يفتتح السباق النيابي رسميا.. "القوات" تجدّد لستريدا جعجع وجوزف إسحق 02:08 | 2026-02-20 ارتفاع مستمر في أسعار المحروقات.. إليكم الجدول الجديد 02:03 | 2026-02-20 نشاط للصليب الأحمر في معهد العلوم الاجتماعية بالجامعة اللبنانية 02:00 | 2026-02-20 هل يكفي عديد الجيش لكل هذه المهمات؟ 01:45 | 2026-02-20 مشاركة الحريري: حضور ودلالات فيديو مُتهمة بأنها على علاقة مع فنان مطلَّق.. ممثلة شهيرة تبكي وتنفعل مع رامز جلال (فيديو) Lebanon 24 مُتهمة بأنها على علاقة مع فنان مطلَّق.. ممثلة شهيرة تبكي وتنفعل مع رامز جلال (فيديو) 02:26 | 2026-02-20 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 لاعب يعترف على الهواء مباشرة: خنت حبيبتي Lebanon 24 لاعب يعترف على الهواء مباشرة: خنت حبيبتي 01:30 | 2026-02-20 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 هاتف جديد من Infinix.. هذه مواصفاته (فيديو) Lebanon 24 هاتف جديد من Infinix.. هذه مواصفاته (فيديو) 04:00 | 2026-02-18 20/02/2026 09:31:28 Lebanon 24 Lebanon 24 Download our application مباشر الأبرز لبنان فيديو خاص إقتصاد رمضانيات عربي-دولي متفرقات Download our application Follow Us Download our application بريد إلكتروني غير صالح Softimpact Privacy policy من نحن لإعلاناتكم للاتصال بالموقع Privacy policy جميع الحقوق محفوظة © Lebanon24

المصدر

المصدر: لبنان ٢٤

كلمات دلالية: بحلول شهر رمضان الصوم الکبیر خلال فترة فی أسعار

إقرأ أيضاً:

الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل

بينما تتخذ روسيا موقعا بين إسرائيل وإيران اليوم، يجد مراقبون صعوبة في فهم سياساتها المتناقضة. فهي تحتفظ بشراكة إستراتيجية مع طهران، وتعمق التعاون العسكري والاقتصادي في السنوات الأخيرة، وتحافظ على علاقات وثيقة بسوريا، وتتحدى باطراد النفوذ الأمريكي بالمنطقة، ورغم ذلك، حافظت موسكو على قنوات اتصال بإسرائيل، وتعرض وساطتها دوريا بين تل أبيب وإيران، وتتجنب اعتبار إسرائيل خصما غربيا آخر.

يقول جون ميرشايمر وبول غرينييه، اللذان فتحا مؤخرا ملف الدور السوفياتي في إقامة إسرائيل، قد يبدو هذا متناقضا للبعض، لكنه ليس كذلك. وتكمن الإجابة في إحدى أكثر حلقات الجغرافيا السياسية غرابة بالقرن العشرين، حين لعب السوفيات دورا حاسما في قيام إسرائيل.

مفارقة جيوسياسية كبرى

تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية. فقد دافع الدبلوماسيون السوفيات عن تقسيم فلسطين بالأمم المتحدة، وقدمت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات آنذاك، الخبراء والأسلحة التي أدت لصمود إسرائيل في حربها الأولى، وكان السوفيات من أوائل الحكومات التي اعترفت بالدولة الجديدة.

يكشف فهم هذا التاريخ المنسي اختلافا جوهريا بين النظامين السياسيين السوفياتي والأمريكي. ففي أمريكا، نشأت خلال عقود منظومة قوية من جماعات المصالح ومنظمات المناصرة وشبكات الضغط، شكلت العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وأصبحت منظمات -مثل  "أيباك"– جهات فاعلة مؤثرة في النظام الأمريكي، لتصبح سمة راسخة في السياسة الأمريكية. واليوم، تمارس "أيباك" وأمثالها نفوذا كبيرا في مؤسسات الحكومة الأمريكية.

لم يكن ممكنا ظهور حالة مماثلة في الاتحاد السوفياتي، فالدولة لم تتسامح مع أي مراكز مستقلة للسلطة السياسية. ولم تكن المؤسسات الدينية والمنظمات الإثنية والجمعيات المدنية واللوبيات موجودة إلا في حدود خدمة أهداف الحزب. شغل اليهود السوفيات مناصب بارزة بالحكومة والعلوم والثقافة والجيش، لكن لم يكن ممكنا وجود بنية تحتية سياسية يهودية مستقلة ومؤثرة في سياسة الدولة خارج الحزب الشيوعي.

