لجريدة عمان:
2026-06-03@03:17:48 GMT

جنوب جبال الحقف في محافظة الوسطى

تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT

جنوب جبال الحقف في محافظة الوسطى

تُعد منطقة جنوب جبال الحقف في محافظة الوسطى واحدة من أبرز الأقاليم الجيولوجية في سلطنة عمان، لما تحويه من تنوع طبيعي فريد وتاريخ جيولوجي عميق يمتد إلى مئات الملايين من السنين. وتتشكل السهول الصحراوية والجبال في محافظة الوسطى من ست سمات رئيسة، ومن أهمها السلسلة الجبلية الواقعة في شرق المحافظة والمعروفة بجبال الحقف، التي تمتد من ولاية محوت شمالا إلى ولاية الدقم جنوبا، وصولا إلى ولاية هيماء غربا، بطول يقارب 200 كيلومتر وعرض يصل إلى نحو 75 كيلومترا.

وتتكون هذه المنطقة من جروف صغيرة وتلال متفرقة يتجاوز ارتفاع بعضها 150 مترا فوق مستوى سطح البحر، كما في الجزء الجنوبي من منطقة الحقف الجبلية، ومن أبرزها قبتا خُفَي وبُوَّه في ولاية الدقم. ورغم أن الارتفاعات ليست شاهقة مقارنة بجبال شمال عمان، إلا أن القيمة العلمية والجيولوجية لهذه المنطقة تفوق بكثير مظهرها التضاريسي البسيط، إذ تحتضن سجلا صخريا نادرا يوثق تحولات مناخية وبيئية كبرى شهدتها الأرض عبر العصور.

ويتميز الجزء الجنوبي من جبال الحقف بوجود مجموعة من الظواهر الجيولوجية البديعة، يقع معظمها اليوم ضمن نطاق محمية الحياة الفطرية بجدة الحراسيس. وتظهر صخور هذه المنطقة بتباين لوني واضح بين الصخور الكربونية والرملية، ما يجعلها من أكثر المناطق تميزا في صور الأقمار الصناعية على مستوى سلطنة عمان. ولا تقتصر أهمية هذا التباين على الناحية الجمالية، بل تمتد إلى بعدها الاقتصادي والعلمي، إذ إن هذه الصخور تماثل في خصائصها مجموعة من صخور المكامن النفطية في وسط عمان وجنوبها، وهو ما جعل المنطقة منذ خمسينيات القرن الماضي محط اهتمام جيولوجيي شركات النفط لدراسة نظائر المكامن السطحية وفهم خصائصها الرسوبية والخزنية.

ومن أندر الظواهر المسجلة في هذه المنطقة وجود خدوش جليدية متحجرة تعود إلى حقبة الحياة القديمة قبل نحو 300 مليون عام. وتشير هذه الخدوش إلى فترة كانت فيها عمان تقع بالقرب من القطب الجنوبي، حين غطت الصفائح الجليدية أجزاء واسعة من أراضيها في مناخ يختلف جذريا عن المناخ الصحراوي الحار السائد اليوم. وتمثل هذه الشواهد الجليدية دليلا قاطعا على حركة الصفائح التكتونية عبر الزمن، وعلى التحولات المناخية الكبرى التي مرت بها القارات.

ولا تقتصر أهمية جنوب جبال الحقف على سجلها الجليدي، بل تحتضن أيضا دلائل على بدايات الحياة المبكرة، إذ توجد في هذه المنطقة قبب بكتيرية تعود إلى حقبة الحياة السحيقة. وتمثل هذه القبب أشكالا رسوبية نتجت عن نشاط كائنات دقيقة بدائية عاشت قبل ظهور النباتات والحيوانات المعقدة. وعلى الرغم من بساطة هذه الكائنات من حيث التركيب، فإنها كانت قادرة على القيام بعملية التمثيل الضوئي وإنتاج الأكسجين، وهو الغاز الذي يشكل أساس الحياة الحالية. وتشير الدراسات إلى أن مثل هذه الكائنات الدقيقة أسهمت في رفع نسبة الأكسجين في الغلاف الجوي تدريجيا، مما أتاح ظهور كائنات أكثر تعقيدا تعتمد على التنفس الهوائي. ومن هنا تتجلى القيمة العالمية لهذه التكوينات، إذ توثق مرحلة مفصلية في تطور الغلاف الحيوي للأرض.

