بوابة الوفد:
2026-07-24@02:33:03 GMT

انتخابات المحليات.. بوابة الإصلاح السياسي في مصر

تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT

 

انتخابات المحليات في مصر حلم معطل منذ عام 2011، حين تم حلّ وتعطيل المجالس الشعبية المحلية في أعقاب أحداث ثورة 25 يناير، لتدخل الإدارة المحلية مرحلة فراغ دستوري ومؤسسي امتدت لأكثر من عشر سنوات.

خلال تلك السنوات العجاف، تم تجفيف منابع أهم مدرسة لصناعة السياسيين وتأهيل الشباب، وهي مدرسة المجالس الشعبية المحلية، التي شكلت على الدوام همزة الوصل بين المواطن والجهاز التنفيذي للدولة، والذراع الشعبية الداعمة للقيادة السياسية، فتحولت بعدها المحليات من ساحة للمشاركة السياسية والتنموية إلى مجرد إدارة تنفيذية منعزلة عن ظهيرها الشعبي الطبيعي.

ومع غياب الرقابة الشعبية وانعدام المساءلة، تحولت الإدارة المحلية إلى كيان بيروقراطي متضخم، يمارس سلطاته بلا وازع من ضمير مجتمعي أو رادع رقابي، فأصبحت القرارات تُتخذ في أبراج عاجية منفصلة عن هموم المواطن البسيط، وتحولت المكاتب التنفيذية إلى ثكنات مغلقة تصدر أوامرها وكأنها وصاية على شعب لا صوت له.

في هذا الفراغ الرهيب، أصبحت الإدارة المحلية آلة تنفيذية صماء، تفتقر إلى أي روح مجتمعية، وتصنع من البيروقراطية سوطًا يُجلد به المواطن العادي، بينما تبقى هي بمنأى عن أي محاسبة شعبية، في مشهد يعيد إنتاج الاستبداد الإداري تحت ستار القانون.

إن الدول التي تريد أن تبني مستقبلها على أسس راسخة، لا تبدأ الحكاية من قمة الهرم، بل من قاعدته، هنا حيث الشارع والقرية والحيّ، حيث المدرسة والوحدة الصحية ورغيف الخبز وكوب الماء، تتشكل حقيقة الدولة في وجدان مواطنيها، ومن هنا تكتسب انتخابات المجالس الشعبية المحلية في مصر معناها العميق؛ فهي ليست مجرد استحقاق انتخابي دوري، بل إعادة وصل بين الدولة والمجتمع، وتجديد روح اللامركزية، وإعادة توزيع عقلاني للمسؤولية والرقابة والقرار.

لقد نصّ الدستور المصري على دعم اللامركزية الإدارية والمالية والاقتصادية، وأن يكون لكل وحدة محلية مجلس منتخب يمارس اختصاصاته في الرقابة والمتابعة وإقرار الخطط والموازنات المحلية، لكن غياب المجالس المحلية المنتخبة لسنوات طويلة خلق فجوة مؤسسية، وجعل مجلس النواب يتحمّل أعباءً يومية تتعلق برصف طريقٍ أو إصلاح صرف صحي أو إنشاء مدرسة، وهي مهام بطبيعتها تنفيذية محلية لا تشريعية وطنية، ومن هنا، فإن إعادة انتخاب هذه المجالس يمثل نقطة تحول كبرى نحو استعادة التوازن المؤسسي داخل الدولة.

 

المحليات… مدرسة اللامركزية ومختبر الكفاءة

إن تطبيق اللامركزية ليس ترفًا إداريًا، بل ضرورة تنموية، فمصر تضم 27 محافظة وأكثر من 90 مركزًا وما يزيد على 300 مدينة ونحو 4,600 قرية، يعيش فيها أكثر من 105 ملايين مواطن. 

