الرباط– مع حلول رمضان المبارك، لا يستقبل المغاربة مناسبة دينية وروحية فحسب، بل ينتقلون إلى زمن اجتماعي مغاير، تتبدل فيه ساعات اليقظة والنوم، وتتغير وتيرة الحركة في الشوارع والأحياء والأسواق، ويعاد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأولويات الحياة اليومية على إيقاع الصيام.

تتراجع وتيرة الحركة والاستهلاك نهارا لتتصاعد في المساء قبيل ساعة الإفطار، إذ تتحول الأسواق إلى خلايا نحل تتسارع فيها الحركة ولا تخف إلا مع اقتراب أذان صلاة المغرب.

اقرأ أيضا list of 4 itemslist 1 of 4بـ5 عادات تقليدية.. المغاربة يحيون العشر الأواخر من رمضان بطقوس متجذّرةlist 2 of 4إفطار على الحدود المغربية الجزائرية يأسر قلوب مغردين فما القصة؟list 3 of 4في استقبال شهر رمضان.. مشاهد فلكية رائعة تنتظرك في السماءlist 4 of 4في رمضان تختلف قصص الشعوب وعاداتهم.. تعرف على أبرزهاend of list

تتحول الأزقة إلى فضاء حميمي تفوح منه روائح تنعش الذاكرة والوجدان، روائح الحريرة وهي الحساء الذي يشكل العنوان الرئيسي للمائدة المغربية، ويحضر إلى جانبها التمر وحلوى "الشباكية" وطبق "سلّو" في استمرارية لطقوس وتقاليد متوارثة عبر الأجيال، مع لمسات عصرية للجيل الجديد من معجنات محشوة وسلطات خضراوات وفواكه ومشاوي وأسماك.

الملابس التقليدية حاضرة في شهر رمضان (الجزيرة)

تتجاوز مائدة الإفطار بعدها الأسري كفضاء لتجمع العائلة الصغيرة والكبيرة، لتصبح مساحة تضامن اجتماعي أوسع عبر تنظيم موائد إفطار جماعية في الأحياء الشعبية وحملات توزيع السلال الغذائية على الأسر المحتاجة، وتنظيم موائد إفطار مجانية للعابرين والمعوزين في المقاهي والمطاعم، إلى جانب توزيع صناديق الإفطار على المسافرين في الطرق، وهي كلها ممارسات تعكس حضور البعد التكافلي في الثقافة المغربية.

حيوية الليالي

بعد الإفطار تستعيد المدن حيويتها، فتمتلئ المساجد الكبيرة والصغيرة وساحاتها والشوارع المحيطة بها بالمصلين بملابسهم التقليدية في صلاة التراويح.

ويتخذ المشهد بعدا رمزيا في معالم دينية كبرى مثل مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء ومسجد حسان بالرباط، إذ يصطف آلاف المصلين جنبا إلى جنب في صفوف متراصة وخشوع كبير يعكس وحدة جماعية نادرة.

إعلان

وبينما تتنافس المساجد على اختيار أفضل القراء وأشجاهم صوتا لأداء صلاة التراويح، يحرص المصلون على التنقل بين المساجد طيلة أيام رمضان للاستمتاع بأصوات أكبر عدد من القراء، ومنهم من يسافر إلى المدن المجاورة للصلاة خلف شيوخهم المفضلين.

تتحول المساجد إلى فضاء للتنافس بين الصغار والكبار وبين الرجال والنساء في مسابقات قرآنية تعكس تمسك المغاربة بحفظ القرآن الكريم وتجويده، فيما تحرص العديد من المساجد على تنظيم أمسيات للتبرع بالدم بعد صلاة التراويح والتي تلقى إقبالا من المصلين الصائمين الراغبين في نيل مزيد من الأجر والثواب.

وتحتفظ القراءة القرآنية في المغرب بخصوصيتها من خلال تقليد الحزب الراتب وهو نظام تلاوة جماعية يومية برواية ورش عن نافع يعود إلى القرن السادس الهجري، لكنه ما زال محفوظا ومستمرا في المساجد يسهم في صون هوية دينية مغربية خاصة ويقوي الانتماء إلى مرجعية روحية مشتركة.