كما يضم الجزء الجنوبي من جبال الحقف ما يعرف بحديقة الصخور في ولاية الدقم، وهي مجموعة من التشكيلات أو الدرنات الصخرية التي نحتتها عوامل التعرية المائية والريحية عبر آلاف بل ملايين السنين. وقد أبدعت الرياح والمياه في تشكيل هذه الصخور بأشكال هندسية وطبيعية متنوعة، لتكوّن مشهدا فريدا يجمع بين الفن الطبيعي والدلالة العلمية. وتعكس هذه التشكيلات أثر العمليات السطحية المستمرة في إعادة تشكيل ملامح الأرض، وتبرز التفاعل الدائم بين المناخ والصخور عبر الزمن الجيولوجي.

إن جنوب جبال الحقف يقدم نموذجا تعليميا وميدانيا متكاملا لدراسة تطور الأرض، من العصور الجليدية القديمة إلى نشأة الحياة البدائية، ومن تكوين الصخور الرسوبية إلى فهم أنظمة المكامن النفطية. كما يجمع بين القيمة العلمية والبيئية والجمالية في آن واحد، خاصة مع وقوع معظم ظواهره ضمن محمية طبيعية تحافظ على تنوعها الحيوي والجغرافي. وتؤكد هذه المنطقة أن محافظة الوسطى ليست مجرد امتداد صحراوي، بل سجل مفتوح لتاريخ الأرض، ومختبر طبيعي يعكس التحولات الكبرى التي شكلت ملامح كوكبنا عبر مئات الملايين من السنين.

المصدر

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: محافظة الوسطى هذه المنطقة

إقرأ أيضاً:

لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

في عمق تاريخ مصر القديمة، وتحديدًا خلال عصر الدولة الوسطى في الأسرة الثانية عشرة (نحو 1985–1773 ق.م)، خرجت إلى الوجود واحدة من أكثر القطع النحتية غموضًا وإثارة في تاريخ الفن المصري القديم: تمثال ضخم لملك مجهول الهوية بدقة، يُعتقد أنه أحد ملوك هذه المرحلة العظيمة مثل سنوسرت الثالث أو سنوسرت الثاني، وربما امتدت احتمالاته إلى أمنمحات الرابع.

هذا التمثال، الذي اكتُشف في منطقة هيراكليوبوليس ماغنا قرب الفيوم، لا يمثل مجرد عمل فني، بل هو وثيقة سياسية ودينية تعكس تحولات كبرى في مفهوم الحكم والسلطة والخلود في الحضارة المصرية.

ملوك الدولة الوسطى.. بناء دولة مركزية قوية

شهدت الدولة الوسطى واحدة من أكثر مراحل مصر استقرارًا وازدهارًا، حيث أعاد ملوك الأسرة الثانية عشرة توحيد البلاد بعد فترات من الاضطراب، ونجحوا في بناء جهاز إداري قوي ودولة مركزية متماسكة.

برز من بين هؤلاء الملوك سنوسرت الثالث، المعروف بحملاته العسكرية في النوبة وإصلاحاته الإدارية الصارمة، إلى جانب ملوك آخرين مثل سنوسرت الثاني وأمنمحات الرابع، الذين أسهموا في ترسيخ قوة الدولة وتوسيع نفوذها.

وفي هذا السياق، جاءت التماثيل الضخمة لتكون أداة سياسية بصرية تعكس هيبة الملك وتؤكد طبيعته الإلهية.

فن يعكس التحول نحو الواقعية

يمثل هذا التمثال نموذجًا واضحًا للتحول الفني الذي ميّز عصر الدولة الوسطى، حيث ابتعد الفنانون تدريجيًا عن المثالية المطلقة التي كانت سائدة في العصور السابقة، واتجهوا نحو تصوير أكثر واقعية وصدقًا في ملامح الملوك.

