جريدة الرؤية العمانية:
2026-06-02@23:07:58 GMT

السودان..وصراع الجنرالات

تاريخ النشر: 22nd, February 2026 GMT

السودان..وصراع الجنرالات

 

 

 

د.أحمد بن علي العمري

 

السودان البلد التاريخي العريق، والذي يحتضن النيل العظيم، والبلد ذو المساحة الكبيرة، والذي يمكن أن يكون سلة غذائية تورد خيراتها إلى العالم العربي والإسلامي، إن لم يكن إلى العالم قاطبة، يعيش هذا البلد العزيز أزمة سياسية وأمنية عميقة منذ أبريل من عام 2023م نتيجة الصراع الدامي المُحتدم والمتواصل بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي).

والسبب الرئيسي هو السلطة والنفوذ ومن يحكم. كان الجيش والدعم السريع حليفين سابقين أثناء حكم عمر البشير، وبعد الإطاحة به. بعد ثورة 2019م تشكلت سلطة انتقالية مدنية عسكرية، وتولى الدكتور عبدالله حمدوك رئاسة الحكومة، وهو رجل اقتصادي مُخضرم، وبدأت الأمور تتجه إلى مسارها الصحيح والهدف المنشود.

ولكن في عام 2021 قام الجيش والدعم السريع معًا بحل الحكومة الانتقالية، الأمر الذي أنهى الشراكة مع المدنيين. ويبدو أنَّ أسباب التباين هي خلاف حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش، بالإضافة إلى التنازع على السلطة والموارد، والخلاف حول الرؤية المستقبلية للدولة.

الأمر الذي زاد الطين بلة هو تدخل أطراف وقوى إقليمية ودولية لأطماع ومصالح لها في السودان، مما جعل السودان ساحة لمعارك دولية (لا ناقة له ولا جمل فيها)، منها ما هو مُبطن ومنها ما هو ظاهر للعلن.

والنتيجة ما حصل للسودان من مصائب وكوارث متتالية ولا زالت مُستمرة، فقد نزح الملايين من المدنيين مع نقص شديد في الغذاء والدواء، في كارثة إنسانية غير مسبوقة، وكذلك انهيار كامل للبنية التحتية، فتدمرت المستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد والجسور والطرق، واحترقت الأرض الزراعية الخصبة، وتهدمت جميع المرافق في حرب ضروس.

كما أدى ذلك إلى انقسام مجتمعي حاد في الشعب الواحد، حيث تصاعد الخطاب العرقي والقبلي والمناطقي، حتى أثر ذلك على استقرار المنطقة برمتها وزعزعة أمنها المستقر الآمن، بتدفق اللاجئين إلى جميع الدول المجاورة؛ الأمر الذي أثقل كاهل هذه الدول.

وعلى الرغم من بذل العديد من الجهود الإقليمية والدولية من قبل الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، بالإضافة إلى بعض الوساطات من السعودية وإثيوبيا وأمريكا، ولكنها لم تجد الآذان الصاغية حتى الآن، ولم تحقق وقفًا دائمًا لإطلاق النار.

وهذا يبقي وضع السودان غامضًا بلا أي ضوء في آخر النفق، وإن كانت هناك بعض السيناريوهات، فإما انتصار عسكري لأحد الطرفين، وهذا صعب المنال، أو تدخل دولي جاد، أو تسوية سياسية وإن كانت صعبة للغاية، ولكنها ليست مُستحيلة.

إنَّ السودان يحتاج لحل سياسي شامل يُعيد السلطة للمدنيين ويحقق العدالة الانتقالية المنشودة. وهذه الأزمة والمحنة تمثل تراجعات كبيرة جدًا عن آمال ثورة 2019 التي رفعت شعار الحرية والسلام والعدالة، وتؤكد ضرورة إيجاد نموذج حكم ديمقراطي يحل إشكالية العلاقة بين السلطة المدنية والعسكرية.

كم من شخص قُتل، وكم من واحد شُرّد ونزح، وكم من أعراض انتُهكت، وكم من بيوت دُمّرت، وكم من أسرة تفرّقت، وكم من ثكلى بكت. أليس لديكم ضمير يحس، أو قلب يخشع، أو عين تدمع؟

دعوني أذكركم بالأبطال السودانيين، وهم كثر في الحقيقة وفي جميع المجالات، ولكن لأنكم عسكريون وقادة سأختصرهم في واحد ذي السيرة العطرة، رحمة الله عليه، وهو الجنرال عبدالرحمن سوار الذهب الذي تسلم الحكم بعد ثورة شعبية أطاحت بحكم  الرئيس جعفر نميري، وبعد عام واحد لا أكثر سلّم السلطة للمدنيين، على الرغم من المحاولات الجادة والمُستمرة لمطالبته بالاستمرار. فيا ليت لو تعتبرونه قدوة لكم، وهو عسكري مثلكم.