إعلان

أثبت هذا التمايز أهميته. لفترة وجيزة، اعتقد ستالين أن إسرائيل يمكن أن تصبح شريكا جيوسياسيا مفيدا، وربما دولة اشتراكية. لكن عندما أدى قيام إسرائيل لمظاهر هوية يهودية قومية واضحة داخل الاتحاد السوفياتي، سرعان ما انقلبت حماسة موسكو شكا وريبا.

فالدولة السوفياتية التي ساعدت في إنشاء إسرائيل ستبدأ لاحقا بتفكيك المؤسسات اليهودية، واعتقال يهود بارزين، وشن حملات "معادية للسامية" طبعت سنوات حكم ستالين الأخيرة. هذه القصة ليست مجرد تاريخ قيام إسرائيل، بل قصة تنافس القوى العظمى، وسوء تقدير إستراتيجي، ومفارقة جيوسياسية كبرى في بدايات الحرب الباردة.

تعتبر إسرائيل اليوم أقرب حليف لأمريكا بالشرق الأوسط، لكن في عامي 1947 و1948، كان الاتحاد السوفياتي بقيادة جوزيف ستالين من أقوى الداعمين لإقامة دولة يهودية

الصهيونية سلاح ضد بريطانيا
لفهم أسباب دعم ستالين للتقسيم، يشير ميرشايمر وغرينييه لأهمية فهم تدهور موقف بريطانيا في فلسطين بعد الحرب العالمية الثانية.

بحلول عام 1945، وجدت بريطانيا نفسها في مأزق. فقد بات الانتداب البريطاني على فلسطين متعثرا، وواجهت لندن ضغوطا متزايدة من المجتمعين العربي واليهودي، بينما كانت تعاني استنزافا اقتصاديا حادا عقب الحرب. وتطلب الحفاظ على موقف بريطانيا عشرات آلاف الجنود وموارد مالية هائلة بينما بدأت الإمبراطورية بالانكماش.

جاء التحدي الأبرز من المنظمات اليهودية السرية. فقد باتت الهاغاناه، والإرغون (إتسل)، وليحي (عصابة شتيرن) ترى بريطانيا -وليس العرب- العقبة الرئيسية أمام قيام دولة اليهود. ورغم اختلاف هذه المنظمات الكبير أيديولوجيا وتكتيكيا، فإنها تعهدت معا بشن حملة أوسع لجعل الحكم البريطاني غير قابل للاستمرار.

وقع الهجوم الأشهر في 22 يوليو/تموز 1946، عندما فجر عناصر الإرغون فندق الملك داود بالقدس، حيث مقر الإدارة البريطانية والقيادة العسكرية. وأسفر عن مقتل 91 شخصا. صدم الهجوم بريطانيا، وأظهر تفاقم صعوبة استمرار الانتداب البريطاني.

خلال الفترة بين 1945 و1947، هاجمت جماعات يهودية سرية منشآت عسكرية بريطانية، وسكك حديدية، ومراكز شرطة، ومحطات رادار، وبنية تحتية بأنحاء فلسطين. وتعرض جنود بريطانيون لكمائن، واختطفوا، وأعدموا. لم يكن الأثر التراكمي هزيمة عسكرية، بل استنزافا سياسيا.

لم يغب هذا التطور عن أنظار موسكو. فمن منظور ستالين، باتت الحركة الصهيونية أداة ضد أحد أهم مواقع الإمبراطورية البريطانية بالشرق الأوسط. أدرك القادة السوفيات أن التقسيم سيسرع انسحاب بريطانيا، ويزيل ركنا أساسيا للنفوذ البريطاني.

وكما لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى. يرجح أن ستالين توقع أن يكون لانسحاب بريطانيا من فلسطين تداعيات واسعة بالمنطقة.

فقد احتفظت لندن آنذاك بمواقع عسكرية رئيسية بمصر (قناة السويس)، والعراق، والأردن (الفيلق العربي)، والخليج. وساد اعتقاد بأن انسحاب بريطانيا من فلسطين يسرع ترسيخ فكرة تراجع الإمبراطورية بمناطق أخرى.

