70 عاما فوق المئذنة.. محمد علي الشيخ حارس أذان الجوقة الدمشقي
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
من قلب الجامع الأموي في دمشق القديمة؛ حيث تتقاطع الأزقة العريقة الضيقة وتتراكم طبقات التاريخ الحضاري، ينساب صوت عذب يتجاوز حدود المكان ليسكن قلوب المستمعين، صوت يعلو فوق ضجيج الباعة، ووقع الأقدام المتسارعة، وهمس الدعوات، ويستقر في بيوت أهل المدينة كأنه فرد من العائلة.
صوت الشيخ محمد علي الشيخ، أقدم مؤذني الجامع الأموي، والمؤذن الأكبر سنا في المدينة، حيث ورث المهنة عن أبيه وصانها على مدى 70 عاما فلُقب بـ"شيخ المؤذنين".
ويعتبر الشيخ أحد آخر الحراس الفعليين لتقليد ديني دمشقي فريد اسمه "أذان الجوقة"، وهو أَذان لا تخطئه أذن دمشقي، لما يحمله من دلالات مرتبطة بوجدان هذا المجتمع العريق.
طفل يرث المحرابفي دمشق تورَّث مهنة المؤذن كما تورَّث البيوت الأثرية القديمة، من أب إلى ابن، ومن جد إلى حفيد، فعائلات كاملة حملت لقب "المؤذن" بوصفه ميراثا محفوظا يصان كما تصان الذاكرة، ويحفظ كما تحفظ الحكايات والأسماء جيلا بعد جيل.
ولد محمد علي الشيخ عام 1932 لوالد أمضى أكثر من ستين عاما مؤذنا في الجامع الأموي، وجدّ مؤذن أيضا. نشأ الطفل وهو يمشي خلف أبيه إلى الجامع، ويردد الأذان كمن يردد لحنا أحبه وحفظ مقاماته.
وبعد أن توفي والده وهو في سن العاشرة، تولى شقيقه الأكبر تدريبه على أداء الأذان حفاظا على هذا الإرث، وبعد 5 سنوات حل المرض في جسد الأخ، فطلب من الفتى أن يؤذن للمرة الأولى منفردا في مسجد الصحابي الجليل صهيب الرومي في حي الميدان الدمشقي، ومنذ تلك اللحظة لم يعد الأذان تقليدا عائليا لطفل مفتون بهذا الصوت، وإنما مسؤولية القيت مبكرا على عاتقه.
في دمشق تورَّث مهنة المؤذن كما تورَّث البيوت الأثرية، وهو ميراث محفوظ يُصان كما تُصان الذاكرة
ومع حلول عام 1949 بدأ الشاب تردده المنتظم إلى الجامع الأموي حيث يعرفه المؤذنون مذ كان صبيا، وبعد عام واحد صار مؤذنا رسميا في الجامع، يتناوب مع عشرات المؤذنين ضمن نظام يسمى "النوبات"، حيث ترفع الصلاة وفق ثلاث نوبات، تضم كل نوبة من خمسة عشرة إلى عشرين مؤذنا، وكانت مئذنة العروس هي مركز الأذان الجماعي قبل انتشار مكبرات الصوت حينها، وكان الشيخ يعمل في مطبعة قريبة من الجامع، وكلما حان موعد الأذان ترك الحبر والورق والتحق بمئذنته.
إعلانوفي عام 1973 تم اعتماده رسميا كمؤذن ضمن نوبة "السلطان" المنسوبة إلى الشيخ الدمشقي سليم سلطان، وصار يصعد مع 27 مؤذنا آخرين، لتتوحد أصواتهم في أذان واحد يعبر أسوار دمشق إلى بساتينها والقرى المحيطة فيها.
ويتميز الجامع الأموي بهذا التقليد الديني المتوارث منذ أواخر القرن 15، والمعروف باسم "أذان الجوقة"، وحتى اليوم يقف عدد من المؤذنين أمام المايكروفون، فيبدأ أحدهم بالتكبير ويردد الآخرون خلفه بتناغم مدروس، في تقليد نادر لا تعرفه أي مدينة أخرى.
لكل يوم أذانويرتبط الأذان الدمشقي بالمقامات الموسيقية، إذ يخصص لكل يوم مقام محدد، فالسبت ترفع الصلاة على مقام الصبا، والأحد على البيات، والاثنين على النوى، والثلاثاء على السيكا، والأربعاء على مقام العراق، والخميس على الحجاز، والجمعة على الراست، فيما تتبدل مقامات التكبيرات والتبليغ في كل صلاة بحسب اليوم، وبمقام مختلف عن مقام الأذان، بينما ترفع صلاة الظهر على مقام الحجاز دائما كاستثناء.