فلتتحاملوا على أنفسكم وتتنازلوا عن المكاسب الشخصية لأجل السودان، واجعلوا السودان أولًا؛ بل إنَّ هناك من يرى الحل الصعب الذي يجب أن يكون بأن يغادر كلا الجنرالين السودان بما اكتسبوه إلى مكان آمن لهم ولأسرهم وحتى أحفادهم وأبناء أحفادهم، ويسلموا السلطة للمدنيين، عسى أن يلملموا جراح السودان وينقذوا ما يمكن إنقاذه، ولتجعلوا من هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان المُبارك، خيرًا وبركة ورحمة لأهل السودان الكرام.

حمى الله السودان ووفق أهله لحل معضلته.

رابط مختصر

المصدر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا

يخطئ كثيرون عندما يظنون أن الحب يبدأ وينتهي عند المشاعر. ويخطئ آخرون عندما يعتقدون أن اللهفة هي الدليل الأكبر على الحب، أو أن الشوق وحده يكفي لبناء علاقة طويلة العمر. فالمشاعر الجميلة قد تفتح الأبواب، وقد تشعل البدايات، لكنها وحدها لا تكفي لتجعل قلبًا يستقر، ولا روحًا تطمئن، ولا علاقة تصمد أمام تفاصيل الحياة الكثيرة.

فالإنسان لا يبحث في الحب عن شخص يحبه فقط، بل يبحث عن شخص يشعر معه أنه بخير. يبحث عن شخص يهدأ في حضرته ضجيج العالم، وتخف معه وطأة الأيام، وتصبح الحياة أقل قسوة وأكثر احتمالًا.

لهذا السبب، فإن أجمل العلاقات ليست بالضرورة تلك التي بدأت بأكبر قدر من الانبهار، وإنما تلك التي استطاعت أن تمنح أصحابها ثلاثة أشياء لا غنى عنها: الأمان، والونس، والعفوية.

بين الأمان والونس والعفوية... يولد الحب الحقيقي.

الحب الذي يعيش طويلًا ليس الحب الذي يجعل القلب يخفق أكثر، بل الحب الذي يجعله يطمئن أكثر. فالخفقان حالة مؤقتة، أما الطمأنينة فهي وطن.

ولعل الأمان هو أول ما يحتاجه القلب بعد أن يتجاوز مرحلة الانبهار الأولى. فكل إنسان يحمل داخله مخاوفه الخاصة، وجروحه القديمة، وتجارب لم يخبر بها أحدًا. وكل إنسان يدخل أي علاقة وهو يتمنى، في أعماقه، أن يجد شخصًا لا يضيف إلى أوجاعه وجعًا جديدًا.

الأمان العاطفي هو أن تتحدث دون أن تخاف من السخرية. أن تعبر عن مشاعرك دون أن تشعر أنك في قفص الاتهام. أن تخبر الطرف الآخر بما يزعجك دون أن يتحول اعترافك إلى نقطة ضعف تُستخدم ضدك لاحقًا.

الأمان العاطفي هو أن تكون نفسك بلا أقنعة.

فالإنسان يتعب من التمثيل. يتعب من مراقبة كلماته، ومن حساب ردود أفعاله، ومن الخوف الدائم من أن يُساء فهمه. ولهذا فإن الراحة الحقيقية لا تأتي من الحب وحده، بل من الشعور بأنك مقبول كما أنت.

ثم يأتي نوع آخر من الأمان، ربما يكون أكثر تأثيرًا في العلاقات العاطفية، وهو أمان الاحتياج.

ذلك الشعور الجميل بأن هناك شخصًا يمكن الاتكاء عليه عندما تتعب الحياة. شخصًا لا يختفي عند الأزمات، ولا يصبح وجوده مشروطًا بظروف معينة.

أجمل ما في الحب... أن أشعر بك دون أن أطلبك.

كم من الأشخاص لا يحتاجون حلولًا لمشكلاتهم بقدر حاجتهم إلى شعور واحد فقط: أن هناك من انتبه إلى تعبهم قبل أن يشرحوه، ومن لاحظ حزنهم قبل أن يعترفوا به، ومن اقترب منهم قبل أن يطلبوا ذلك.

فالاحتياج ليس ضعفًا كما يتصور البعض، بل جزء أصيل من طبيعتنا البشرية. وكلنا نحتاج إلى من يشعر بنا، وإلى من يلتقط إشاراتنا الصغيرة التي قد لا نملك القدرة على التعبير عنها بالكلمات.