إعلان

هدف ستالين.. إضعاف بريطانيا بالشرق الأوسط
جاء أوضح تعبير علني عن سياسة السوفيات من نائب وزير الخارجية السوفياتي أندريه غروميكو. ففي خطابه أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بفلسطين في 14 مايو/أيار 1947، ألقى غروميكو أحد أهم الخطابات بتاريخ الشرق الأوسط الحديث. وفي إشارة للمحرقة قال:
"إن عجز أي دولة من دول أوروبا الغربية عن ضمان الحقوق الأساسية للشعب اليهودي وتأمينه من عنف الجلادين الفاشيين يفسر تطلع اليهود لإقامة دولتهم الخاصة".

يستشهد كثيرا بهذا التصريح كدليل تعاطف السوفيات مع قيام دولة يهودية. لكن الجانب الأهم للخطاب تمثل بتأييد غروميكو للتقسيم إذا ثبت استحالة تعايش العرب واليهود بدولة واحدة. ومثّل هذا تحولا جذريا عن السياسة السوفياتية السابقة، وأشار لاستعداد موسكو لدعم حل سياسي يعجل برحيل بريطانيا عن فلسطين.

لاحقا، صوت السوفيات لصالح قرار الأمم المتحدة بالتقسيم، رقم (181) في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947. بالنسبة لموسكو، لم يكن التقسيم مجرد استجابة إنسانية لمعاناة اليهود، بل أداة جيوسياسية تهدف لتسريع انسحاب بريطانيا من فلسطين وإضعاف نفوذها بأنحاء الشرق الأوسط.

على المدى القصير، نجح ستالين! أنهت بريطانيا الانتداب وانسحبت. وعلى المدى البعيد، أسفرت هذه الإستراتيجية عن إحدى مفارقات القرن العشرين الجيوسياسية الكبرى، لتصبح الدولة التي سهلت موسكو إقامتها أقرب الحلفاء لأمريكا بالشرق الأوسط.

لاحظ المؤرخ أرنولد كرامر في دراسته للسياسة السوفياتية تجاه التقسيم، نظر القادة السوفيات لفلسطين من منظور تنافس القوى العظمى وليس الأيديولوجيا. وكان إضعاف بريطانيا هو الجائزة الإستراتيجية الأسمى

المفاجأة الأمريكية والسجلات الأرشيفية
يكشف أرشيف العلاقات الخارجية الأمريكية (FRUS) كيف تفاجأ صناع السياسة الأمريكيون بالدعم السوفياتي. فقد افترض مسؤولون بالخارجية الأمريكية أن موسكو تعارض القومية خارج السيطرة الشيوعية. وخشي البعض أن يستخدم الكرملين الدولة اليهودية الجديدة كأداة لتعزيز النفوذ السوفياتي بالمنطقة.

ويظهر الأرشيف نقاشات مستفيضة داخل إدارة ترومان حول نوايا السوفيات. فقد قلق جورج كينان وآخرون من أن الدعم السوفياتي للتقسيم يعكس مسعى أوسع لتعزيز نفوذ موسكو بالشرق الأوسط.

ووجد الباحثان ميرشايمر وغرينييه مفارقة تاريخية أخرى، إذ خشي المسؤولون الأمريكيون عام 1947 من أن تصبح إسرائيل دولة تابعة للسوفيات. لكن تبين  أن الواقع مختلف تماما.

واشنطن تحظر الأسلحة وموسكو تسلح إسرائيل
لم يكن الدعم الدبلوماسي وحده كافيا لضمان بقاء إسرائيل. ففي ديسمبر/كانون الأول 1947، فرضت الولايات المتحدة حظرا على توريد الأسلحة لفلسطين. ورغم أن الهدف كان الحياد، فإن الحظر قيد وصول الأسلحة للقوات اليهودية التي تستعد لما بدا حربا حتمية.

في هذه اللحظة بالذات، تقدم المعسكر السوفياتي. فبواسطة تشيكوسلوفاكيا الشيوعية، سمحت موسكو بشحن كميات كبيرة من البنادق والرشاشات والمدفعية والذخيرة والطائرات. ووفقا لدراسات غابرييل غوروديتسكي ومواد أرشيفية درسها لوران روكر بمشروع التاريخ الدولي للحرب الباردة (CWIHP) التابع لمركز ويلسون، مثلت هذه الشحنات أهم المساهمات الخارجية في بقاء إسرائيل خلال حرب 1948.

