يطلّ علينا في شهر رمضان المبارك السيد القائد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي- حفظه الله- بمحاضراته الرمضانية التي تمثل محطة إيمانية متجددة وزادًا روحيًا وفكريًا يعين الأمة على الثبات والوعي في زمن التحديات. فهي محاضرات لا تُستمع فقط، بل تُعاش، لأنها تنبع من هدى الله، ومن منبع القرآن الكريم، ومن علم آل البيت عليهم السلام، لتكون سفينة نجاة في زمن كثرت فيه الفتن وتعددت فيه أدوات التضليل.


هذه المحاضرات ليست خطبًا دينية تقليدية، بل مشروع قرآني متكامل يسعى إلى بناء الإنسان الواعي، المدرك لحقيقة الصراع بين الحق والباطل، ويمنحه البصيرة التي تحصّنه من المؤامرات التي تستهدف عقيدة الأمة وهويتها واستقلال قرارها. فهي تربي الوعي، وتعيد ترتيب المفاهيم، وتضع المسلم أمام مسؤوليته الدينية والإنسانية تجاه قضايا أمته.
وتزداد أهمية هذه المحاضرات في هذا التوقيت تحديدًا، إذ تتزامن مع واحدة من أشد المراحل قسوة التي تمر بها الأمة، وفي مقدمتها ما يعانيه أبناء غزة من حصار خانق وعدوان متواصل، وعمليات قتل وتدمير ممنهجة ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بدعم سياسي وعسكري مفتوح من أمريكا، في ظل خذلان عربي واضح وصمت رسمي مخزٍ كشف حجم التراجع الخطير في المواقف تجاه القضية الفلسطينية.
إن ما يجري في غزة لا يمكن فصله عن السياق العام للصراع في المنطقة، ولا عن الرؤية التي يطرحها السيد القائد في محاضراته، حيث يؤكد أن العدو الصهيوني لا يتحرك بمعزل عن منظومة الهيمنة الغربية، وأن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين ليست أحداثًا عابرة أو ردود فعل آنية، بل سياسة ثابتة تهدف إلى كسر إرادة الشعوب وفرض معادلات جديدة بالقوة. ويترافق ذلك مع استمرار الانتهاكات في لبنان، في محاولة واضحة لتوسيع دائرة التوتر وفرض واقع أمني يخدم المشروع التوسعي للاحتلال، مستفيدًا من حالة العجز الدولي والتواطؤ الغربي.
وتبرز المحاضرات الرمضانية بوصفها خطاب وعي وتحليل، لا يكتفي بإدانة الجرائم، بل يكشف جذورها الفكرية والسياسية، ويفكك الخطاب الزائف الذي يسعى إلى تبريرها أو تصويرها كدفاع عن النفس. كما تؤدي دورًا محوريًا في تعزيز الصمود الشعبي، سواء في اليمن أو في عموم الأمة، من خلال ترسيخ قناعة راسخة بأن الثبات على الموقف، والاعتماد على الله، والتمسك بالحق، هي عناصر أساسية في صناعة النصر، بغض النظر عن اختلال موازين القوة المادية. فالتجربة الفلسطينية، ومعاناة غزة على وجه الخصوص، تقدم نموذجًا صارخًا لنتائج الرهان على الوعود الدولية، التي لم تنتج سوى مزيد من الحصار والقتل والخذلان.
وتكمن أهمية هذه المحاضرات أيضًا في بعدها التربوي والفكري، إذ تعيد ربط القضايا الكبرى بالمنهج القرآني، وتؤكد أن الصراع الدائر ليس سياسيًا أو جغرافيًا فحسب، بل هو صراع وعي وقيم وإرادة. فهي تعلم الإنسان كيف يواجه الفتن بثبات، ويكتسب البصيرة التي تجعله واعيًا بحقيقة المعركة التي تستهدف وعي الأمة قبل أي شيء آخر، كما تسهم في تعزيز الوعي الجمعي، وتماسك المجتمع، وتحمله لمسؤولياته في الدفاع عن قيمه وهويته الإيمانية.
إن ما يطرحه السيد القائد يشكل إطارًا فكريًا جامعًا لفهم ما يجري في اليمن وفلسطين ولبنان ضمن معركة واحدة، عنوانها مواجهة الاحتلال والهيمنة والاستكبار. وهي محاضرات تعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية الجماعية للأمة، وتؤكد أن الصمت أمام الجرائم لا يعني الحياد، بل يمثل شكلًا من أشكال التواطؤ غير المعلن. وتعتبر المحاضرات الرمضانية للسيد القائد اليوم خريطة للأمة العربية والإسلامية، وتسليحًا للوعي، تمكّن الشعوب من فهم المعركة الكبرى واستشراف الطريق نحو الصمود والثبات إلى جانب قضايا الأمة العادلة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، مهما اشتد العدوان وتعاظم الخذلان.