أن أجدك وقت حاجتي إليك... تلك هي الحكاية كلها.

ليست الحكاية في عدد الرسائل، ولا في كثرة الكلمات، ولا في المظاهر التي يراها الناس. الحكاية الحقيقية تكمن في ذلك الحضور الذي يأتي في اللحظة المناسبة. في ذلك الشخص الذي يظهر عندما تضيق بك الدنيا، وكأنه يقول لك: أنا هنا.

وهناك أيضًا أمان المكانة.

ذلك النوع من الأمان الذي يجعل الإنسان يعرف موقعه في قلب من يحب. فلا يعيش في حيرة دائمة، ولا في اختبارات متكررة، ولا في قلق مستمر حول قيمته عند الطرف الآخر.

فالعلاقات التي تُبنى على الشك تستهلك أصحابها أكثر مما تسعدهم. والإنسان لا يستطيع أن يمنح الحب وهو منشغل طوال الوقت بالسؤال: هل ما زلت مهمًا؟ هل ما زلت مرغوبًا؟ هل ما زلت أحتل نفس المكانة؟

الحب الصحي لا يجعل صاحبه يلهث خلف الطمأنينة، بل يمنحه إياها.

ثم يأتي أمان الضعف.

وهذا من أجمل أنواع الأمان وأندرها.

أن تسمح لنفسك بأن تكون هشًا أمام شخص ما، وأنت مطمئن أنه لن يكسرك. أن تكشف له مخاوفك وأحزانك ونقاط ضعفك، وأنت واثق أنها ستكون في أيدٍ أمينة.

فالناس يحبون من يشاركونهم لحظات القوة، لكن العلاقات العميقة تُبنى في لحظات الضعف.

في اللحظة التي تسقط فيها كل الأقنعة، ويبقى الإنسان على حقيقته.

لكن الأمان وحده لا يكفي.

فالعلاقة قد تكون آمنة، لكنها جافة. مستقرة، لكنها بلا روح. وهنا يأتي العنصر الثاني من هذا الثالوث الجميل: الونس.

الونس ليس كلمة عابرة، بل حاجة إنسانية عميقة.

فقد يعيش الإنسان وسط عشرات الأشخاص، ويظل يشعر بالوحدة. وقد يجلس مع شخص واحد فقط، فيشعر أن العالم كله أصبح أخف.

أحبك لأنني أرتاح في حضرتك.

وربما تكون هذه الجملة من أصدق تعريفات الحب.

فالراحة ليست أمرًا بسيطًا كما يظن البعض. الراحة أن تتمكن من الحديث دون تكلف. وأن تصمت دون حرج. وأن تشعر أن وجودك مرحب به دائمًا.

هناك ونس الحديث، عندما يصبح الكلام سهلًا وعفويًا، وتمضي الساعات دون شعور بالملل.

وهناك ونس الحضور، وهو أعمق من الكلام نفسه. فبعض الأشخاص يكفي وجودهم ليخفف عنك ما لا تستطيع الكلمات تخفيفه.

وهناك ونس المشاركة. أن تجد شخصًا يريد أن يشاركك تفاصيل يومه، ويسأل عن تفاصيل يومك، وكأن ما يخصك يخصه أيضًا.

وهناك ونس الصمت.

نعم، الصمت.

فمن علامات العلاقة الناضجة أن يصبح الصمت مريحًا لا محرجًا. أن يجلس شخصان معًا دون حاجة دائمة إلى ملء الفراغ بالكلمات.

أما العنصر الثالث فهو العفوية.

العفوية هي الروح التي تمنع الحب من التحول إلى واجب ثقيل.

العفوية هي الضحكة التي تخرج دون تخطيط، والكلمة التي تُقال من القلب مباشرة، والاهتمام الذي يأتي بلا حسابات معقدة.

العلاقات التي تفقد عفويتها تفقد شيئًا من جمالها كل يوم.

فالإنسان لا يريد أن يشعر أنه يتعامل مع مشروع إداري، أو مع معادلة حسابية دقيقة. يريد أن يشعر أنه مع إنسان حقيقي، يتصرف بطبيعته، ويعبر عن مشاعره دون خوف أو تصنع.

كم من علاقة بدأت جميلة ثم أرهقتها الحسابات الدقيقة؟

من اتصل أولًا؟
ومن اعتذر أكثر؟
ومن بادر أكثر؟
ومن أعطى أكثر؟

فتتحول المشاعر إلى دفاتر حسابات، ويتحول الحب إلى عملية مراجعة مستمرة للأرصدة العاطفية.

