مهدي هميلي: «المطبعة» مسلسل عربي وليس تونسيا فقط
تاريخ النشر: 21st, February 2026 GMT
أكد المخرج مهدى هميلي أن مسلسل “المطبعة” بورتريه لعائلة تونسية تنتمي للطبقة الوسطى بعد الثورة، وتدور أحداثه في عام 2024، في هذا السياق الاجتماعي والسياسي المتوتر، حول فشل طبقة السياسة التونسية على المستويين الأخلاقي والاقتصادي، والعنف والفساد اللذين سيطرا على أرواح التونسيين.
وقال مهدي: “المطبعة هو تداخل لثلاث قضايا تؤرقني منذ زمن طويل: العائلة، والذنب، والحرية، ومن خلالها أسعى إلى تصوير وتعريب تعقيد وجود العائلة بلغة سينمائية، دقيقة في الكلام والحركة، والخسارة، التي تسري كخيط خفي في كامل السرد، تهزّ – إن لم تدمّر – حتى أكثر الأوهام عنادًا”.
وأضاف أنه “مسلسل عن مأساة فردية تنصهر في مأساة جماعية، وبورتريه قاسٍ لمجتمع عاجز عن التحرر من شياطين ماضيه، مجتمع في سقوط حر، بعد سنوات من الثورة، وتدهور الاقتصاد، خاصة نتيجة انهيار القطاع السياحي عقب العمليات الإرهابية، أصبح التونسيون متروكين لمصيرهم، وكل شيء ينزلق نحو الفوضى”.
وتابع: “يكشف هذا السياق ما بعد الثورة إلى أي حدّ استفحل الفساد، وانتشرت الجريمة، وسيطر الظلام على العقول، في هذا العمل الطويل، حيث يصطدم الأبطال بعنف مع عالم قذر ومنحطّ، تمتزج تيارات الحب والكراهية التي تجرفهم وسط عواصف الحياة، دون توقف ولكن هذه العنف لم يكن نهاية لعائلة نجيب، بل على العكس، شكّل خلاصها. ساعدهم على أن يسامحوا أنفسهم، ويتصالحوا مع بعضهم. في النهاية، يختار الأبطال أن يخوضوا معركة أخيرة ضد الشر، وألا يُهزموا أمام الفساد، تصبح العائلة آخر معقل للحماية، ونعود إليها حين ندرك أن المجتمع مريض، وما يتبقى لها في النهاية، هو الحب، ومن خلال هذا الحب، تنتصر”.
وأوضح مهدي: "ورغم التغيير والآمال التي أطلقتها الثورة، إلا أن السياق الاجتماعي لم يتطوّر كثيرًا، والصراع من أجل البقاء، الذي تخوضه الطبقات المسحوقة، هو معركة ضد نظام ترعاه طبقة سياسية ما قبل 25 جويلية، طبقة فاسدة تنهش البلاد، استمرار الإفلات من العقاب يدفع الضحايا للصمت. اخترت أن أواجه "العائلة" في "المطبعة" بهذا النظام، لأكشف زيفه".
وأكد أن المسلسل يتحرك في ذهاب وإياب بين ما هو مرسوم: أخلاق مجتمع، وما هو غير مرسوم: خيارات الفرد. الأب، الأم، والابن، كلهم يتحملون مسئوليات أخلاقية. أمام هذا القدر الاجتماعي، يختار كل واحد منهم مسارًا أخلاقيًا عليه تحمّل تبعاته. من هنا، تنبثق في "المطبعة" بُعدًا تضحيًّا. سؤال الفداء حاضر في كل لحظة.
وذكر أن المسلسل أيضًا هو حكاية عن الحب في مواجهة المرض، والنسيان، الذي يهدد الحب، يتجسّد في مرض الزهايمر الذي تعاني منه الأم التي ترمز للوطن المريض الذي نسي أبنائه.
وأضاف: “إنه إثارة اجتماعية حميمية حول رجل ينحدر نحو الجريمة. هل هو ضحية أم مذنب؟ وحده، في مواجهة الجميع، يذهب إلى أقصى مدى لحماية عائلته”.