المصدر

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

حصار وملاعب مدمرة.. كرة القدم الفلسطينية تتحدى العدوان وتعود للحياة

تستعد كرة القدم الفلسطينية للعودة إلى الملاعب مطلع سبتمبر/أيلول المقبل بعد توقف قسري دام قرابة 3 سنوات جراء الحرب الإسرائيلية. ورغم الدمار الواسع الذي طال المنشآت واستشهاد المئات من الأسرة الرياضية، تكافح الأندية في الضفة الغربية وقطاع غزة لاستعادة إيقاعها وسط أزمات مالية خانقة وقيود لوجستية، في خطوة يعتبرها الرياضيون بارقة أمل لإنعاش حلم الاحتراف وإعادة بناء المنظومة الكروية.

يركض نحو 25 لاعباً بين الأقماع البرتقالية على أرضية ملعب نادي "ثقافي البيرة" وسط الضفة الغربية المحتلة، بينما تراقب العيون الفنية تحركاتهم بشغف وحذر، بعد انقطاع طويل استمر قرابة 3 سنوات عن المنافسات الرسمية.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2تشلسي والهلال يقودان سباق الإنفاق القياسي في سوق الانتقالاتlist 2 of 2قبل شهر من انطلاق الدوري التونسي.. الكنزاري يخلف البنزرتي في النادي الأفريقيend of list

وبين تمريرة وأخرى، يحاول اللاعبون استعادة الإيقاع المفقود، تأهباً لعودة الروح إلى ملاعب كرة القدم الفلسطينية مطلع سبتمبر/أيلول المقبل، وذلك إثر إعلان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم استئناف الأنشطة الكروية في الضفة الغربية – بما فيها القدس الشرقية – وقطاع غزة والشتات.

لاعبو نادي البيرة وسط الضفة الغربية المحتلة خلال التدريب (الأناضول )

وتمثل هذه التدريبات أول استعداد فعلي لعودة المنافسات منذ توقف النشاط بفعل الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة والتصعيد في الضفة الغربية في أكتوبر/تشرين الأول 2023. إلا أن هذه العودة المنتظرة لا تعني تعافي الكرة الفلسطينية تماماً؛ فبينما تكافح أندية الضفة للتغلب على القيود الإسرائيلية والأزمات المالية، تواجه أندية غزة تحدياً وجودياً يتمثل في إعادة بناء فرقها بعد دمار هائل طال الملاعب والمنشآت، وفقدان عدد كبير من نجوم اللعبة.

عودة محفوفة بالتحديات والفجوات العمرية

ويؤكد مدرب نادي ثقافي البيرة، عمر البرغوثي، أن توقف النشاط الرياضي منذ أواخر عام 2023 أحدث فجوة فنية وبدنية عميقة في مستوى اللاعبين نتيجة الغياب التام للبطولات الرسمية.

إعلان

ويوضح البرغوثي أن سياسة تقطيع أوصال الضفة الغربية ونشر الحواجز العسكرية الإسرائيلية جعلت من تنقل الفرق مهمة شاقة، مشيراً إلى أزمة أخرى تتعلق بالأجيال الكروية: "اللاعب الذي كان يبلغ من العمر 28 عاماً عند توقف النشاط أصبح اليوم في 31 دون خوض أي منافسة رسمية، بينما فقدت المواهب الناشئة أهم سنوات تكوينها الرياضي، وهي خسارة لا يمكن تعويضها بسهولة".

عودة نشاط كرة القدم الفلسطيني بعد انقطاع لنحو 3 سنوات (الأناضول )

ويلفت المدرب إلى أن الاتحاد الفلسطيني ينظم حالياً بطولات تجريبية للمناطق تمهيداً للاستئناف الرسمي، معرباً عن أمله في أن تمهد هذه الخطوة لعودة الموسم الرياضي بشكله الطبيعي العام المقبل، شريطة توفر الدعم اللوجستي والاقتصادي اللازم للأندية.