هذا الحجم السكاني والجغرافي المتنوع لا يمكن إدارته بكفاءة كاملة من مركز واحد، وهو ما يستلزم نقل بعض الاختصاصات والموارد إلى الوحدات المحلية، لتحقيق استجابة أسرع للمشكلات، وتقليل البيروقراطية، وتعظيم الاستفادة من الموارد، والتجارب الدولية تؤكد ذلك؛ فوفق بيانات البنك الدولي، تسهم الحكومات المحلية في العديد من الدول النامية بما يقارب 30% إلى 40% من إجمالي الإنفاق العام على الخدمات الأساسية.

وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يصل متوسط الإنفاق المحلي إلى نحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي، هذه الأرقام تعكس حقيقة واحدة: أن التنمية الفعالة تبدأ من المحليات.

إن المحليات تمثل الواجهة اليومية للدولة؛ فهي المسؤولة عن الإشراف على المرافق العامة، من مدارس ووحدات صحية وأسواق ومرافق خدمية، وعن التخطيط العمراني المحلي ومتابعة مشروعات البنية التحتية، فالمواطن العادي قد لا يطرق باب البرلمان، لكنه يطرق باب الحيّ والمركز والمحافظة، لذلك فإن جودة الحياة اليومية مرتبطة مباشرة بكفاءة الإدارة المحلية.

كما تعد المجالس الشعبية المحلية أدوات رقابية وتشريعية محلية، ووجود مجلس منتخب في كل وحدة محلية يعني أن قرارات الرصف والتخصيص والتراخيص والمشروعات الخدمية ستخضع لنقاش علني ومساءلة دورية، وهذه الرقابة الشعبية تمثل خط الدفاع الأول ضد الفساد الإداري وسوء استخدام السلطة والموارد.

كما أن عودة المحليات تخفف الضغط عن مجلس النواب، الذي مازال مضطرًا للانشغال بطلبات إحاطة وأسئلة تتعلق بمشكلات محلية بحتة، لا تشريعية ولا قومية، وهو ما أضعف أداء البرلمان خلال السنوات الماضية.

 

 استحقاق دستوري ومسار إصلاحي

انتخابات المجالس المحلية ليست مجرد خيار سياسي، بل استحقاق دستوري طال انتظاره، وقانون الإدارة المحلية المرتقب يمثل حجر الزاوية في تفعيل هذا الاستحقاق، عبر تحديد الاختصاصات بدقة، وضبط العلاقة بين المحافظين والمجالس المنتخبة، وإقرار موازنات محلية أكثر شفافية.

كما أن تفعيل القانون وإعادة انتخاب المجالس المحلية يعني إقرار مبدأ أن الموارد المحلية يجب أن تُدار بما يتناسب مع احتياجات السكان الفعلية؛ فقرية تعاني من نقص مياه الشرب ليست كحيّ يعاني من تكدس مروري، ومحافظة ساحلية ليست كمحافظة صحراوية، وهنا يكون دور المجالس المحلية في ترتيب الأولويات وفق الواقع والضرورة، لا وفق تصورات مركزية عامة.

إن الدولة التي تريد أن تبني جمهوريتها الجديدة على أسس قوية، لا بد أن تُحكم بناء الأساس، والمحليات هي هذا الأساس؛ فهي بوابة الدولة إلى الناس، وبوصلة الإصلاح من القاعدة، والرافعة التي يمكن أن تحمل مشروع التنمية إلى كل قرية ونجع وحيّ في مصر.

يا سادة: لابد وأن نسلم جميعاً لحقيقة واحدة وهي أن المجالس المحلية «فريضة غائبة» لابد وأن تعود وأن تعود «فريضة مقدسة» لا يجوز انتهاك قدسيتها.

لابد وأن نسلم بأن غياب المجالس المحلية كان السبب وراء الهروب الشعبي الكبير من لجان الاقتراع في مجلسي الشيوخ والنواب، واستجلاب ناخبين «بالأجرة» لإضغاء الشرعية على العملية الانتخابية.