ومن أشهر هذه الشحنات طائرات "أفيا إس- 199" "Avia S-199" المقاتلة، التي كانت نسخة مرتجلة من طائرة "ميسر شميت" "Mtesserschmit" الألمانية، لكنها أثبتت أهمية بالغة لسلاح الجو الإسرائيلي الناشئ. لاحقا، أقر رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون بأهمية شحنات الأسلحة التشيكية. واستنتج مؤرخون عسكريون إسرائيليون أن هذه الشحنات أدت لتغيير ميزان القوى العسكرية خلال أشهر الصراع الأولى الحاسمة.

إعلان

خلق هذا إحدى مفارقات تأسيس إسرائيل. فبينما كانت واشنطن تسعى لمنع التصعيد بفرض حظر، أصبحت تشيكوسلوفاكيا، الخاضعة للسوفيات، المورد الرئيسي لأسلحة القوات اليهودية. ونتج وضع بدا مستحيلا بعد سنوات قليلة فقط. كان ستالين يسلح إسرائيل بينما كانت واشنطن تقيد شحنات الأسلحة.

تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.

تطلع السوفيات لإسرائيل الاشتراكية
تجاوزت حسابات موسكو طرد بريطانيا، واعتقد مسؤولون سوفيات أن الدولة الجديدة في طريقها نحو الاشتراكية. سادت تيارات عمالية التوجه الحركة الصهيونية، وبدا نظام المزارع الجماعية "الكيبوتس" اشتراكيا مثاليا. بل ينحدر قادة إسرائيليون كثر من أوروبا الشرقية، بروابط ثقافية مع التقاليد الاشتراكية. لذلك، اعتقد الكرملين أن إسرائيل ستكون محايدة أو متعاطفة مع السوفيات.

يرى ميرشايمر وغرينييه هذا الافتراض أحد أكبر أخطاء ستالين الإستراتيجية. فقادة إسرائيل رأوا مصالحهم الاقتصادية والأمنية المديدة مع الغرب. ولكن، قبل اتضاح التحول تماما، غيّر حدث استثنائي بموسكو نظرة ستالين لإسرائيل واليهود السوفيات.

غولدا مائير والمعبد اليهودي الذي أثار قلق ستالين
في سبتمبر/أيلول 1948، وصلت غولدا مائير لموسكو كأول سفيرة لإسرائيل. ما تلا ذلك صدم السلطات السوفياتية. في 3 أكتوبر/تشرين الأول، خلال احتفالات رأس السنة العبرية ويوم الغفران، احتشد اليهود السوفيات بعشرات الآلاف حول كنيس موسكو "الكورالي" لتحيتها، وهتفوا "ناشا غولدا" !Our Golda.

في مذكراتها "حياتي"، استذكرت غولدا مائير قائلة: "شعرت وكأنني غارقة في عذاب حب جارف لدرجة أنه سلب أنفاسي وأبطأ نبضات قلبي".

تقدر روايات أن الحشد قارب 50 ألفا. بالنسبة لليهود السوفيات، مثّل قيام إسرائيل لحظة عاطفية عميقة. لكن بالنسبة لستالين، حمل هذا التجمع معنى مختلفا؛ فالدولة السوفياتية تطالب بولاء مطلق. وأبدى الظهور العفوي لتظاهرة جماهيرية حاشدة، تمحورت حول الهوية اليهودية، وجود ولاءات وانتماءات خارجة الحزب الشيوعي.

وبحسب يعكوف روعي، شكل هذا الحدث نقطة تحول نظرة السوفيات للصهيونية. فلم تعد إسرائيل مجرد أداة سياسة خارجية، بل أصبحت مصدرا محتملا للهوية ومصدر إلهام لليهود السوفيات. وقد أزعج هذا الإدراك ستالين بشدة.

دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود

نهاية شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي
تقاطعت واقعة غولدا مائير مع إحدى أغرب المآسي الشخصية بالقيادة السوفياتية. كانت بولينا جيمتشوجينا، زوجة وزير الخارجية السوفياتي فياتشيسلاف مولوتوف، أبرز يهودية سوفياتية، وربما اعتبرت سيدة أولى (غير رسمية) لمكانتها المرموقة لدى النخبة السوفياتية.

ووفقا لمذكرات ودراسات تاريخية لاحقة، التقت بولينا بغولدا مائير خلال زيارتها كسفيرة، ويقال إنها تحدثت معها بحرارة باللغة اليديشية. ويبقى التحقق من تفاصيل هذه الروايات موضع نقاش. أما ما تلا ذلك فلا جدال فيه. فبعد فترة وجيزة، أمر ستالين باعتقالها. وطردت من الحزب الشيوعي ونفيت. حتى مولوتوف لم يستطع حمايتها، وكان سقوطها أحد عوامل سرعة انهيار شهر العسل السوفياتي الإسرائيلي القصير.

