افتتح فضيلة أ.د. محمد الجندي، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة، صباح اليوم، فعاليَّات الأسبوع الثامن عشر للدَّعوة الإسلاميَّة، الذي تعقده اللجنة العُليا لشئون الدعوة في جامعة الأزهر تحت عنوان: (القراءات الحداثيَّة وخطرها على الأمن المجتمعي)

 برعايةٍ كريمةٍ من فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وذلك بحضور فضيلة أ.

د. سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر، وأ.د. محمود محمد حسين، عميد كليَّة أصول الدِّين بالقاهرة، والدكتور حسن يحيى، الأمين العام المساعد للجنة العُليا لشئون الدَّعوة، ونخبة مِنَ العلماء والأساتذة والباحثين والطلَّاب.

وفي كلمته، قال الدكتور محمد الجندي: إنَّ تعامُل المسلمين مع القرآن الكريم يجب أن يقوم على الخشوع والتعظيم، مستشهدًا بما رُوي عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- حين سُئلت عن حال أصحاب النبي ﷺ عند سماع القرآن، فقالت: «تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله»، مشيرًا إلى أنَّ ذلك النموذج يعكس حقيقة العَلاقة مع كلام الله تعالى.

دعاء اليوم الرابع من رمضان مستجاب.. ماذا كان يقول النبي؟دعاء الفجر في رمضان.. ردده بيقين يستجاب لك

وأكَّد الدكتور الجندي أنَّ من آداب تلاوة القرآن الكريم تجنُّب كل ما يخل بالخشوع في أثناء القراءة أو الاستماع؛ كاللهو أو الانشغال أو العبث، لافتًا إلى أنَّ العلماء نصُّوا على توقُّف القارئ عن القراءة إذا غلبه التثاؤب؛ تعظيمًا لخطاب الله تعالى، وإجلالًا لمكانة القرآن الكريم في نفوس المؤمنين.

وأوضح الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة أنَّ حُسْن التلاوة والتدبُّر من أعظم ما يُحيي القلوب، مشيرًا إلى أنَّ العلماء نبَّهوا إلى خطورة تحويل القرآن الكريم إلى وسيلة للرياء أو المكاسب الدنيوية، أو الاكتفاء بحفظ الحروف دون العمل بالمعاني والحدود التي جاء بها.

وأشار فضيلته إلى أنَّ القرآن الكريم كلام الله -تعالى- الذي أُنزِل للهداية والرحمة، ولا يجوز التعامل معه بوصفه مادَّة للهو أو الكسب، مؤكِّدًا أنَّ الدعوة إلى قراءة القرآن بتدبُّر ووقار هي من صميم التوجيهات القرآنيَّة، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}.

وبيَّن أنَّ بعض الاتجاهات التي تتعامل مع القرآن باستخفاف تسعى في حقيقتها إلى نزع الثقة بكتاب الله، وهو ما يؤدِّي إلى سقوط القِيَم والأخلاق وانتشار الفوضى والانحراف، لافتًا إلى أنَّ الأزمة الأخلاقيَّة التي يشهدها العالَم اليوم ترتبط بغياب الضوابط القيميَّة والدِّينيَّة التي تحفظ المجتمعات مِنَ الانحراف.

وشدَّد الدكتور محمد الجندي على أنَّ الأزهر الشريف يواصل جهوده في دعم حفظ القرآن الكريم وتعظيمه في نفوس النشء والشباب، مشيرًا إلى الحافز القرآني الذي قرَّره فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لطلاب الثانويَّة الأزهريَّة المتفوقين في مسابقات حفظ القرآن الكريم؛ بما يعكس اهتمام الأزهر بتكريم حفظة كتاب الله، وتعزيز مكانة القرآن في المجتمع، فضلًا عن تطوير منظومة تحفيظ القرآن الكريم، وتشجيع الطلاب على الإقبال عليه.

وتابع أنَّ هذا التوجه يأتي في إطار رؤية الأزهر الشريف لترسيخ ثقافة حفظ القرآن الكريم، ودعم الطلاب المتفوقين عِلميًّا وقرآنيًّا؛ بما يُسهِم في إعداد جيل يحمل القِيَم القرآنيَّة، ويستوعب رسالتها الحضاريَّة.

كما أكَّد فضيلته أنَّ الإسلام لا يعادي الحداثة العِلميَّة التي تقوم على التقدُّم التقني والنهضة المعرفيَّة؛ بل يشجِّع عليها ما دامت منضبطة بالقِيَم والأخلاق، موضحًا أنَّ الإشكال يكمن في بعض الاتِّجاهات الحداثيَّة الفلسفيَّة التي تتعامل مع النَّص القرآني بمنهجيَّات تسعى إلى تفريغه من قدسيَّته أو إخضاعه لقراءات مستوردة لا تراعي خصوصيَّته.