وتابع: “قصة هذه العائلة المنهارة هي وسيلتي لغمر المشاهد في عمق الذات التونسية اليوم. أسعى في مقاربتي الإخراجية والعاطفية إلى جمال نقي، تراجيدي. وسأبقى قريبًا من الوجوه والأجساد”.
وأشار إلى أن الديكورات ستكون طبيعية، خامة، متدهورة وجميلة: مدينة تونس حيث تدور الأحداث.
واستطرد: “سأحاول إظهار ما لا يُرى، سأصوّر المنسيين في هذا البلد، الناس البسطاء المكسورين، النساء الوحيدات اللواتي يقاومن للبقاء، والشباب الغاضب الذي لا يجد سوى العنف كآخر خط دفاع ضد مجتمع ساخر”.
وقال: "تلك تونس التي نعتقد أننا نعرفها، التي تبهرنا بشبابها الحرّ وإصلاحاتها الديمقراطية، لكنها تظلّ مجهولة لأن الأماكن التي تطارد "المطبعة" لا تغطّيها الكاميراوات عادة. الفجوة الاجتماعية عميقة، وهذا النظام يسحق كرامة وحرية الفقراء".
“المطبعة” مسلسل ضارب، قاتم في أجوائه الواقعية الشعرية، لكنّه مشعّ بفضل شخصياته، رغم أنه متجذّر في الواقع التونسي والعربي، إلا أنه يطمح إلى مخاطبة جمهور عربي.
وتدور أحداثه حول نجيب الأب المخلص، والذي يمتلك موهبة الرسم وكتابة الخط، وتعاني زوجته من مرض الزهايمر، ويتعرض ابنه لتجربة قاسية تهدد مستقبله، ما يضطر نجيب للانحراف لإنقاذ عائلته.
المسلسل من تأليف وإخراج مهدي هميلي، وبطولة كل من يونس فارحي وسليم بكار وملكة عويج وسوسن معالج وعبد الحميد بوشناق وغانم الزرلي ومرام بن عزيزة وصابرة العوني وياسمين ديماسي، وإنتاج لدشركة “يول فيلم هاوس”.
ومهدي هميلي واحد من أبرز مخرجي السينما التونسية حاليا، وحصد الكثير من الجوائز في المهرجانات العالمية.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: مهدي هميلي مهدی همیلی
إقرأ أيضاً:
سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
دَعْنا نراقب الشمس…
قبل أن نتحدّث عن الاستغناء، وقبل أن نفكّر في السيادة الداخلية، دعنا نرفع أبصارنا قليلًا نحو السماء ونراقب - بعيون الفيلسوف لا بعيون العالِم - ذلك الجرم المتوهّج الذي لم يستأذن أحدًا كي يُشرق.
الشمس في مجرّة درب التبانة هي المركز. وحولها كلّ شيء يدور. حتى لو دار كوكبٌ حول نفسه، فإنّ ذلك لا يتعارض مع دورانه حول الشمس، بل يجعله أكثر إثارةً وتعقيدًا وجمالًا، ويسمح لنور الشمس أن يشرق على كلّ جوانبه دون استثناء.
الشمس تختار موقعها بحسابات دقيقة لا تخطئ: تقترب بما يكفي لتهب الدفء والحرارة اللازمين للخلق، وتبتعد بما يكفي لتضمن ألّا يذوب ذلك الخلق ويتلاشى تحت لهيبها. قرب يُحيي، وبُعد يصون -وهذا وحده يكفي تعريفًا للتوازن.
الشمس تُشرق كلّ صباح بلا استئذان، معلِنةً الإذن للحركة والسعي والإنجاز. ثمّ حين تُشرق على غيرك، تمنحك أنتَ فرصة الراحة والمراجعة والعودة إلى نفسك. لا تعتذر عن غروبها، ولا تستأذن في شروقها.
الشمس تُنير السموات والأرض وتسطع بأشعّتها الذهبية دون نظام فلترة أو تصنيف.. هي تُشرق على الظالم والمظلوم، على الجاهل والعالِم، على النشيط والكسول، على المخطئ والمصيب، على الجميل والقبيح، دون تمييز ودون انتظار شكر.