ولم يكن هذا التنويع في فترة من فترات التاريخ ترفا موسيقيا، وإنما شكّل نظاما زمنيا غير مكتوب قبل شيوع التقاويم الحديثة، فكان أهل دمشق يميزون اليوم من مقام الأذان، ويستدلون على قرب الإفطار في رمضان من سرعة أذان المغرب، وعلى اقتراب الفجر من التوسلات التي تسبق الأذان بنصف ساعة.
حضور طاغتغيرت ملامح المدينة والكثير من تفاصيل الحياة اليومية فيها، لكن صوت الشيخ محمد علي الشيخ لا يزال منذ سبعين عاما يمتد من صحن الجامع الأموي إلى أحياء بعيدة لم تعد مطلة على مآذن الجامع لكنها لا تزال تسمع تكبيرات مؤذنيها.
وحتى في الفترات الاستثنائية التي أُغلقت فيها أبواب الجامع الأموي في وجه المصلين، ظل صوت محمد علي الشيخ يصدح منه، محافظا على حضوره اليومي، ومُؤنسا المدينة التي اعتادت على قياس يومها وفق طبقات هذا الصوت ومقاماته.
حين خلت أروقة الجامع من المؤذنين، ظل الشيخ وحده محافظاً على تقليد الأذان الجماعي، مؤنساً المدينة التي اعتادت قياس يومها بنبرات صوته
على مدى عقود، شكّل محمد علي الشيخ بصوته مرجعا في مقامات الأذان، وذاكرة حية ﻷسماء المؤذنين وتقاليدهم، ومنح المؤذنين الجدد علمه وخبراته مساهما في الحفاظ على هذا الإرث الدمشقي الاستثنائي.
وحين خلت أروقة الجامع الأموي من المؤذنين، ظل الشيخ مع مؤذن آخر محافظين على تقليد الأذان الجماعي إلى أن تشكّلت جوقة مؤذنين جديدة.
ويعد الشيخ محمد علي الشيخ نموذجا لتحول الصوت إلى ذاكرة جمعية لمدينة بأكملها، وإلى حضور يومي ثابت يرافق أهلها مع تباشير الفجر، حتى الظهر، وإلى العشاء، ضمن تقليد تتفرد به دمشق عن بقية مدن العالم الإسلامي، وتحافظ من خلاله على خصوصيتها منذ قرون.
المصدر
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: وسم حريات دراسات رمضان 2026 محمد علی الشیخ الشیخ محمد علی الجامع الأموی
إقرأ أيضاً:
الخارجية الأميركية تخطر الكونغرس بخطة لإعادة فتح سفارتها في ليبيا بعد نحو 14 عاما
أبلغت وزارة الخارجية الأميركية الكونغرس عزمها المضي في خطة لإعادة فتح سفارة الولايات المتحدة في ليبيا، مقترحة تخصيص نحو 41 مليون دولار لتمويل استئناف تدريجي لعمليات السفارة بعد إغلاقها منذ عام 2014.
وأوضحت الوزارة أن التمويل سيغطي مجموعة من الإجراءات والأنشطة الأمنية اللازمة لإعادة الوجود الدبلوماسي الأميركي في ليبيا بشكل تدريجي، معتبرة أن هذه الخطوة “ضرورية لتعزيز مصالح الأمن القومي الأميركي”.
وأكدت الخارجية الأميركية أن الموقع الاستراتيجي لليبيا على البحر المتوسط، ودورها في أمن المنطقة وأسواق الطاقة وملف الهجرة، يجعلها ذات أهمية حيوية للمصالح الأميركية، مشيرة إلى أن حالة عدم الاستقرار في البلاد أتاحت توسع نفوذ قوى منافسة، وفي مقدمتها روسيا.
وكانت الوزارة قد أبلغت الكونغرس في مارس الماضي بأنها بدأت التحضير لاحتمال إعادة فتح السفارة في طرابلس، التي أغلقت في يوليو 2014 مع تصاعد الصراع، فيما ظل الدبلوماسيون الأميركيون المكلفون بملف ليبيا يعملون من تونس ومالطا.
ووفق الخطة الجديدة، سيُستخدم التمويل لتعزيز الإجراءات الأمنية في المكتب الأميركي الحالي بطرابلس، تمهيدًا لاستعادة وجود دبلوماسي دائم في البلاد.
المصدر: أسوشيتد برس (AP)
الخارجية الأميركيةالكونغرسرئيسي Total 0 Shares Share 0 Tweet 0 Pin it 0