حماية القاصرين بين الواجب والمسؤولية
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
د. محمد بن خلفان العاصمي
كغيرنا من المجتمعات نواجه تحديات متعددة على مستوى المشكلات الاجتماعية التي تتعلق بالسلوكيات الخاطئة التي يتعرض لها القاصرين من الجنسين، وتُعدّ حماية القاصرين من القضايا الإنسانية والاجتماعية الهامة والتي تعكس مدى وعي المجتمع بما يدور في عالم متغير ذو طبيعة خاصة وتحديات متنوعة.
الأطفال هم المستقبل الذي يحمل آمال الأمة، واستقراره النفسي والجسدي والأخلاقي هو الأساس لبناء أجيال قادرة على الإسهام في تنمية المجتمع وتطوره وازدهاره. وبالتالي فإن حماية القاصرين ليست مسؤولية فردية، بل هي واجب جماعي تشترك فيه عدة جهات وتبدأ من الأسرة ثم تأتي بعدها المدرسة والمؤسسات التعليمية الأخرى، ومن ثم المؤسسات الرسمية ذات العلاقة ومؤسسات المجتمع المدني والمجتمع كافة.
والأسرة هي اللبنة الأساسية وهي البيئة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، ومن خلالها تتشكل شخصيته وقيمه وسلوكياته وميوله واتجاهاته. وتقع على عاتق الأسرة مسؤولية كبيرة تتمثل في توفير بيئة آمنة قائمة على الحب والاحترام والاحتواء والتحاور والمناقشة والتفاهم والاستماع له. وتقع على الوالدين مسؤولية مراقبة سلوك أبنائهم فهم أقرب من يمكنه ملاحظة التغيرات السلوكية لديه، كما أن عليهم متابعة علاقات ابناءهم الاجتماعية واختيارهم للصداقات التي يكونونها مع الآخرين ومساعدتهم في ذلك من خلال التوجيه والإرشاد السليم، ويجب على الآباء توجيه ابناءهم نحو الاستخدام الآمن للتقنيات الحديثة خاصة مع ما نشاهده الآن من ثورة تكنولوجية وطفرة متسارعة تجتاح العالم وتتطور كل يوم، كل ما سبق يجب ان يترافق مع تعزيز الثقة المتبادلة بين الآباء والأبناء، هذه الثقة التي تمكّن الطفل من الإفصاح عن مشكلاته دون خوف أو تردد أو خشية من العقاب.
أما ثاني العناصر التي تساهم في حماية الأطفال فهي المدرسة والمؤسسات التعليمية والتربويّة؛ حيث تؤدي دورًا محوريًا في حماية القاصرين، فهي المكان الذي يقضي فيه الطفل جزءًًا كبيرًا من يومه، وفيها يلتقي الطفل بأقرانه، وتنشأ بينهم علاقات شخصية تتلاشى فيها الحواجز والأسرار، وهنا تبرز مسؤولية هذه المؤسسات من خلال تعزيز منظومة القيم الأخلاقية، ونشر ثقافة الاحترام والحوار والإفصاح عن أي شيء، كما يتم خلال هذه المؤسسات اكتشاف أي مؤشرات للإهمال أو الإساءة في وقت مبكر، أو هكذا ينبغي، فهذه المؤسسات لا يقتصر دورها على تقديم المعرفة للطلبة، بل هي حاضنات تعنى بغرس السلوك الإيجابي والصحيح لدى الطفل، وهي مؤسسة مسؤولة عن إخراج فرد صالح للمجتمع، وعليها يقع جزء من عبء التنشئة الاجتماعية. وفي سبيل ذلك يجب أن تتوفر في هذه الكيانات جميع الأدوات والوسائل الضرورية لتحقيق هذا الهدف لا سيما خدمات الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتهيئة بيئة تعليمية آمنة تشجع على الحوار والتعبير عن الرأي والكوادر البشرية المؤهلة تأهيلًا علميا ومهنيا عاليًا للقيام بهذا الدور.
وتشترك الجهات الحكومية ذات الاختصاص ومؤسسات المجتمع المدني في هذا الدور، حيث تبرز كأحد العناصر الأساسية لحماية القاصرين، وتقع على عاتقها مسؤولية سنّ القوانين التي تحميهم من جميع أشكال العنف والاستغلال، وذلك من خلال منظومة تشريعية محكمة، تتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، كما أن عليها توفير آليات فعالة لتلقي البلاغات ومعالجتها بسرية واحترافية، وهذا أمر غاية في الأهمية، حيث تبرز الثقة كأحد العوامل المساعدة في قدرة الطفل على الإفصاح والإبلاغ عن الإساءات التي يتعرض لها، وهو المصدر الأساسي لهذه المعلومات، فإن لم يتحدث بحرية وثقة فلن يكون هناك اكتشاف لما يمارس ضده من سلوكيات خاطئة، وفي سلطنة عُمان والحمد لله تتوفر لدينا منظومة متكاملة من التشريعات والجهات الحكومية وغير الحكومية التي تنشط في إطار حماية الأطفال بصفة خاصة والأفراد بشكل عام، وربما تبرز الان حاجة جديدة لمواكبة التطورات الحالية والمستقبلية في هذا الاطار من خلال انشاء مؤسسات متخصصة في مجال خدمات الطفل والأسرة.