ما تزال شخصية "النَّفَّار" تجوب الأزقة قبيل صلاة الفجر في بعض المدن العتيقة، ويضرب على الطبل لإيقاظ السكان إلى السحور، ورغم أن المنبهات الحديثة والهواتف قلصت الحاجة إليه إلا أن بعض الشباب يحاولون إحيائها واستحضارها من الذاكرة لتظل صامدة بوصفها رمزا لاستمرارية التراث داخل نسيج حضري متحول باستمرار.

ويميل السحور المغربي إلى البساطة، شاي وزيت زيتون وخبز وجبن و "سلو" أو "ياغورت" (زبادي) وفاكهة، لكنه يمثل لحظة تأمل هادئة تسبق عودة دورة الصيام.

رمضان يجمع الأجيال

عاشت الحاجة فاطنة بوعنان تغيرات رمضان في العقود الماضية ما بين بادية دكالة وأحياء الدار البيضاء الشعبية. تعود بذاكرتها إلى سبعة عقود خلت، حين كانت مائدة الإفطار بسيطة وتقتصر على حساء "الحريرة" ومعجنات مثل "المسمن" و"البغرير"، والقهوة بالحليب.

وتتذكر كيف كان جميع أفراد العائلة في القرية يجتمعون مرة كل أسبوع، ويحضر كل فرد طبقا من المكسرات والمعجنات، ويسهرون يتبادلون الأحاديث إلى موعد السحور.

وحتى عندما استقرت في المدينة، تروي للجزيرة نت أن رمضان ارتبط بالطقوس الجماعية بين الجيران، إذ كانت النساء يجتمعن لتنقية السمسم واليانسون وغيرها من المكونات التي تدخل في إعداد "سلو"، كما كن يجتمعن يوما آخر لإعداد حلوى "الشباكية" بشكل جماعي.

حساء الحريرة ركن أساسي في المائدة الرمضانية (الجزيرة)

تصف رمضان في الماضي بأنه لم يكن شهر تبذير، وتقول "كنا نعد ما نستطيع أكله، ونتبادل مع الجيران الأطباق التي نعدها، فمثلا أعطي لجيراني طبقا من "سلو" ويرسلون لي في المقابل لأتذوق ما أعدوه من "حريرة" أو "شباكية"".

تسترجع تلك الأيام البعيدة، وتردد " تغيرت أشياء كثيرة، والعلاقات بين الجيران لم تعد بنفس الحميمية والقوة، لكن مع ذلك لم تتغير في داخلي روح رمضان".

أما بالنسبة للمعلمة الشابة هاجر الدخيلة، فإن رمضان مختلف عن باقي الشهور لعظمته وأجوائه المميزة.

ملامح ترفيهية

تقول هاجر للجزيرة نت إن للشهر الكريم مكانة خاصة في قلبها، فهو ينقلها من العبادات العادية إلى العبادة المجتهدة التي تتسع لتشمل النوافل والصدقات وإصلاح ذات البين والتكافل والسؤال عن الغير، لافتة إلى أن التقاليد والعادات المحلية والاستعدادات للشهر وفق الطريقة المغربية تضفي عليه لمسة خاصة ونكهة مميزة تجعله من أفضل الشهور وأعظمها.

إعلان

إلى جانب الطقوس الدينية والعادات الغذائية، يحتفظ رمضان في المغرب بملامح ترفيهية، فبعد صلاة التراويح تستعيد الحياة الليلية حيويتها لكن بروح مختلفة، يتوزع المغاربة بين السهرات العائلية في البيوت أو جلسات الرفاق والأصدقاء في المقاهي أو الألعاب الشعبية في الأزقة، فيما تظل لدوريات كرة القدم الرمضانية نكهة أصيلة في الأحياء الشعبية وخصوصية تميز رمضان في المغرب.

ولا تفوت الجمعيات والمؤسسات هذه المناسبة دون تنظيم حفلات في السماع والمديح لإحياء التراث الفني الأصيل ونقله إلى الأجيال الشابة.

يشكل رمضان في المغرب لوحة اجتماعية متكاملة وموسما روحيا واجتماعيا مكثفا تعيد فيه الجماعة اكتشاف ذاتها وتوطد العلاقات بين أفرادها، وتستحضر هويتها وذاكرتها المشتركة، وتختبر قدرتها على التماسك والتضامن والتسامح.

