غزة ومجلس السلام.. هل يُعاد رسم القضية خارج الأمم المتحدة؟
تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT
جان يعقوب جبور
ليست غزة اليوم مجرد ساحة حرب مفتوحة على المجهول؛ بل مختبر سياسي يُعاد فيه اختبار شكل النظام الدولي وحدود شرعيته. ومع تصاعد الحديث عن ترتيبات ما بعد الحرب، وعن أفكار تتصل بإنشاء إطار سياسي جديد برعاية أمريكية مباشرة أو ما يُوصف أحيانًا بـ«مجلس السلام» الذي تقوده واشنطن، يطفو سؤال جوهري: هل نحن أمام محاولة لإنتاج تسوية سياسية، أم أمام إعادة صياغة للقضية الفلسطينية خارج مرجعيتها الأممية؟
منذ عام 1947، حين أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 181 بشأن تقسيم فلسطين، أصبحت القضية الفلسطينية جزءًا من البنية القانونية للنظام الدولي.
غير أن التجربة الأمريكية في عهد ترامب (2017- 2021) مثّلت تحوّلًا نوعيًا في مقاربة واشنطن للصراع، من حيث: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل (ديسمبر 2017)، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس (مايو 2018)، ووقف تمويل وكالة الأونروا، ثم طرح «صفقة القرن» في يناير 2020. هذه جميعها شكّلت مجتمعة رؤية تقوم على إعادة تعريف عناصر الحل النهائي، لا على تطبيق القرارات الدولية القائمة. وكان واضحًا أن المقاربة اعتمدت منطق «الصفقة» السياسية- الاقتصادية؛ حيث تُطرح حوافز واستثمارات مقابل ترتيبات أمنية وتنازلات سياسية، مع تراجع واضح لمفهوم الأرض مقابل السلام بصيغته التقليدية.
اليوم.. وفي ظل حرب مدمّرة على غزة خلّفت آلاف الضحايا ودمارًا واسعًا للبنية التحتية، يعود النقاش حول من يرسم ملامح المرحلة المقبلة. هل ستُدار عملية الإعمار ضمن إطار أممي تقليدي تشارك فيه الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول إقليمية، أم ستُصاغ ترتيبات سياسية- أمنية جديدة بقيادة أمريكية شبه حصرية، تُهمِّش المنظمة الأممية عمليًا وإن لم تُقصِها رسميًا؟ الفارق بين المسارين ليس إجرائيًا؛ بل جوهري. الأمم المتحدة ليست مجرد منصة بيانات أو قرارات رمزية؛ هي المرجعية القانونية التي تُعرِّف الأرض بأنها «محتلة»، وتُبقي قضية اللاجئين ضمن إطار قانوني عبر "الأونروا"، وتمنح الفلسطينيين صفة قانونية في المحافل الدولية. تقليص هذا الدور يعني عمليًا تقليص المرجعية التي يستند إليها أي مطلب سياسي فلسطيني في المستقبل. في المقابل، يرى أنصار المقاربة الأمريكية أن الأمم المتحدة أثبتت عجزها المزمن عن فرض تنفيذ قراراتها، وأن مجلس الأمن بقي رهينة الفيتو المتكرر. ويجادلون بأن أي تسوية واقعية تحتاج إلى قوة ضغط فعلية، وهو ما تملكه واشنطن وحدها بحكم علاقتها الاستراتيجية بإسرائيل وقدرتها على حشد الدعم الإقليمي. من هذا المنظور، قد يُنظر إلى «مجلس سلام» تقوده الولايات المتحدة بوصفه محاولة لكسر الجمود الطويل، ولو خارج الأطر التقليدية.
لكن الإشكالية تكمن في الثمن السياسي والقانوني. هل يمكن إنتاج سلام مستدام إذا جرى الالتفاف على القرارات الدولية؟ وهل تتحول القضية من نزاع تحكمه قواعد القانون الدولي إلى ملف تفاوضي يخضع بالكامل لموازين القوى؟ التاريخ القريب يُظهر أن أي ترتيبات لا تعالج جذور الصراع (الاحتلال، والحدود، والقدس، واللاجئين، والسيادة) تتحول إلى هدنة مؤقتة لا أكثر. غزة تحديدًا تختصر هذا التحدي. إذ إن إعادة الإعمار، مهما بلغت كلفتها وحجم التعهدات المالية، لا يمكن أن تكون بديلًا عن أفق سياسي واضح. القطاع خضع لعدة جولات إعادة إعمار منذ 2008، لكن غياب تسوية شاملة أبقى دورة العنف مفتوحة. وأي إطار جديد؛ سواء سُمّي مجلسًا أو مبادرة أو تحالفًا، لن ينجح إذا اقتصر على إدارة الأزمة أمنيًا وإنسانيًا من دون معالجة سياسية حقيقية.
ثمّة بعدٌ آخر لا يقل أهمية: مكانة النظام الدولي نفسه؛ فمنذ نهاية الحرب الباردة، شكّلت الأمم المتحدة- رغم ضعفها- رمزًا لفكرة التعددية واحتكام النزاعات إلى قواعد مشتركة. وتهميشها في واحدة من أقدم وأعقد القضايا الدولية، يبعث برسالة تتجاوز حدود فلسطين: رسالة مفادها أن الشرعية يمكن تجاوزها إذا توفّر ميزان قوة ملائم. وفي عالم يشهد تصاعدًا في النزاعات والتنافس بين القوى الكبرى، قد يكون لذلك تداعيات أوسع من حدود غزة. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل واقع أن الأمم المتحدة وحدها لم تستطع فرض حل، وأن مسار المفاوضات تعثّر مرارًا منذ كامب ديفيد عام 2000 مرورًا بخارطة الطريق 2003، ومؤتمر أنابوليس 2007. هذا الفشل المتراكم يفتح الباب أمام محاولات جديدة، بعضها قد يكون خارج الصيغة التقليدية. لكن التجديد لا يعني إلغاء الأسس القانونية؛ بل ربما إعادة دمجها في إطار أكثر فاعلية.