العفوية لا تعني الفوضى، لكنها تعني الصدق.

والصدق دائمًا أكثر جمالًا من الكمال المصطنع.

ولذلك فإن أجمل العلاقات هي تلك التي تسمح للطرفين بأن يكونا على سجيتهما، دون خوف من الأحكام أو الانتقادات أو المقارنات.

ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة يغفل عنها كثير من الناس.

ما الذي يجعل شخصًا يكبر في قلبنا كل يوم؟

ليس الشكل وحده.

ولا الكلمات وحدها.

ولا البدايات المبهرة وحدها.

الذي يجعل شخصًا يكبر في القلب هو طريقته في التعامل معنا.

فالناس في العلاقات نوعان لا ثالث لهما.

هناك شخص نحبه كثيرًا منذ البداية. ندخل معه العلاقة ونحن نحمل له مشاعر كبيرة، وتوقعات كبيرة، ومكانة كبيرة. ثم تبدأ الأيام في كشف طريقة تعامله، فنفاجأ بأن الحب الذي كان يملأ القلب بدأ يتراجع تدريجيًا.

ليس لأن المشاعر كانت كاذبة.

بل لأن المعاملة كانت أقوى من المشاعر.

وهناك شخص آخر لا يبدأ القصة بنفس القدر من الانبهار. قد تكون مشاعرنا نحوه عادية، أو متوسطة، أو هادئة. لكنه مع الوقت يكبر في القلب بشكل مدهش.

يكبر لأنه كان حاضرًا عند الحاجة.

ويكبر لأنه منحنا الأمان.

ويكبر لأنه كان مصدر ونس.

ويكبر لأنه تصرف بعفوية وصدق.

فيتسلل إلى أعماق القلب خطوة خطوة، حتى يحتل مكانة لم يكن يتوقعها أحد.

وهنا تكمن إحدى أهم الحقائق النفسية في العلاقات الإنسانية.

القلوب لا تحتفظ بحبها بناءً على الانطباع الأول فقط، بل بناءً على التجربة اليومية المتكررة.

فنحن لا نحب الأشخاص بسبب ما وعدونا به، بل بسبب ما جعلونا نشعر به.

نحب من جعلنا أكثر اطمئنانًا.

ونقترب ممن جعلوا الحياة أخف.

ونتمسك بمن منحونا الشعور بأننا لسنا وحدنا في مواجهة العالم.

لهذا السبب يبقى الأمان والونس والعفوية أعمدة الحب الحقيقية.

فالأمان يجعل القلب يستقر.

والونس يجعل الروح تبتسم.

والعفوية تجعل العلاقة تحتفظ بنبضها وجمالها.

أما الحب الذي يخلو من هذه الثلاثة، فقد يبقى اسمًا للحب، لكنه يفقد الكثير من معناه.

فالإنسان في نهاية المطاف لا يبحث عن شخص يثير مشاعره فقط، بل عن شخص يشعر معه أنه في بيته. شخص لا يحتاج معه إلى الحذر، ولا إلى التمثيل، ولا إلى شرح كل ما يشعر به.

شخص يستطيع أن يقول له العالم كله: أنت وحدك، بينما يخبره حضوره الصادق أنه ليس وحده أبدًا.

وهذه، في رأيي، هي أجمل صورة للحب، وأصدقها، وأبقاها.

ومادام هذا الثالوث حاضرا يبقي الحب قادرا علي مقاومة الزمن .لأن القلوب لا تتعب من الحب بقدر ماتتعب من غياب مايجعل الحب جديرا بالبقاء .

طباعة شارك الأمان الطمأنينة الحب الحقيقي

مقالات مشابهة

  • أكبر ثروات العراق فيها.. تقرير عن ثنائية السلطة في البصرة
  • د. أمل منصور تكتب : الأمان والونس والعفوية .. الثالوث الذي يحفظ الحب حيًا
  • اعرف عدوك.. الوجع الإسرائيلي الذي لم نقرأه
  • رهاب العلمانية!
  • من الذي أوقف الحرب.. ولماذا الآن؟
  • مشيخة الأزهر بين السلطة والمعارضة
  • أبل تطور ميزة جديدة لحماية آيفون من السرقة والخطف السريع
  • جراحتان روبوتيتان في يوم واحد.. مدينة الملك عبدالله الطبية تنقذ حاجين من انسدادات قلبية معقدة
  • سلسلة ❙ ماذا لو؟!: أنتَ شمسُك.. ماذا لو علمتَ أنّك المركز الذي لم يبحث عنه أحد سواك؟
  • تحالف الجنرالات.. الحرس الثوري يستكمل السيطرة على إيران من الداخل