باختصار: الشمس تكون حقيقتها فقط. دون تجميل مبنيّ على آراء الآخرين.. دون تعديل يُمليه خوف الرفض. هي أصلًا لا تعرف إلّا أن تكون ما هي عليه دون قناع ودون مسرحية.
ومن يشتكي من حرّها؟ تزيده لهيبًا. ومن يشتكي من غيابها؟ تسمح للغيوم بالتراكم بينها وبينه، بما يحجب عنه ضوءها ودفأها - لا عقابًا، بل لأنّ الغيم جاء من اختياراته هو لا من طبيعتها هي.
ماذا لو علمتَ أنّك أنتَ الشمس في مجرتك؟ حياتك تبدأ بقدومك إلى هذا العالم وتنتهي بمغادرتك إيّاه. وما بين الميلاد والموت تلك هي مجرّتك كلّه. فلو كانت ثمّة شمس في هذه المجرّة، فهل ستكون غيرك؟
لحظةٌ لا تأتي بإشعار
ثمّةَ لحظةٌ لا تُعلن عن نفسها، لا تأتي مصحوبةً بصوت ولا مشهودةً بشاهد. لحظةٌ تتسلّل في صمت، مثلما يتسلّل الفجر بين شقوق الليل، فلا تدري متى بدأت، غير أنّك تُدركها في كامل حضورها حين تجد نفسك - ولأوّل مرّة ربّما - تقف أمام الحياة بلا حاجةٍ تستجدي، ولا ذاتٍ تثبت، ولا سؤالٍ يبحث عن إجابة في عيون الآخرين.
تلك اللحظة لا تهبها المكانة، ولا تصنعها الثروة، ولا تُهديها الشهرة. إنّها تولد من داخل الإنسان وحده، حين يكتشف - بعد رحلةٍ طويلة من الركض خلف ما ليس له - أنّ معظم ما كان يطارده لم يكن سوى صدىً لصوت داخلي يُناديه بالعودة إلى نفسه.
في تلك اللحظة تحديدًا يبدأ الوعي. ويبدأ التحرّر. ويبدأ ما يمكن تسميته - بكلّ دقّة - الاستغناء.
بين السؤال والجواب.. ثورة
يُروى أنّ جلال الدين الرومي توجّه يومًا إلى شمس الدين التبريزي بسؤالٍ يحمل ثقل كلّ روحٍ تعبت من نفسها:
"كيف تبرد نار النفس؟"
فأجابه شمس، بكلمةٍ واحدة:
"بالاستغناء."
لم يقل له: بالصلاة وإن كانت عماد الروح. ولا بالعلم وإن كان نور العقل. ولا بالمال ولا بالزهد. قال له: بالاستغناء.
لأنّ الاستغناء ليس فعلًا خارجيًا يمارسه الجسد، بل ثورةٌ داخلية تُعيد رسم حدود الذات. إنّه اللحظة التي تتوقّف فيها عن استجداء ما وهبك الله إيّاه أصلًا، واللحظة التي ينتهي فيها ذلك التسوّل الصامت - تسوّل الاعتراف، والقبول، والمعنى - من موائد الآخرين.
أخطر القيود.. تلك التي لا تُرى
إنّ أخطر أنواع العبودية ليست عبودية الجسد، بل عبودية الاحتياج. فالإنسان قد يمشي حرًّا بلا سلاسل ترى، بينما يقضي عمره كلّه أسيرًا لفكرة متجذّرة، أو شخصٍ يملك مفتاح رضاه، أو صورةٍ ذهنية صنعها من فتات آراء الآخرين.
كم من إنسانٍ باع سلامه الداخلي ثمنًا للقبول؟ وكم من امرأةٍ تنازلت عن كرامتها خشية الهجران؟ وكم من رجلٍ أضاع نفسه في متاهة إثبات نفسه؟ وكم من موهبةٍ عظيمة دُفنت حيّةً تحت ثقل الحاجة إلى التصفيق؟
قال كارل غوستاف يونغ:
"الامتياز الحقيقي لا يكمن في أن تكون أفضل من الآخرين،
بل في أن تكون أفضل مما كنتَ عليه بالأمس."