الاختبار الحقيقي لأي «مجلس سلام» لن يكون في عنوانه أو في اسم من يرأسه؛ بل في مضامينه: هل يعترف صراحة بحدود 1967 كأساس للتفاوض؟ هل يلتزم بمرجعية قرارات الأمم المتحدة؟ هل يقدّم تصورًا واضحًا لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة؟ أم أنه يكتفي بترتيبات أمنية وإدارية مؤقتة تُدار تحت سقف السيطرة الإسرائيلية الفعلية؟
غزة، الجريحة مرة أخرى، ليست بحاجة إلى إدارة جديدة للأزمة، بقدر ما تحتاج إلى حل جذري يُنهي دوامة الحرب المتكررة. وأي مسار يتجاهل أن القضية الفلسطينية بقيت، على مدى 7 عقود، قضية شرعية دولية قبل أن تكون ملفًا تفاوضيًا، يخاطر بإنتاج تسوية هشة لا تصمد أمام اختبار الزمن.
بين منطق الصفقة ومنطق القانون، يقف الشرق الأوسط على مفترق طرق. قد تنجح القوى الكبرى في فرض ترتيبات مؤقتة، لكنَّ السلام الدائم لا يُبنى على تهميش المرجعيات؛ بل على الجمع بين الواقعية السياسية والعدالة القانونية. وفي هذا التوازن الدقيق، يتحدد ليس فقط مصير غزة؛ بل أيضًا مستقبل فكرة النظام الدولي القائم على القواعد.
المصدر
المصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
روبيو: لم نحدد بعد وجهة إعادة توطين ألف لاجئ أفغاني من قاعدة في قطر
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الولايات المتحدة لم تحدد بعد أين ستعيد توطين ألف لاجئ أفغاني من القاعدة الأمريكية في قطر.
وقال روبيو خلال جلسة استماع في لجنة بمجلس النواب: "لدينا هناك حوالي ألف شخص أو يزيد، ويجب علينا نقلهم. ولذلك لا أعتقد أن هناك دولة واحدة ستستقبل الألف كلهم"، وأضاف أن الولايات المتحدة تحاول "إيجاد المزيد من الدول" التي تعرض خدماتها وتستقبل اللاجئين.
ووجد اللاجئون الأفغان أنفسهم في قاعدة "السيلية" العسكرية في قطر بعد سقوط كابل بيد حركة طالبان في أغسطس 2021. وكان من المقرر أن تكون فترة مكوثهم في القاعدة 21 يوما فقط، لكنها امتدت لسنوات بسبب تعليق برنامج إعادة توطين اللاجئين الأفغان في يناير 2025.
هؤلاء اللاجئون هم مترجمون وضباط عمليات خاصة وأفراد عائلاتهم، وقد تم تدقيق أوضاعهم الأمنية مرارا خلال العقدين الماضيين، وكانوا يعملون إلى جانب القوات الأمريكية.
وكانت تقارير قد أشارت إلى أن الإدارة تدرس نقل هؤلاء اللاجئين إلى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وهي خطة أثارت انتقادات حادة من أعضاء الكونغرس. ووصف أكثر من 30 سيناتورا ديمقراطيا، في رسالة إلى روبيو، هذه الخطة بأنها "واحدة من أكثر الخيانات قسوة وتهورا في تاريخ أمتنا".
وذكر السيناتور ريتشارد بلومنتال أن اللاجئين يواجهون "خيارا زائفا: العودة إلى أفغانستان حيث ينتظرهم التعذيب والموت، أو إرسالهم إلى دولة تعاني واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم".
من جانبها، طلبت قطر من الولايات المتحدة نقل اللاجئين الأفغان الموجودين في قاعدة "السيلية" بحلول سبتمبر 2026، مؤكدة أن ترتيب استضافتهم مؤقت.
وذكرت وثائق دبلوماسية أمريكية أن الدوحة مددت اتفاقها لاستضافة أكثر من 1،100 لاجئ أفغاني حتى 29 سبتمبر 2026، لكنها شددت على أن الولايات المتحدة يجب أن تنقل جميع اللاجئين بعد ذلك التاريخ.
في بداية أغسطس 2021، كثفت حركة طالبان هجومها على قوات الحكومة الأفغانية، وفي 15 أغسطس دخلت كابل، وفي اليوم التالي أعلنت أن الحرب انتهت. غادر أشرف غني، الذي كان يشغل منصب الرئيس الأفغاني آنذاك، البلاد. في ليلة 31 أغسطس، غادر الجيش الأمريكي مطار كابل، منهيا بذلك وجودا عسكريا أمريكيا دام 20 عاما.
وقال روبيو إن الإدارة تجري محادثات مع خمس دول على الأقل لاستقبال اللاجئين، وأكدت وزارة الخارجية أنها "تتواصل بانتظام مع سكان القاعدة بشأن جهود إعادة التوطين" لكنها رفضت الكشف عن تفاصيل المفاوضات نظرًا لحساسيتها.