الشيخ المقرئ جعفر هاشم.. بصمة نابلس الصوتية
تاريخ النشر: 20th, February 2026 GMT
نابلس – في قلب البلدة القديمة في نابلس، بين أزقة حارة القريون حيث مسجد التينة ودار هاشم القريبة، نشأ الشيخ جعفر هاشم وتربى على تراث علمي وديني عريق.
ومن هناك بدأ دوره كإمام صغير، ليترسخ اسمه وصوته على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاما من خلال برنامج الكلمة الطيبة عبر إذاعة القرآن الكريم من نابلس، حاملاً رسالة تعليمية وروحية أثرت في أجيال متعددة، وجعلت منه مرجعاً للمجتمع المحلي.
لم يكن صوت الشيخ جعفر هاشم مجرد تلاوة عابرة، بل كان "بصمة صوتية" تؤرخ ليوميات المدينة الصامدة، وصوتاً سماوياً يمنح حارات "جبل النار" طمأنينتها المفقودة في زحام الانتفاضات والحصار.
المحراب الأولفي صدفة قدرية، غاب إمام مسجد التينة، فدفع أحد كبار السن بالفتى جعفر نحو المحراب. اعتذر الفتى بخجل: "أنا صغير يا حاج"، ليرد المسنّ بحزم: "ليس في دار هاشم صغير، أنتم أهل العلم وأولى الناس بالإمامة".
تقدم جعفر وقلبه يرتجف، وما إن صدح بصوته المتأثر بمدرسة "المنشاوي" حتى غمرت السكينة أركان المسجد. خرج المصلون يومها يتساءلون بذهول: "الله أكبر.. من صاحب هذا الصوت الندي؟"، ليكون ذلك المحراب شهادة الميلاد الحقيقية لصوتٍ سيسكن وجدان نابلس لعقود.
قبل أن يستقر صوته في المحاريب، كانت حنجرة جعفر تُصقل في "جلسات عائلية" أمام مسجل قديم، حين كان والده يجمع الأخوين لتوثيق مواهبهما الباكرة؛ شقيقه يلقي الشعر، وجعفر يغرق في بحر الإنشاد الصوفي.
تشرّب الفتى أصول الأداء من ابتهالات "النقشبندي"، وانصهر وجدانه في روائع أم كلثوم الدينية كـ "الهمزية" و"القلب يعشق كل جميل".
لم يكن جعفر يغني فحسب، بل كان يبني خلفية صوتية وروحية جعلت من تلاوته للقرآن لاحقاً مزيجاً فريداً يجمع بين وقار المحراب وعاطفة المنشد الجيّاشة، حتى أسس في صباه فرقة للنشيد الديني ظلّت روحها ترافقه في كل آية يرتلها.
دموع الخشية وإتقان مخارج الحروففي زاوية دافئة من زوايا البيت العتيق، وعلى دوشك – الفراش أو المرتبة – لم يتغير مكانه لسنوات، رسم الجدُّ لجعفر خارطة الطريق الروحية قبل أن يتقن الفتى مخارج الحروف.
إعلانكان يراقب جده يومياً وهو يقرأ جزءاً كاملاً بوقار تام، ممسكاً بمصحف لا يزال جعفر يحتفظ به كإرثٍ غسله الزمن ولم يمحُ أثره.
يستحضر الشيخ جعفر مشهداً مفصلياً سكن وجدانه وهو في الصف الثاني الابتدائي؛ حين رأى دموع جده تنهمر بصدق، فاقترب منه ومسح على لحيته سائلاً ببراءة الأطفال: "لماذا تبكي يا سيدي؟"، فكان الرد الذي صاغ فلسفته الدينية للأبد: "أبكي من خشية الله يا بني".
في تلك اللحظة، لم يتعلم جعفر معنى (الخشية) من قواميس اللغة، بل رآها سلوكاً حياً ودموعاً صادقة أمام عينيه.
ومن ذلك "المرتع" المنزلي، انطلقت خطاه نحو حلقات "الجامع الكبير" في نابلس، متسلحاً بقناعةٍ لازمته طوال حياته: "أن الإنسان ابن بيئته، ومن يرتع في رياض القرآن صغيراً، يزهر صوته بالصدق كبيراً".
أمضى الشيخ جعفر نحو 16 عاما في ميدان التربية، وتحديداً في مدرسة "رياض الصالحين" بنابلس قبل أن يأتي قرار بتعيينه إماما لمسجد التينة، لم يكن تعيينه إماما لمسجد "التينة" قرارا إداريا عابرا، بل كان استجابةً لـ "عريضة شعبية" وقعها أهل الحارة وأرسلوها لوزارة الأوقاف، مطالبين بصوت ابنهم الذي ألفوه.
ومن قلب "التينة"، أطلق الشيخ جعفر مبادرةً روحية غيرت لليل الحارة؛ صلاة "قيام الليل" التطوعية كل خميس.
لم يكن يكتفي بالإمامة، بل كان يحوّل المنبر إلى مدرسة، حيث يدفع بطلابه الحفظة الجدد لإمامة الناس في ركعاتٍ من القيام، تشجيعاً لهم وربطاً لقلوبهم بالوحي في مشهدٍ أعاد لصلاة القيام وهجها في وجدان المدينة الصامدة.
ويشهد على هذا التأثير المباشر أحد تلاميذه وجاره، جعفر حجير، الذي يصف الشيخ جعفر هاشم بأنه لم يكن مجرد إمام مسجد، بل وجها مألوفا يبعث الطمأنينة في النفوس، وابتسامة مُحببة وصديقاً للجميع في حارة "القريون".