فالإنسان لا يُهزم حين يفقده الآخرون، بل يُهزم حين يفقد نفسه وهو يحاول الاحتفاظ بهم.
فصولٌ لا كتاب.. وأدوارٌ لا أصحاب
الحقيقة المُرّة الجميلة في آنٍ واحد: بعض الناس يأتون ليكملوا فصلًا في كتاب حياتك، لا ليقيموا في كلّ صفحاته.
"الناس صنفان؛ من أراد هجرك وجد في ثقب الباب مخرجًا،
ومن أراد البقاء معك لردم ثقبٍ في الصخرة مدخلًا."
الوعي ليس أن تعرف كيف تتمسّك. بل أن تعرف متى تترك. فالوردة لا تبكي حين تتساقط أوراقها، والشجرة لا تدخل في حداد كلّ خريف، والنهر لا يعود إلى منبعه هربًا من المجهول. فلماذا يُصرّ الإنسان وحده على التمسّك بما انتهى؟
الجرح ليس فيما فقدتَ.. بل فيما أعطيتَه لما فقدتَ
الناس لا يتألّمون بسبب ما فقدوه، بل بسبب المعنى الذي ألصقوه بما فقدوه. يفقد أحدهم علاقةً فيعتقد أنّه فقد الحبّ كلّه. ويفقد منصبًا فيعتقد أنّه فقد قيمته جميعها. بينما الحقيقة أنّ الحبّ أكبر من شخص، والقيمة أسمى من منصب.
قال فيكتور فرانكل، الذي عاش الجحيم وخرج منه شاهدًا لا ضحية:
"كلّ شيءٍ يمكن أن يُسلَب من الإنسان إلّا شيئًا واحدًا:
حريّته في اختيار موقفه تجاه ما يحدث له."
وهنا يكمن جوهر الاستغناء الحقيقي: أن تُدرك أنّ أحدًا لا يملك سلطةً على روحك، إلّا بمقدار ما أنتَ نفسك منحتَه إيّاها.
الاستغناء الأعظم: أن تستغني عن البشر بربّ البشر
ليس الانفصال عن الناس نفيًا لهم أو عزلةً عنهم، بل ألّا تجعلهم المصدر الوحيد لمعناك. ألّا تجعل رضاهم ميزان قيمتك. ألّا تجعل قبولهم تعريفًا يُحدّد هويّتك.
من عرف الله حقًا استغنى. ومن استغنى تحرّر. ومن تحرّر أشرق. ومن أشرق صار حضوره دعوةً صامتة إلى النور.
قال إبن الرومي:
"حين أترك ما أنا عليه، أصبح ما يمكن أن أكونه."
فكلّ ولادةٍ جديدة تبدأ بموت شيءٍ قديم. وكلّ اتّساعٍ يبدأ بتخلٍّ. وكلّ حريّةٍ حقيقية تبدأ باستغناء.
الاستغناء.. كما ينبغي أن يُفهم
الاستغناء ليس قسوةً على النفس ولا جحودًا للجمال. بل هو أن تُحبّ دون أن يأسرك الخوف. أن تمتلك دون أن يمتلكك ما تمتلك. أن تحلم دون أن يُشلّك القلق. أن تعمل دون أن تربط قيمتك بسقف النتائج.
إنّه أن تسير في هذه الحياة بقلبٍ ممتلئٍ بالله لا بالهواجس، وبروحٍ تستمدّ نورها من الخالق لا من تصفيق المخلوقين.
ستكتشف أنّ أعظم أشكال الثراء ليس ما تُضيفه إلى حياتك، بل ما تتحرّر منه. وأنّ أعظم أشكال القوّة ليس ما تسيطر عليه، بل ما لم يعد قادرًا على السيطرة عليك.
ذلك هو الاستغناء.
وذلك هو سرّ السيادة الداخلية.
وذلك هو الطريق الوحيد الذي لا يقودك إلى امتلاك العالم… بل إلى امتلاك نفسك.
باريس
1 يونيو 2026