المصدر

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رمضان 2026 صلاة التراویح فی المغرب رمضان فی

إقرأ أيضاً:

تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث

 

مسقط- الرؤية

في إنجاز دولي جديد يضاف إلى رصيد الضيافة العُمانية والمجموعات السياحية والثقافية في سلطنة عُمان، تُوِّج مطعم "روزنة" بجائزة عالمية رفيعة المستوى ضمن جوائز سياحة الطهي العالمية لعام 2026 (Global Culinary Travel Awards)، والتي تمنحها الجمعية العالمية لسياحة الغذاء (World Food Travel Association).


 

وحصد مطعم "روزنة" المركز الأول عالميًا عن فئة "أفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث" (Best Heritage-Inspired Dining Experience)، متفوقًا على العديد من الوجهات والمطاعم العالمية الهامة التي نافست في القائمة النهائية لهذه الفئة.

وجاء في بيان لجنة التحكيم الدولية أن اختيار "روزنة" للفوز بهذه الجائزة المرموقة يأتي تقديرًا لالتزامه الاستثنائي والمستمر في الحفاظ على تراث الطهي العُماني الأصيل، والترويج له، والاحتفاء بخصوصيته وثقافته الغنية، وتقديمه للزوار والسياح كجزء لا يتجزأ من الهوية الثقافية للسلطنة.

وعبّر سليمان بن سيف الكندي المدير العام لمطعم روزنة عن فخره بهذا التكريم الدولي، وقال: "إن هذا الفوز ليس مجرد جائزة للمطعم، بل هو احتفاء عالمي بالمطبخ العُماني الأصيل وبعراقة وتاريخ كرم الضيافة في سلطنة عُمان. لقد حرصنا منذ اليوم الأول في روزنة على ألا نقدم مجرد وجبات طعام، بل تجربة حية تأخذ الزائر في رحلة عبر الزمن ليتعرف على أدق تفاصيل موروثنا الغذائي ومعمارنا التقليدي. ونُهدِي هذا الإنجاز لكل محبي التراث العُماني، ولطاقم العمل الذي يعمل بشغف لتقديم نكهاتنا التقليدية بأعلى معايير الجودة العالمية".


 

ويأتي هذا الإنجاز تتويجًا للجهود المشتركة بين مطعم روزنة ووزارة التراث والسياحة في إبراز المطبخ العُماني الأصيل، وصون التراث الغذائي الوطني، وتقديمه للزوار من مختلف أنحاء العالم من خلال تجربة تجمع بين النكهات العُمانية الأصيلة، والضيافة العُمانية، والهوية الثقافية المتجذرة.


 

ويعكس هذا التقدير الدولي المكانة المتنامية التي تحتلها سلطنة عُمان على خارطة سياحة المأكولات وفنون الطهي العالمية، ويؤكد نجاح الجهود الوطنية الرامية إلى توظيف الموروث الغذائي والثقافي كأحد المحركات الرئيسية للتنمية السياحية المستدامة.


 

وتُعد "جوائز سياحة الطهي العالمية" التي تنظمها الجمعية العالمية لسياحة الغذاء (WFTA)، واحدة من أهم المنصات الدولية التي تُعنى بتقدير التميز والابتكار في قطاع سياحة الأطعمة والتجارب السياحية المرتبطة بالطهي حول العالم، ويشكل فوز مطعم عُماني بهذه الفئة التراثية تحديدًا اعترافًا دوليًا بمكانة سلطنة عُمان كوجهة رائدة لسياحة الثقافة والطهي في المنطقة.


 

مقالات مشابهة

  • مواقيت الصلاة في أسوان اليوم الأربعاء 3-6-2026
  • دراسة تكشف تأثير مكونات الإفطار على استقرار سكر الدم ‏
  • تقليص مراكز التأشيرات الأمريكية في إفريقيا يثير تساؤلات بالمغرب حول مصير طالبي التأشيرة
  • فرج عامر: وليد الركراكي أحد أبرز المدربين في تاريخ الكرة المغربية الحديثة
  • تحترق المكتبات وترحل المرويات!
  • تتويج مطعم "روزنة" بالجائزة العالمية لأفضل تجربة طعام مستوحاة من التراث
  • سلامة من طرابلس: حماية التراث مسؤولية لا تتوقف رغم الأزمات
  • عمر احجيرة: تحول في خريطة التجارة المغربية مع تراجع حصة أوربا لفائدة آسيا والأمريكيتين
  • التلفزة المغربية تحصل على حقوق بث مباريات المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم 2026
  • موعد اذان المغرب.. مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 2 يونيو 2026 بالقاهرة والمحافظات