إنَّ من أهم العناصر التي يجب أن تساهم في حماية القاصرين هو الإعلام، الذي يجب عليه أن يبذل دورًا مؤثرًا في تشكيل الوعي المجتمعي تجاه قضايا الطفولة، وذلك من خلال تسليط الضوء على حقوقهم، ونشر الثقافة المتعلقة بواجبات المجتمع تجاه القاصرين، وثقافة الإبلاغ عن الإساءة، ومحاربة التنمر والعنف، وذلك من خلال استراتيجية إعلامية متكاملة من برامج توعوية وتثقيفية ومسلسلات وافلام هادفة، ومقالات توعوية، وجلسات حوارية، وحلقات نقاشية، ومساحات حوارية في وسائل التواصل الاجتماعي، ومنشورات تستهدف تثقيف الأطفال بحقوقهم، ويلعب الإعلام الهادف دورًا محوريًا في حماية الأطفال والمجتمع بشكل عام من الانحرافات السلوكية كما يلعب الإعلام الهدام دورا في فساد المجتمع وأفراده.
لم تعد حماية القاصرين سهلة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والأجهزة الذكية، وظهرت تحديات جديدة أكثر عمقًا وأشد تعقيدًا تهدد سلامة القاصرين السلوكية؛ حيث ظهر الابتزاز الإلكتروني والتنمر الرقمي والتعرض للمحتوى غير المناسب كأحد أهم الأسباب المؤدية إلى جنوح وانحراف القاصرين، وهي أكثر أشكال استدراج الأطفال للوقوع في شباك ضعاف النفوس ومعدومي التربية والمبادئ والقيم، ومن أجل ذلك لا بُد من تحرك سريع وقوي لاحتواء هذه الوسائل؛ سواء من الدولة أو من المجتمع بنفسه؛ فالعواقب التي تسبب بها الاستخدام السيء لهذه التكنولوجيا تمثل تحديًا كبيرًا يستنزف طاقات الدول وجهودها ومواردها، ولا بُد من تكاتف جميع الجهود لمواجهة هذا الاستغلال السلبي للتقنيات الحديثة، ولا بُد من حماية الأطفال بأي شكل من الأشكال حتى لا يقعوا ضحية لها، فالمجتمع الذي يحمي أطفاله، إنما يحمي حاضره ومستقبله.
رابط مختصر
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
“الشبعاني”: الاستحقاق الوطني في ليبيا مسؤولية دستورية مشتركة بين مؤسسات الدولة
يرى د. مجدي الشبعاني، أستاذ القانون العام المساعد بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، أن الاستحقاق الوطني في ليبيا هو مشروع دستوري متكامل لبناء دولة مستقرة، وليس مجرد إجراء سياسي أو موعد انتخابي.
وأوضح الشبعاني، في مقاله، أن نجاحه يعتمد على تكامل أدوار جميع مؤسسات الدولة، بما فيها مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، والحكومة، والقضاء، والمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في إطار من التعاون والالتزام بالقانون.
واستعرض الخبير القانوني، أبرز التحديات التي تعيق هذا الاستحقاق، وفي مقدمتها استمرار المرحلة الانتقالية، وعدم الاستقرار الدستوري، وتداخل الاختصاصات، وضعف تنفيذ الاتفاقات والقوانين، إلى جانب تراجع الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
ويطرح المقال رؤية دستورية للمستقبل تقوم على احترام الإطار الدستوري، وتعزيز التكامل المؤسسي، واستكمال المسار الدستوري عبر الاستفتاء على الدستور الدائم، والانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء مؤسسات الدولة وتحسين الخدمات وترسيخ سيادة القانون، مع اقتراح إنشاء منتدى سياسي للحوار داخل المجلس الأعلى للدولة لدعم التوافق الوطني.
ويخلص إلى أن الاستحقاق الوطني يمثل واجبًا دستوريًا جماعيًا تتحمل مسؤوليته جميع مؤسسات الدولة، وأن تحقيقه يبدأ بالاحتكام إلى الدستور والقانون، وينتهي بقيام دولة مستقرة تستند إلى الشرعية وسيادة القانون وتلبي تطلعات الشعب الليبي.