فبدلًا من الوجوه الشابة المثالية، ظهرت تعابير أكثر جدية وصرامة، تعكس شخصية الملك كحاكم مسؤول عن حماية البلاد وإدارة شؤونها في عالم مليء بالتحديات.

ويُعتقد أن هذا الأسلوب بلغ ذروته في تماثيل سنوسرت الثالث، التي أظهرت ملامح تحمل مزيجًا من القوة والتجربة والرهبة، وكأنها تعكس ثقل الحكم ذاته.

لغز الهوية وإعادة الاستخدام الملكي

إحدى أبرز نقاط الغموض في هذا التمثال هي هويته الدقيقة، إذ يرى بعض الباحثين أنه قد يمثل سنوسرت الثالث، بينما يرجح آخرون أنه يعود إلى أمنمحات الرابع، بسبب محدودية المعلومات المتاحة عن فترة حكمه القصيرة.

كما أن التمثال يحمل دليلًا مهمًا على إعادة استخدامه في عصر لاحق، خلال الفترة الرعامسية، وربما في عهد مرنبتاح، ابن رمسيس الثاني. وقد كانت إعادة النقش وإعادة توظيف التماثيل ممارسة شائعة في مصر القديمة، حيث كان الملوك اللاحقون يربطون أنفسهم بإنجازات أسلافهم لتعزيز شرعيتهم السياسية.

الأميرات إلى جانب الملك.. رمزية العائلة والسلطة

ما يجعل هذا التمثال أكثر تميزًا هو وجود شخصيات صغيرة لأميرات بجوار الملك، وهو عنصر نادر في النحت الملكي المصري. هذه الإضافة لا تحمل بعدًا عائليًا فقط، بل تعكس أيضًا فكرة استمرار السلالة الملكية وترسيخ مفهوم الوراثة الإلهية للحكم.

كما تُظهر هذه التفاصيل كيف كان الفن المصري القديم وسيلة للتعبير عن السلطة بوصفها نظامًا متكاملًا يجمع بين الملك والعائلة الملكية والدين والدولة.

شاهد حجري على تاريخ متغير

اليوم، يقف هذا التمثال في المتحف المصري الكبير كطبقات متراكمة من التاريخ؛ فهو عمل فني من الدولة الوسطى، أعيد استخدامه في عصر لاحق، واكتشف في زمن حديث، ليصبح سجلًا مفتوحًا يروي قصة آلاف السنين من السياسة والدين والفن.

إنه ليس مجرد تمثال لملك مجهول، بل مرآة تعكس كيف كانت مصر القديمة تعيد تشكيل صورتها عبر الزمن، وكيف استطاعت أن تجعل من الحجر وسيلة لحفظ السلطة والهوية والذاكرة.

وهكذا، يبقى هذا التمثال الضخم شاهدًا على حقيقة واحدة: أن الملوك قد يرحلون، لكن الحجر الذي نُقشت عليه أسماؤهم يواصل الحديث عنهم إلى الأبد.

الملك المفقود 

مقالات مشابهة

  • هل أرهقت تكاليف الحياة الأردنيين؟
  • ثلاث فتيات يفارقن الحياة غرقاً أثناء محاولة إنقاذ إحداهن جنوب تعز
  • لغز الفيوم العظيم.. الملك المفقود الذي يروي مجد الدولة الوسطى وصراعاتها
  • من كنوز المتحف الكبير.. سينوسرت الثالث ملك صنع مجد الدولة الوسطى
  • ضبط 3 متهمين بسرقة مركبة وإضرام النار بها في ولاية مصيرة
  • إنفوجرافيك | ولاية الإمام علي عليه السلام في الوعي اليمني.. المفهوم والموقف
  • مسلح يقتل 6 من أفراد عائلته وينتحر في ولاية أيوا الأميركية
  • تل أبيب تطلب ضوءًا أخضر أمريكيًا لتوسيع عملياتها داخل لبنان | إسرائيل تعلن السيطرة على قلعة الشقيف جنوب لبنان .. وجيش الاحتلال يصدر أوامر إخلاء جديدة
  • مسؤول إسرائيلي: لن ننسحب من جنوب لبنان طالما بقي هناك تهديد على الأرض
  • سماع دوي انفجار في جزيرة قشم الإيرانية