ما الواجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا؟ الإفتاء توضح
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
تلقت دار الإفتاء المصرية سؤالا يقول صاحبه: ماذا يجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا؟ فقد دخلتُ على قريبٍ لي في شهر رمضان، فرأيته فجأة يشرب ناسيًا، فهل أذكِّرُهُ بِأَنَّه صائم؟ وهل تنبيه الصائم حال أكله أو شربه ناسيًا واجبٌ؟
وأجابت دار الإفتاء عن السؤال قائلة: يستحب لمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان أن يُذكِّرَه بالصيام، فهو من باب التعاون على البر والتقوى، وإن وَجَدَ أنَّ في تذكيره ضررًا فينبغي تَرْكه، ويجب على من ذُكِّرَ الكَفُّ بقية اليوم عن سائر المفطرات، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم حِينَئِذٍ، فصومه صحيح.
التجاوز عن الناسي في الشريعة الإسلامية
وأشارت إلى أن النِّسْيانُ أَمْرٌ جُبلت عليه طبائِعُ البشر، ومن يُسْرِ الشريعة الإسلامية وكمال رحمتها وسماحتها أنَّ الله تعالى تجاوزَ عن مؤاخذةِ العبد حال وقوع الخطأ والنسيان منه، فعن أبي ذَرٍّ الغفارِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عليه وآله وسَلَّم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» أخرجه الأئمة: ابن ماجه، وابن حبان، والحاكم.
ولا خلاف بين الفقهاء في أنَّ النسيان مُسْقِطٌ للإثم؛ لِأَنَّ فِعْلَ النَّاسي لا يشتمل على هَتْكِ حرمةٍ شرعية، ولا قَصْدِ الفِعْلِ وتَعَمُّدِه، لذا فلم يخش عليه العقاب. يُنْظَرُ: "الأشباه والنظائر" للعلَّامة ابن نجيم الحنفي (ص: 259-260، ط. دار الكتب العلمية)، و"الأشباه والنظائر" للحافظ السيوطي الشافعي (ص: 188، ط. دار الكتب العلمية).
حكم قضاء من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم
اختلف الفقهاء في حكم قضاء من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم، فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ صيامَ فريضةٍ أو نافلةٍ فإنَّهُ يُتِمُّ صومه ولا قضاء عليه ولا كفارة؛ إذ المؤاخذةُ لا تكونُ إلا عند قَصْدِ هَتْك حرمة الشيء مقرونةً بالشروع فيها، والنَّاسي لم يَتَحقَّق فيه هذا القَصْد، فانتفى الإثم والمؤاخذة عنه شرعًا.
بينما ذهب المالكية إلى أنَّ من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ صيام الفريضة فإنَّهُ يصير مفطرًا، ويلزمه القضاء شرعًا، مع وجوب الإمساك بقيَّةِ اليوم؛ مراعاةً لحرمةِ الوقت في شهر رمضان، وأمَّا إذا وقع النسيان في صيام النَّافْلة فيلزمه الإمساك بقيَّةِ اليوم، ولا قضاء عليه شرعًا.
والمختار للفتوى أنَّهُ لا قضاءَ ولا كفارة على من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائم صيام فريضةٍ أو نافلة؛ لعموم ما ورد عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ النبي صَلَّى الله عليه وآله وسَلَّم قال: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» رواه البخاري، وفي رواية ابن خزيمة والحاكم: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ»، وفي رواية الدارقطني: «إِذَا أَكَلَ الصَّائِمُ نَاسِيًا أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ».
فالحديث لم يُسَمِّ الأكل والشرب ناسيًا إفطارًا؛ وإنَّما سَمَّاهُ صومًا، وأَمَرَ النَّاسيَ بإتمامه، وأطلق على ذلك الطعام أو الشراب بِأَنَّهُ "رِزْقٌ سَاقَهُ اللَّهُ إِلَى الصائم"، فعُلِمَ من هذا أنَّه لم يُفْطِر.
ماذا يجب على من رأى الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا؟
أمَّا ما يتعلَّقُ بمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان، أيُذكِّره أم لا -وهو محل السؤال- فهذه المسألة محل خلافٍ بين الفقهاء: فذهب الحنفية في ظاهر المذهب إلى أنَّهُ ينبغي على من رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا أن يُذَكِّرَه؛ لا سِيَّمَا إذا كان الآكل ناسيًا باديًا عليه أمارةُ الصحةِ والقوةِ والقدرة على الصيام كالشاب؛ إذ الشباب أمارة القوة، وترك تذكيره حِينَئِذٍ مكروهٌ كراهةً تحريمية، لكن إذا كان الصائم باديًا عليه أمارة الضعف أو المرض أو العجز عن الصيام كالشيخ الكبير أو المرأة العجوز، فإنَّهُ يَسَعُ من رآه تَرْكُ تذكيره دون إثم؛ إذ الشيخوخة مَظِنَّةُ الرحمة والتخفيف غالبًا، خاصةً وأنَّ أكلَه قد يقويه على سائر الطاعات، فما يفعله ناسيًا لا يُعَدُّ معصيةً يؤاخذ عليها شرعًا، وبالتالي فالسكوت عنه ليس من باب إقرار المنكر؛ إنَّما من باب الإعانة على الطاعة.
وذهب المالكيةُ إلى وجوب تذكير الناسي مطلقًا؛ لا سِيَّمَا وأنَّ المالكية يرون أنَّ الأكل والشرب ناسيًا في صيام الفريضة يوجب القضاء كما سبق ذكره، وعملًا بِأَنَّ تذكير الغافل واجبٌ.