لابد وأن نعلم أن انتخابات المحليات ليست حدثًا عابرًا في مسيرة السياسة، بل خطوة مفصلية في مسار بناء دولة حديثة، شفافة، قادرة، تستند إلى المشاركة الشعبية والمساءلة، وتؤمن بأن الطريق إلى القاهرة يبدأ من القرية، وأن قوة الدولة تُقاس بقوة محلياتها.

المصدر

المصدر: بوابة الوفد

كلمات دلالية: انتخابات المحليات الإصلاح السياسى مصر

إقرأ أيضاً:

المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي

وجه المحامي والمناضل السياسي العياشي الهمامي رسالة من داخل سجنه، دعا فيها إلى ضرورة إنهاء مرحلة " العبث" واستقالة الرئيس قيس سعيد لأنها باتت "ضرورة" في ظل الوضع الذي تعرفه البلاد .

وشدد المحامي السجين العياشي الهمامي أن المخرج من "الانقلاب" يكون باستعادة الديمقراطية ودولة القانون والمؤسسات وسراح المساجين والمعارضين.

وقال الهمامي مخاطبا الرئيس سعيد :" إن استقالتَك ليست مطلبًا سياسيًا، بل ضرورةً وطنية عاجلة، لقد فشلتَ، وفقدتَ الشرعية، واستنفدت صبر التونسيين ولم يعد استمرارك في الحكم سوى إمعانٍ في استنزاف الدولة والمجتمع، وتعميقٍ للأزمة، وتأخيرٍ للخروج منها".

وأكد" استقِل، وافتح الطريق أمام إنهاء هذه المرحلة، وإعادة الكلمة إلى الشعب، خمسُ سنوات عجاف مرّت منذ أن انقلبتَ على الدستور الذي أقسمت على احترامه، وافتككتَ كلّ السلطة بلا حسيب أو رقيب أو رادع".

واعتبر أن" المخرج ليس الفراغ ولا الفوضى، ولا استبدال شخصٍ بآخر، ولا الانتقال من استبداد إلى استبداد آخر، المخرج هو استعادة الديمقراطية، دولةٌ يحكمها القانون لا الفرد، ومؤسساتٌ مستقلة، وقضاءٌ مستقلّ، وانتخاباتٌ تنافسية، وحرياتٌ مصونة، وسياساتٌ تعيد للدولة وظيفتها في خدمة مواطنيها، وتنمية تؤمن الرفاه للجميع".

وقال إن:" الإنقاذ يبدأ بالقطع مع سابقة الانقلاب من خلال استعادة الشرعية الدستورية وإرساء أسس دولة القانون، وإلغاء المراسيم القمعية، وإطلاق سراح المساجين السياسيين، وتعليق المحاكمات السياسية، والقطع الصريح مع الخطاب والسياسات التي غذّت العنصرية والكراهية والتمييز، وإعادة الاعتبار لقيم المساواة والكرامة الإنسانية، وتنظيم مرحلة انتقالية تستجيب للأولويات الاقتصادية والاجتماعية، وتمهّد لانتخابات ديمقراطية حرّة تعيد الكلمة إلى الشعب".

وشدد الهمامي، "لقد آن لهذه المرحلة أن تنتهي، حتى تعود الكلمة إلى الشعب، والسلطة إلى القانون، والدولة إلى مواطنيها ومواطناتها".

كما تساءل الهمامي" فماذا أنجزتَ للناس، عدا الخوف والظلم والجوع؟ وماذا حقّقتَ للبلاد، غير التفكّك والاهتراء والتأخر والفشل؟ وعدتَ الناس بالرخاء، فلم يجنوا سوى الغلاء والفقر وانسداد الأفق".

وخاطب الهمامي في رسالته سعيد قائلا:" حوّلتَ القضاء إلى أداة للقمع والتنكيل، وتصفية المعارضات، وخنقِ الصحافة والإعلام، وسجنِ المواطنين بسبب رأي أو تدوينة، وإعادة مناخ الخوف والرقابة الذاتية، خوّنتَ المجتمع المدني، وكبّلتَ العمل النقابي، وأوصدتَ أبواب الحوار، واستهدفتَ بالقمع كلّ حراكٍ شعبي أو تضامني". 