يؤكد حجير للجزيرة نت أن الشيخ نجح في بناء جسور من المودة مع أهالي المدينة، حتى أصبح المرور بجانبه في أزقة الحارة أو إلقاء التحية عليه طقساً يومياً يشعر فيه الكبير والصغير بالارتباط الحقيقي بابن بلدهم البار.
ويضيف حجير أن رمضان مع الشيخ جعفر كان رحلة شحن للهمم، حيث كان يحول ليالي الشهر الفضيل إلى برنامج متكامل يجمع الصلاة والخشوع والنشيد الروحاني والمواعظ القلبية، مما يجعل المصلين يقضون ساعات طوال في رحاب المسجد دون شعور بالملل، مستمتعين بالتنوع والإبداع الذي يقدمه الشيخ في إدارة تلك الليالي المباركة.
من جهته، يؤكد الشيخ محمد ملاح، زميله في إذاعة القرآن الكريم، أن الحديث عن الشيخ جعفر هاشم يتجاوز السرد العادي، لأنه يجمع بُعدين متوازيين: دوره كإمام ومربٍ في مسجد التينة، وكصاحب برنامج "الكلمة الطيبة" الذي بات جزءاً من الطقوس الصباحية للفلسطينيين منذ أكثر من 25 عاما.
ويشير ملاح إلى أن الشيخ جعفر ترك "بصمة صوتية" واضحة، سواء في صلوات التراويح، أو في مبادرات "قيام الليل" التي كان يستقطب فيها كبار وصغار المقرئين لتعزيز الروحانية.
إعلانويستحضر ملاح الروائح المعنوية والجمالية التي تحيط بمسجد التينة، مؤكداً ارتباط المسجد وجدانياً بالشيخ جعفر وبشجرة التين التي أعطته اسمه، ويصف مشهداً مألوفاً لأجيال نابلس: الأطفال يلعبون في الأزقة القريبة من "باب الساحة" و"سوق نازل"، وما إن يحين وقت الصلاة حتى يتسابقوا للصلاة خلف الشيخ، منجذبين لصوته وروحانيته العالية.
يقول ملاح للجزيرة نت أن موهبة الشيخ جعفر كمنشد جعلته قريباً من الأطفال والشباب، الذين أحبوا فيه الإمام الذي يجمع بين وقار المحراب وجمال الأناشيد الرمضانية والتربوية.
وعن مسيرته الإذاعية، يؤكد ملاح أن الشيخ جعفر يتصدر برنامج "الكلمة الطيبة" منذ ما يقارب 25 عاما، بأسلوب يتميز بالفرادة والقدرة على تقديم مادة دسمة ومؤثرة حتى لو لم تتجاوز بضع دقائق، وقد نجح في جعل البرنامج في رمضان يتخذ ميزة خاصة، حيث تلامس مواضيعها روح الشهر الفضيل بأسلوب يجمع بين الهدوء والعمق.
ويبرز ملاح عبقرية الأداء لدى الشيخ جعفر باستخدام تعبير "عندما ترى الصوت"، مشيراً إلى قدرته على تجسيد المعاني من خلال نبرته ووقفاته المتزنة بين الجمل، مع محيّا مبتسم دائما، وهو ما كان سرّ قبوله الواسع.
كما امتد إبداعه لمشروع "رسائل الإيمان" والمداخلات الصوتية القصيرة، التي ربطت الدين بنبض الشارع والأحداث الجارية، مما جعله مرجعاً أخلاقياً وجمالياً لمتابعيه.
أيقونة نابلسيةويختتم ملاح شهادته بالتأكيد على أن جعفر هاشم ليس مجرد مقرئ أو إمام مسجد، بل هو جزء أصيل من "عبق التاريخ" في نابلس، وارتباط صوته بجدران البلدة القديمة وأزقتها جعله "رمزاً معنوياً" يذكر الناس بالقيم الأصيلة، فصوته المبتسم هو "كلمة نابلس الطيبة" الثابتة رغم تعاقب السنين.
ينتمي الشيخ جعفر إلى عائلة "هاشم" العريقة في نابلس، وهي عائلةٌ تضرب جذورها في أعماق التاريخ الفلسطيني. لكنّ السمة الأبقى التي تفتخر بها العائلة هي لقب "المشايخ وأهل العلم"؛ فبين جدران البلدة القديمة، وفي دار هاشم، عاش الشيخ فهمي هاشم، أحد المؤسسين الأوائل لمعهد النجاح (جامعة النجاح حالياً)، والشيخ حسين هاشم الذي شغل منصب مفتي نابلس في عهد الدولة العثمانية.
والشيخ منيب هاشم الذي تقلد عدة مناصب دينية رفيعة في عهد الدولة العثمانية وبعدها، منها مفتي طرابلس في ليبيا ثم مفتي نابلس.
هذا المزيج بين الوجاهة الاجتماعية والعمق الديني هو الذي صاغ شخصية الشيخ جعفر، وجعله امتداداً طبيعياً لجيل الرواد الذين حملوا لواء العلم والفتوى لقرون.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رمضان 2026 الکلمة الطیبة فی نابلس بل کان لم یکن
إقرأ أيضاً:
لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.
هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.
ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قويةشهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.
برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.
وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.
فن يعكس التحول نحو الواقعيةيمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.
فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.
ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.
لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكيإحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.
كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.
الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطةما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.
كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.
شاهد حجري على تاريخ متغيراليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.
إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.
وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.
الملك المفقود