تغير موقف ستالين جذريا بداية الخمسينيات، وتعرضت المؤسسات اليهودية لضغوط متزايدة، واعتقل أعضاء اللجنة اليهودية المناهضة للفاشية وأعدموا، واشتدت الحملات ضد ما يسمى بـ"العالميين عديمي الجذور".

ولا يزال المؤرخون يناقشون هل كانت نية ستالين اتخاذ إجراءات أوسع ضد اليهود قبل وفاته في مارس/آذار 1953. لكن الواضح أن قيام إسرائيل، واستقبال غولدا مائير بموسكو، وتزايد مخاوف ستالين من الصهيونية، شكلت مجتمعة جزءا من بيئة سياسية غذت هذه الحملات. فالزعيم ذاته الذي ساعد على قيام إسرائيل بات يرى الصهيونية تهديدا محتملا.

أهمية هذا التاريخ اليوم
في نهاية المطاف، فشلت الإستراتيجية السوفياتية. طردت بريطانيا من فلسطين، لكن إسرائيل لم تصبح شريكا سوفياتيا، بل تطورت كأقرب حليف إقليمي لأمريكا، ومع ذلك، لم يختف إرث هذا التاريخ أبدا.

فقد استقر أكثر من مليون مهاجر من الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية بإسرائيل، وانتشرت بها اللغة والثقافة الروسية، وتربط البلدين روابط اقتصادية وثقافية وعائلية وتاريخية متينة. وهذا يفسر اختلاف علاقة روسيا بإسرائيل عن علاقاتها بحلفاء الغرب الآخرين.

إعلان

حاليا، تقيم موسكو علاقات وثيقة بإيران وسوريا وعدة حكومات عربية، وتتحدى باطراد السياسة الأمريكية بالمنطقة، ومع ذلك، تسعى روسيا لاستمرار قنوات اتصال بإسرائيل، وكثيرا ما تقدم نفسها وسيطا محتملا.

لا يرى ميرشايمر وغرينييه هذا تناقضا، بل يعكس تقليدا روسيا راسخا يرى الشرق الأوسط من زاوية مصالح الدولة وليس التحالفات الأيديولوجية. ويمكن تتبع جذور هذا النهج مباشرة لعامي 1947 و1948، حين أقدم ستالين على إحدى أخطر المغامرات الجيوسياسية بالقرن العشرين.

فسعيه لطرد بريطانيا من الشرق الأوسط، ساهم في قيام إسرائيل. وبأمله في كسب حليف، فقد عزز المعسكر الغربي، وأدى دعمه لإقامة دولة يهودية بالخارج لإحياء مخاوف هوية سياسية يهودية بالداخل، مما استتبع بعض أحلك فصول سنواته الأخيرة.

قلما خلفت قرارات جيوسياسية مثل هذه العواقب الدائمة. دعم الاتحاد السوفياتي قيام إسرائيل، ولا تزال أصداء ذلك القرار المنسي تشكل سياسات الشرق الأوسط بعد ثمانية عقود.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحنمن نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطبيان إمكانية الوصولخريطة الموقعتواصل معناتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتناشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتناقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2026 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • فرج عامر: بن رمضان ينتقل إلى الشمال القطري.. والأهلي لن يمانع بشرط
  • الرواية الممزقة.. الدور الكبير للسوفيات في قيام إسرائيل
  • أزمة الخبز في دمشق تضاعف الأسعار وتقلص عدد الأرغفة
  • كيف غيرت أزمة هرمز مسار أسعار النفط العالمية في عام 2026؟
  • مصر.. الذهب يعوض جزءاً من خسائره رغم ضغوط الأسواق العالمية.. ما تعليق الخبراء؟
  • مركز الملك سلمان للإغاثة يوزع أكثر من 1300 سلة غذائية لدعم الأمن الغذائي في قطاع غزة
  • الانفجار الكبير يقترب.. سلاح الجو الإسرائيلي يستعد لشن هجوم على إيران
  • سوق العقارات السكنية في دبي يحافظ على زخمه خلال النصف الأول من 2026
  • أسعار القبور في إسطنبول تصدم المواطنين.. حتى الموت أصبح يحتاج إلى ميزانية!
  • روسيا ترفع توقعات معدل تضخم الأسعار إلى 6.2%