أزمة مالية تثقل كاهل الأندية

ولا تقتصر تداعيات التوقف على الجانب الفني، بل تمتد لتخنق الأندية مالياً بعد نضوب مواردها. وفي هذا السياق، يشير المشرف الرياضي في نادي ثقافي البيرة، محمد سدر، إلى أن قرار عودة النشاط أعاد الأمل للرياضيين، لكنه اصطدم بواقع اقتصادي مرير.

ويضيف سدر: "نواجه صعوبات جمة، أبرزها الارتفاع الباهظ في تكاليف إقامة المباريات الودية وصعوبة التنقل. لقد اضطر العديد من اللاعبين خلال فترة التوقف للبحث عن أعمال بديلة لتأمين لقمة العيش، وتركيزنا ينصب حالياً على إعادة تأهيلهم بدنياً بالاعتماد على أبناء النادي حصراً لصعوبة إبرام تعاقدات جديدة".

أحلام الاحتراف معلقة بانتظار الصافرة

وعلى الصعيد الفردي، تبددت طموحات العديد من المواهب الشابة، وهو ما يؤكده باسل حرباوي، لاعب المنتخب الفلسطيني للناشئين ونادي ثقافي البيرة، مبيناً أن الحرب لم تدمر الحجر فقط، بل أصابت الأحلام الرياضية في مقتل.

ويقول حرباوي إن غياب المنافسات الرسمية والبطولات التنافسية أجبر اللاعبين على اللجوء للبطولات الأهلية البسيطة للحفاظ على لياقتهم، مضيفاً: "حلمي بالاحتراف الخارجي تأثر بشدة، فالسنوات التي كان يُفترض أن نصقل فيها خبراتنا ضاعت في ظل التوقف". ورغم ذلك، يتمسك اللاعب الشاب بالأمل في أن تكون العودة المرتقبة خطوة نحو تمثيل المنتخب الوطني الأول وتحقيق حلم الاحتراف.

ثمن باهظ وخطوات تدريجية

وكان الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم قد رسم ملامح المرحلة القادمة، حيث أكدت الناطقة باسم الاتحاد ديما يوسف أن المرحلة الأولى من العودة في سبتمبر/أيلول ستكون "تنشيطية فقط"، ولن يُعتمد فيها نظام الصعود والهبوط، ريثما يتم ترتيب المشهد الرياضي وتأهيل المنشآت لإطلاق الموسم الثامن من دوري المحترفين العام المقبل.

إسرائيل دمرت مقر نادي الهلال وملعبه في قطاع غزة (اللجنة الأولمبية الفلسطينية) 

وكشفت يوسف عن حجم الفاتورة الباهظة التي دفعتها الرياضة الفلسطينية قائلة: "لقد دفعنا ثمناً غالياً خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتقاء أكثر من ألف شهيد من الأسرة الرياضية، وإصابة وفقدان الآلاف، فضلاً عن تدمير شبه كامل للبنية التحتية الرياضية".

وتأتي هذه التحركات الكروية وسط واقع سياسي وميداني معقد؛ فبعد اندلاع الحرب في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخل اتفاق لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تاركاً خلفه حصيلة ثقيلة تجاوزت 73 ألفاً شهيد و173 ألفاً جريح، في وقت تواصل فيه إسرائيل خروقاتها اليومية وتشديد حصارها الخانق، لتظل كرة القدم الفلسطينية تبحث عن مساحتها الخاصة للتنفس وسط هذا الركام.

إعلان

مقالات مشابهة

  • المقاومة الفلسطينية تنفذ 24 عملية ضد العدو الصهيوني بينها عمليتا طعن
  • رياض منصور : اختيار القاهرة لاستضافة مؤتمر القدس يعكس دور مصر التاريخي في دعم القضية الفلسطينية
  • صالون الثقافة الجماهيرية بطوخ يستعرض دور القوة الناعمة في تعزيز الوعي
  • احذر .. منشور غير صحيح على السوشيال ميديا يقودك للحبس 6 أشهر وغرامة مالية
  • طارق صالح: ثورة 23 يوليو رسخت دور الجيوش الوطنية في حماية الشعوب
  • حزب الأمة يطلق تحذيراً شديد اللهجة بشأن تطورات خطيرة في المنطقة
  • حفل توقيع كتاب “على هذه الأرض” للكاتبة أفنان العديني
  • انطلاق الحملة التوعوية والإرشادية الكبرى لرفع مستوى الوعي المروري بالبحر الأحمر
  • من بورسعيد إلى أسيوط .. الثقافة تحتفي بالوطن وتصنع الوعي في المحافظات
  • حصار وملاعب مدمرة.. كرة القدم الفلسطينية تتحدى العدوان وتعود للحياة