وأشار إلى أنَّ من أبرز هذه الاتجاهات ما يُعرف بالمنهج البنيوي، الذي يتعامل مع النص القرآني كأيِّ نَصٍّ لُغويٍّ بشريٍّ، وكذلك الاتجاه التفكيكي، الذي جاء كردِّ فعل لحالة الإحباط وإنكار النظريَّات الشاملة المتماسكة كالبنيويَّة، إضافةً إلى الاتجاه العقلي المجرَّد الذي يعتمد على الرأي دون الرجوع إلى المرجعيَّة العِلميَّة والضوابط التفسيريَّة المعتمدة.

وبيَّن أنَّ هناك أيضًا اتجاهًا تاريخيًّا يحاول رَبْط النَّص القرآني بظروف زمنيَّة محدَّدة بما يُسقط صلاحيَّته لكل زمان ومكان، فضلًا عن الاتجاه الهرمنيوطيقي، الذي يعتمد التأويل الرمزي البعيد عن المعنى الظاهر للنَّص، مؤكدًا أنَّ هذه المناهج في مجملها تسعى إلى زعزعة الثوابت وإثارة الشكوك حول النص القرآني.

كما استعرض فضيلته غايات النَّقد الحداثي للنَّص القرآني، موضِّحًا أنَّ من أبرزها: إعادة قراءة النَّص قراءة تخالف ضوابطه المقرَّرة عند العلماء، وفَتْح باب التشكيك في القرآن الكريم وتراثه التفسيري، فضلًا عن محاولة إحلال تأويلات غربيَّة محل الفهم الصحيح للنَّص، وإنكار مصدريَّة الوحي، والطعن في القضايا الغيبيَّة.

واستطرد أنَّ بعض المستشرقين قد روَّجوا لادعاءات باطلة حول الوحي، إلا أنَّ هذه المزاعم دُحضت عِلميًّا وتاريخيًّا، وقد تصدَّى لها عددٌ مِنَ المفكِّرين والباحثين، ومنهم الفيلسوف والمؤرخ ويل ديورانت، الذي رفض تلك الادعاءات وبيَّن عدم صحَّتها مِنَ الناحية العِلميَّة والتاريخيَّة.

واختتم الأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميَّة كلمته بتأكيد ضرورة الوعي بخطورة هذه الاتجاهات الفكريَّة، والعمل على ترسيخ الفهم الصحيح للقرآن الكريم، وتعزيز مكانته في حياة المسلمين؛ بوصفه مصدر الهداية والقِيَم، وأساس بناء الإنسان والمجتمع.

وتستمرَّ فعاليَّات الأسبوع الدعوي على مدار خمسة أيَّام، بمشاركة نخبةٍ من علماء الأزهر الشريف، تتنوَّع خلالها الندوات والمحاضرات الفكريَّة التي تتناول مفهوم القراءات الحداثيَّة ونشأتها، ومناهج الحداثيِّين في قراءة النصوص، وخطورتها على الأمن المجتمعي بمستوياته المختلفة، إلى جانب إبراز ركائز المنهج الأزهري في مجابهة هذه الطروحات، وبيان ملامح التجديد المنضبط في التراث الإسلامي، بما يُعزِّز الوعي، ويُرسِّخ المنهج الوسطي الأصيل.

طباعة شارك أمين البحوث الإسلاميَّة الأزهر شيخ الأزهر حفظ القرآن

المصدر

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: أمين البحوث الإسلامي ة الأزهر شيخ الأزهر حفظ القرآن البحوث الإسلامی الأزهر الشریف القرآن الکریم الأمین العام محمد الجندی حفظ القرآن ص القرآنی ة الأزهر ا إلى أن ة التی

إقرأ أيضاً:

الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم

عقد الجامع الأزهر، مساء أمس الاثنين، الملتقى الفقهي، لمناقشة موضوع: «الضمانة والكفالة"رؤية فقهية"»، وذلك بمشاركة الدكتور عبد الله النجار، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأدار اللقاء الإعلامي سمير شهاب، بالتلفزيون المصري، وذلك تحت رعاية الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف.

الجامع الأزهر يعقد ملتقى القراءات للختمة المرتلة خطيب الجامع الأزهر: العبادات منهج حياة يضبط سلوك المسلم

قال الدكتور عبد الله النجار إن الله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد واستقامة أحوالهم في الدنيا والآخرة، لأن صلاح الدنيا طريق إلى صلاح الآخرة، وأن المسلم مطالب بأن يستقيم على طاعة الله تعالى في جميع شؤون حياته، ومن الخطأ الاعتقاد بأن امتلاك المال أو السعي إليه يتعارض مع مقصود الشرع أو مع التطلع إلى نعيم الآخرة، فالإسلام لا يذم المال في ذاته، وإنما يوجه الإنسان إلى حسن اكتسابه وإنفاقه فيما يرضي الله تعالى، كما أن العبد لا ينال رضوان الله إلا إذا التزم بما أراده الشرع وأدى الحقوق التي افترضها الله عليه، موضحا أن الفقهاء عند حديثهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية ذكروا الكليات الخمس التي تقوم عليها حياة الناس، وهي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العرض، وحفظ المال، وهذه المقاصد تتكامل فيما بينها، ولا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتحقيقها جميعا على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى، إذ يؤدي كل مقصد منها دورا أساسيا في بناء الإنسان وصيانة المجتمع وتحقيق العمران.