وذهب الشافعية في عموم مذهبهم في باب العبادات إلى أنَّ تذكير النَّاسي مستحبٌّ؛ لِأَنَّهُ من باب التعاون على البر والتقوى، وذلك ما لم يترتب عليه ضررٌ، فإذا ترتب ضَرَرٌ فلا يستحب فعله بل يحرم، ووجه كون التذكير مستحبًّا لا واجبًا أنَّ الناسي ليس مُقَصِّرًا ولا عاصيًا بدليل أنَّهُ لا قضاء عليه؛ إذ وجوب التذكير يتعلَّقُ بتفويت واجبٍ، كما لو رأى إنسانًا يتوضأ بماءٍ نجسٍ، أو يُصَلِّي خَلْفَ مُحْدِثٍ فيجب إعلامه وتذكيره لوجوب القضاء حِينَئِذٍ، أو فعل محرم، كما لو نام بعد دخول وقت الصلاة، وظَنَّهُ أنَّهُ لا يستيقظ في الوقت، وأعلمه بحرمة النوم حِينَئِذٍ فيجب إيقاظه إذا ضاق الوقت؛ لِأَنَّهُ عاصٍ، والعاصي يجب نهيه؛ ونهيه بإيقاظه.
وذهب الحنابلة إلى وجوب تذكير من أكل أو شرب ناسيًا وهو صائمٌ، شابًّا كان الصائم أو شيخًا؛ لا سِيَّمَا وأنَّ الأكل والشرب في نهار رمضان ظاهره منكرٌ يجب النهي عنه، وديننا الحنيف جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أسباب خيرية أمَّة الإسلام.
والمختار للفتوى هو: استحباب تذكير الناسي لا وجوبه؛ إذ الوجوب حيث كان التقصير، والناسي ليس مُقَصِّرًا ولا عاصيًا، وذلك ما لم يخش الضرر، فإن خشي الضرر تركه؛ لما تَقَرَّرَ من أنَّ "درء المفاسد مُقَدَّمٌ على جلب المصالح".
وأكدت بناءً على ما سبق وفي واقعة السؤال: فيستحب لمن رأى صائمًا يأكل أو يشرب ناسيًا في نهار رمضان أن يُذكِّرَه بالصيام، فهو من باب التعاون على البر والتقوى، وإن وَجَدَ أنَّ في تذكيره ضررًا فينبغي تَرْكه، ويجب على من ذُكِّرَ الكَفُّ بقية اليوم عن سائر المفطرات، ولا يلزمه قضاء هذا اليوم حِينَئِذٍ، فصومه صحيح.
المصدر
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: الصائم الصوم الإفتاء رمضان فی نهار رمضان یجب على من ناسی ا فی لا قضاء ن اس ی ا ح ین ئ ذ من باب إلى أن
إقرأ أيضاً:
باحثون: قضاء 15 دقيقة يوميًا في الطبيعة قد يحسن الصحة النفسية
في وقت أصبحت فيه ضغوط الحياة اليومية جزءًا من الروتين المعتاد للكثيرين، تتزايد الأبحاث التي تبحث عن وسائل بسيطة لتحسين الصحة النفسية وتقليل التوتر وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة أن قضاء 15 دقيقة فقط يوميًا في أحضان الطبيعة قد يترك تأثيرًا إيجابيًا ملحوظًا على الحالة المزاجية والصحة العقلية.
وبحسب الباحثين، فإن التواجد في الأماكن الطبيعية مثل الحدائق العامة أو المناطق الخضراء أو حتى الجلوس في مكان مفتوح تحيط به الأشجار، يساعد على تقليل مستويات التوتر والضغط النفسي، ويرجع ذلك إلى أن الطبيعة تمنح الدماغ فرصة للابتعاد عن المؤثرات المستمرة التي يواجهها الإنسان يوميًا، مثل ضوضاء المدن والشاشات الإلكترونية والتنبيهات المتكررة.
وأوضحت الدراسة أن المشاركين الذين أمضوا وقتًا يوميًا في أماكن طبيعية سجلوا مستويات أقل من القلق مقارنة بأشخاص قضوا الوقت نفسه في بيئات حضرية مزدحمة كما لاحظ الباحثون تحسنًا في القدرة على التركيز والشعور بالراحة النفسية بعد فترات قصيرة نسبيًا من التواجد في المساحات الخضراء.
ويرى خبراء الصحة النفسية أن النظر إلى الأشجار أو سماع أصوات الطيور أو مجرد المشي وسط الطبيعة قد يساعد على خفض مستويات هرمون الكورتيزول، المعروف بهرمون التوتر، كما أن التعرض للضوء الطبيعي والهواء النقي قد يساهم في تحسين المزاج وزيادة الشعور بالنشاط.
ولا يشترط للحصول على هذه الفوائد القيام برحلات طويلة أو زيارة أماكن بعيدة، إذ يمكن الاستفادة من التأثير الإيجابي للطبيعة من خلال المشي في حديقة قريبة أو الجلوس لبضع دقائق في مكان مفتوح خلال فترات الراحة اليومية.
ويؤكد الباحثون أن قضاء الوقت في الطبيعة لا يُعد علاجًا للأمراض النفسية، لكنه قد يكون جزءًا داعمًا من نمط حياة صحي يساهم في تحسين التوازن النفسي والحد من الضغوط اليومية.
وفي النهاية، تشير النتائج إلى أن تخصيص 15 دقيقة فقط يوميًا للتواصل مع الطبيعة قد يكون من أبسط العادات التي تمنح العقل فرصة للهدوء واستعادة التوازن وسط إيقاع الحياة السريع.