وتابع" وضعتَ دستورك الفردي ورفضتَ حتى إرساء مؤسساته، فتركتَ البلاد في حالةٍ دائمة من الغموض وشبح الفراغ، أفرغتَ الانتخابات من معناها حين تلاعبت بشروطها وسجنت جلّ منافسيك، فأعدت تونس إلى عهد الانتخابات الهزلية وأغلقت باب التداول السلمي على السلطة".



وأضاف" أما السيادة التي رفعتَ شعارها، فقد فرّطتَ فيها، رهنتَ البلاد لدور حراسة الحدود الأوروبية مقابل بعض المال والاعتراف السياسي، فحوّلتها إلى سجنٍ لأبنائها وكابوسٍ لمن اضطرّ إلى العبور عبرها بحثًا عن أفقٍ أرحب، وغطّيتَ ذلك بشعارات سيادوية ونظريات عنصرية بائسة".

وزاد" جعلت من المهاجرين شماعةً لفشلك، ومنحتَ غطاءً سياسيًا لاعتداءات عنصرية طالت حتى التونسيين السود، زرعتَ الكراهية، وجعلتَ الاختلاف تهمة، والنقد جريمة، والمعارضة خيانة.

وأكد الهمامي أن حصيلة سعيد " كارثية حيث جمع بين السلطة المطلقة واللامسؤولية المطلقة، وظل يرمي بفشله على عاتق أعداء وهميين"

وأكد" الشرعية لا تأتي من احتكار السلطة، ولا تُصنع باستفتاءات صورية، ولا بانتخابات على المقاس، بل من حرية الاختيار، واستقلال المؤسسات، وسيادة القانون، والحاكم لا يبقى لأنه يرفض الرحيل، بل لأنه يقبل الاحتكام إلى شعبه.د وما كان انقلابًا على الدستور لا ينبغي أن يصبح قدرًا للوطن".

ويقبع الهمامي بالسجن منذ نهاية عام 2025 ، بعد صدور حكم ضده يقضي بسجنه 5 أعوام في ما يعرف بملف "التآمر".

وسبق أن توجه الهمامي عند اعتقاله برسالة للمعارضة والمجتمع المدني بضرورة التوحد للتصدي " للاستبداد" و" الانقلاب" واسترجاع الحرية .

مقالات مشابهة

  • المعتقل السياسي العياشي الهمامي لقيس سعيد: استقل لقد آن لمرحلتك أن تنتهي
  • “حواء”: المحاصصات أسهمت في تشكيل المشهد السياسي الليبي
  • حسني بي: أزمة الكهرباء في ليبيا ليست أزمة محطات.. بل أزمة إدارة وحوكمة ودعم
  • “قضاء أبوظبي” تعرض إنتاج الرطب بمراكز الإصلاح في مهرجان ليوا 2026
  • رابط نتيجة الثانوية العامة 2026 بالاسم ورقم الجلوس.. تفاصيل الاستعلام عبر بوابة الأسبوع
  • ضوابط جديدة لقيد شركات إعادة التأمين ورفع معايير التعامل مع الشركات المحلية والأجنبية
  • الحركة الشعبية من مالقة تؤسس لمرحلة جديدة مع مغاربة العالم.. لقاء سياسي يرسخ المشاركة من داخل المؤسسات
  • شركة التطوير العقاري المحلية “اليكة” تنجز وتسلم أول مشاريعها بنظام التملك الحر في الموعد المحدد
  • النائب العام: 65% من المنتجات الزراعية المحلية تحتوي على متبقيات مبيدات.. و45% تتجاوز الحدود المسموح بها
  • 27 حزبا فقط يتنافسون في انتخابات 23 شتنبر مقابل 31 في انتخابات 2021