وأضاف الدكتور النجار أن الدين بعد انقطاع الوحي لا ينقل إلى الأجيال بالكلام المجرد فحسب، وإنما ينتقل من خلال السلوك العملي والتعاملات التي تجسد أخلاق الإسلام وأحكامه، فحين يلتزم المسلم بما أمرت به الشريعة يصبح نموذجا يقتدى به، وبذلك يستمر أثر الدين في الناس جيلاًبعد جيل، لذلك فإن حفظ المال يعد من المقاصد الشرعية المهمة؛ لأنه وسيلة إلى عزة النفس وصيانة الكرامة وتحقيق الكفاية، فالإسلام يريد أمة منتجة قوية، "اليد العليا خير من اليد السفلى"، قادرة على العمل والعطاء وتحقيق الاكتفاء والنهوض الحضاري.

نظام الكفالة والضمان

وأكد الدكتور عبد الله النجار أن من الوسائل التي شرعتها الشريعة لتحقيق حفظ المال وصيانة الحقوق نظام الكفالة والضمان، لما لهما من دور كبير في توثيق المعاملات وبث الطمأنينة بين المتعاملين وتحقيق المصالح العامة، قال تعالى على لسان إخوة يوسف عليه السلام: "قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ" وهذه الآية تعد من أبرز الأدلة على مشروعية الضمان والكفالة، والفقهاء اشترطوا في الضامن أو الكفيل القدرة على الوفاء بما التزم به.

ومن جانبه، قال فضيلة الدكتور علي مهدي إن الشريعة الإسلامية أولت عناية كبيرة بحفظ الأموال وصيانة الحقوق، وجعلت لذلك وسائل متعددة من أبرزها عقد الضمان، الذي يعد من العقود المهمة في الفقه الإسلامي، لأن الأصل في الدين حسن المعاملة، وأن مظاهر التدين الحقيقية تتجلى في التزام الإنسان بحقوق الآخرين وأدائه لما عليه من واجبات،  والفقهاء قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام رئيسة: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وعقود التبرعات كالهبة والوقف، وعقود التوثيقات كالضمان والرهن والكفالة.

وأضاف الدكتور علي مهدي أن الغاية من عقود التوثيق هي حفظ الحقوق ومنع النزاع بين الناس، ولذلك جاءت الكفالة والضمان باعتبارهما من أهم الوسائل التي تحقق الاستقرار في المعاملات المالية، مبينا أن الضمان يكثر استعماله في الأموال والالتزامات المالية، بينما تكون الكفالة غالبا في الأنفس وإحضار الأشخاص، أما الحمالة فترد في بعض صور الديات،  لذلك فإن الضمان ليس مجرد وعد أو كلمة تقال، بل يترتب عليه التزام شرعي وقانوني معتبر، وقد وردت في السنة النبوية الشريفة شواهد عديدة تؤكد مشروعيته وأهميته في حفظ الحقوق ومنع ضياع الأموال.

وأشار الدكتور علي مهدي إلى أن الضمان ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة؛ أولها ضمان العقد، وهو الذي ينشأ بإرادة المتعاقدين ورضاهما، كما في عقود البيع ونحوها، ومن صوره المعاصرة ما تقدمه بعض الشركات من ضمان لمنتجاتها لمدة محددة، وثانيها ضمان اليد، ويكون فيما يوضع تحت يد الإنسان على سبيل الأمانة أو الحفظ أو الانتفاع وفق الضوابط الشرعية، أما النوع الثالث فهو ضمان الإتلاف، ويقصد به التزام من أتلف مالا للغير أو تسبب في إتلافه بضمان ما أتلفه وتعويض صاحبه عنه، تحقيقا للعدل وصيانة للحقوق التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها.

 

مقالات مشابهة

  • الملتقى الفقهي بالجامع الأزهر: حفظ المال مقصد شرعي عظيم
  • أهمية الخشوع في الصلاة وتسابيح سيدنا النبي بعد أدائها
  • الشيخ المنشاوي يسبق نادي أرسنال على منصة إكس بعد بث الختمة الجديدة
  • ماذا قال له الرسول؟.. خالد الجندي يوضح تعامل النبي مع رجل شكا له سوء تصرف خادمه
  • المفتي العام يحذر من تداول نسخة من القرآن الكريم
  • رئيس الدولة: رحم الله المربي والمعلم الفاضل الدكتور محمود أحمد القيسية
  • بدء الاختبارات التحريرية المركزية للمسابقة العالمية 33 في حفظ القرآن الكريم وفهم معانيه
  • الشيخ المنشاوى يتصدر تريند إكس بعد إعلان إذاعة القرآن الكريم بث المصحف المرتل الجديد
  • لأول مرة.. إذاعة القرآن الكريم تذيع المصحف المرتل النادر للشيخ المنشاوي
  • شعبة محرري الصحة تهنئ الدكتور محمد حساني باختياره عضواً في مجموعة استشارية تابعة لمنظمة الصحة العالمية